ازدواجية الخطاب الاسلامي واختلاف المعايير الاسلامية

بقلم: تيسير خروب

يوم جمعة ذهبت للصلاة في احد مساجد مدينتي ...فما اكثر مساجدها وما اقل ايمان روادها.
عندما يدخل الداخل للاستماع الى خطبة الشيخ قبل اقامة الصلاة يجد صعوبة في ايجاد مكان له للجلوس والاصغاء لما يقولةه الخطيب في جمع المصلين لعظتهم وتذكيرهم بدين واخلاق وسلوكيات السلف الصالح.. فتجد الناس بين مصغ وشارد الذهن عما يقال. وبين متأمل في اماني واحلام قريبة وبعيدة المنال في نفس الوقت فتنظر بعد حين الى جنبات المسجد وفسحاته فلا ترى محلا لاحد قادم بعد ذلك.
تتأمل هذه الجموع التي تركت وراءها مشاغلها وزياراتها وجلوسها مع عائلاتها لتقوم بما فرض الله عليهم من صلاة يوم الجمعة لما فيها الخير والبركة وغسل ذنوب ما مضى من ايام، فتجد نفسك امام سؤال يلح عليك رغم مهابة الموقف والمكان وانت بين يدي الله: اذا كان كل هؤلاء قد اتو ملبين نداء الله اكبر.. وجاءوا من كل حدب وصوب، منهم الفلاح ومنهم صاحب تجارة ومنهم المهندس والطبيب.. وهناك الشخصيات السياسية المسؤولة الكبيرة منها والصغيرة وتراهم خاشعين مسبحين. فمن اين يأتي الفساد اذن في مجتمعنا؟
اليس المفترض ان يكون هؤلاء قدوة للعمل الصالح وان الصلاة تنهاهم عن الفحشاء والمنكر والبغي! اذن هناك ازدواجية في شخصية المسلم تظهر وتختفي حسب الظروف والمعطيات التي تدفعه لمثل هذا السلوك الغريب والمستهجن بنفس الوقت. وفي آخر خطبة الشيخ قدس الله سره راعني ما كان يدعو به رافعا يديه الى السماء بخشوع وجملة المصلين ولا اقول جميعهم يرددون وراءه من غير اهتمام او وعي بما يدعو قائلين بصوت خفيض كأنها حناجر مريضة فارقت الصحة اجساد اصحابها منذ زمن بعيد وهم يقولون آآآآآآآآمين.
ومن جملة ما كان يدعو به هذا الخطيب: اللهم عليك باليهود والنصارى اللهم بدد شملهم وشتت جمعهم واجعل نسائهم سبيا لنا.
فاليهود هنا نحن مقرين بالدعوة عليهم والتنكيل بهم لما اذاقوه للعرب المسلمين من الوان العذاب في فلسطين واحتلال المقدسات الاسلامية والمسيحية منها واحاكة المؤامرات والدسائس ضد الدين والعروبة والحركة الصهيونية التي نفذت وتنفذ عمليات ارهابية حيث يشكل الارهاب بالنسبة لليهود احد المقومات الفكرية الاساسية للحركة الصهيونية مثلما يقدم الموساد الاسرائيلي على ارتكاب العديد من الجرائم الارهابية في لبنان وسوريا والاردن حيث لاحقوا قيادات حماس بالاضافة الى اعمال القتل والملاحقة في تونس ومصر الى الخطف مثلما فعلوا بالشيخ عبيد في لبنان وتنفيذ الجيش الاسرائيلي ابشع المجازر في مدن فلسطين وفي لبنان في قانا. اما المسيحيين فما ذنبهم بصب نار غضبنا وحقدنا عليهم . وهل كل مسيحيي العالم بوش ..وبلير.. وشيراك .. وهل كل مسيحي هو من يحمل معول الهدم والتدمير لهذا الدين. الم يأمرنا نبينا محمد صلوات الله علية وسلم بمعاملتهم معاملة حسنة فلهم ما لنا وعليهم ما علينا وسار اصحابة من بعدة على سياسة التسامح والتعايش السلمي ..ثم الا يوجد بين ظهراني المسلمين وفي دولهم جماعات مسيحية تعيش بين المسلمين كمواطنين صالحين في الاردن وسوريا ومصر والعراق وفي مختلف انحاء العالم الاسلامي ولم نسمع او نشاهد او نقرأ ان مسيحيي هذه الدول قامت بثورة مسلحة او القت المتفجرات او وضعت العبوات الناسفة في احياء المسلمين او في مساجدهم..اللهم فيما ندر. هذا الشيخ الذي نصب نفسه خطيبا وداعية للمسلمين عندما يكون في جمع عام ويضم فيه مسيحيين لا نجده يتفوه بكلمة واحدة ضد المسيحية والمسيحيين حتى اننا نجده يتعمد الابتعاد عن الخوض في مسائل اللاهوت حتى لا يتهم بالتعصب والتطرف ليخرج بالتالي عن دائرة التسامح الاسلامية..فهل هذا هو الاسلام الذي نأخذه ونبشر به عن لسان خطبائنا هؤلاء؟
حتى علمائنا...علماء الدين، عندما يكون الواحد منهم يقوم بمهمة الوعظ والارشاد ومد جسور التقارب والالتقاء مع الحضارات الاخرى عبر وسائل الاعلام المختلفة المرئية منها والمقروءة فان كلماته تتصف بالاعتدال والوسطية ولا فرق عنده بين مسلم ومسيحي..او بين بوذي ومن لا دين له المهم عنده التقارب على اساس الاخلاق والسلوكيات والتعايش السلمي والتسامح ونبذ الخلافات...لكنة عندما يكون الخطاب موجها لفئة مسلمة او فرضت عليه الظروف ان يكون منحازا لدينه ومعتقده فانه يظهر حقده وتعصبه واطلاق ابشع الاتهامات بحق غير المسلمين.
فعندما يكون الخطاب الاسلامي شاملا عاما موجها الى جمهور مختلف الاديان والمذاهب والطوائف او بمعنى اشمل يخاطب كل الحضارات فأنه يكون معتدلا ومتسامحا ويدعوا الى التقارب واللقاء بين هذه الثقافات! اما عندما يكون الخطاب موجها الى فئة مسلمة يكون احاديا ومتطرفا ومتعصبا رافضا كل القيم والانجازات الحضارية غير الاسلامية او خارج اطار الاسلام. بل يذهب الى اكثر من ذلك عندما يطلق الاتهامات والتحريض على المزيد من الانعزالية والتعصب للدين واللغة والامة دون سواها.
فهناك خطاب المثال الذي تنادي به هذه الجماعات الاسلامية المتطرفة والتي تمارسه حتى بين مذاهبها المختلفة رغم الدين الواحد لتبدأ بتقسيم المسلمين الى فئات وجماعات وفرق تكفر احداهما الاخرى وتخرج من تفسير الفرع لاعتماده اصلا من اصول الدين الرئيس. وهناك الواقع الذي تعيش فيه دون توفيق او مراعاة لتغير العصور والظروف وما يرافقه من تغير الثقافات والمفاهيم ورفض كل ما هو قديم ومواكبة عجلة التطور والتجديد واستبعاد القوالب الجاهزة واستحضارها من الماضي لنصب فيها طينة ترفض ان تنساب في جنبات هذه القوالب مكرهة لانها لا تريدها اصلا ... فالمسيحيون مثلا ان لم يقفوا الى جانب المسلمين في وجه الحملات الصليبية فانه لم يعرف عنهم انهم كانوا ادلاء لقادة الحملة على عورات المسلمين. والامر نفسه ينطبق الان على اعداد المسلمين من اصل امريكي وجنسية امريكية يحاربون ضمن القوات الامريكية في العراق وقبلها في افغانستان فلماذا نتحدث عنهم عندما نتحدث عن عظمة الاسلام ونشيد باسلامهم والتزامهم وندعو من على المنابر الاعلامية المختلفة الى التسامح وابراز اخلاقيات المسلم وسلوكياته حتى نرغب ونحبب هذا الامريكي او الاوروبي الى الاطلاع على ديننا ومن ثم الدخول فيه واعتناقه..! ولماذا لا نعيب عليهم ونتهمهم ان محاربة المسلم للمسلم حرام ..فاذا لم نكن كذلك ووصفناهم بالكفار والفسقة والمتحررين وان بلادهم بلاد فسق وفجور فمن اين لنا بامريكي يريد ان يسلم او الماني او بريطاني يرغب بالدخول في الاسلام.
فمتى سينتهج خطبائنا ومشايخنا منهجا واقعيا يدعو الى التصالح والتقارب مع الحضارات الاخرى بتوحيد الخطابات الاسلامية المتعددة الى خطاب واحد اسلامي للمسلمين وغير المسلمين بدون تعصب او تطرف وتوجيه الاتهامات واصدار الاحكام والفتاوي الجاهزة اصلا وصياغة خطاب اعلامي معاصر واعادة النظر في ظاهرة الغلو والتطرف والجهل بالدين والاعتماد على مصادر غابرة مضى عليها وعلى اصحابها الزمن وقد يكونوا باجتهادهم مرة مصيبين ومرة مخطئين. فلماذا لا نعيد دراستنا لفهم الدين من جديد نثبت ما هو من صلب الدين واصوله ونقطع الفروع التي الصقت به سواء كانت عن قصد ام عن تقصير في الاجتهاد والتفسير والزام عامة الناس بما لم يقره شرع او تنزل به ديانات سماوية بل العمل على نشر العقيدة الصحيحة والرجوع للكتاب والسنة الصحيحة عملا وقولا واعتقادا والاخذ بمنهج الوسطية والاعتدال في كافة مناحي الحياة والسماح بالحوار الصادق والتركيز على الخطبة والخطيب لان الخطابة من اقدم وانجح وسائل الاعلام في الاتصال بالجماهير كون الخطيب يستطيع تلقي رجع الصدى من الجمهور مباشرة ففي كلمات الخطيب رفع لهموم الناس والتخفيف من معاناتهم وتحضهم على الخير والتمسك بمكارم الاخلاق مع المسلمين انفسهم ومع غير المسلمين والتشديد على ضرورة بذل الجهود الكبيرة لتصحيح صورة الاسلام التي تتطلب تكاتف جميع المؤسسات والمنظمات الحكومية والاهلية على كافة المستويات كوسيلة فعالة للتحاور والتخاطب مع الاخرين وتبليغ رسالة الاسلام الصحيحة والتركيز كما اسلفنا سابقا ومرارا حول الاعتماد على خطاب ديني يلتزم بالنص القراني ويعتمد على التحليل والنقاش والعقلانية والواقعية في التعامل مع غير المسلمين وعدم الازدواجية في التعامل مع المعايير ومحاولة التعرف على القواسم المشتركة والابتعاد عن التحليلات والتفسيرات التي تدعو الى الفرقة والتباعد. تيسير خروب
الاردن taimoor1232002@yahoo.com