قبل إعلان التحالفات العملاقة: إيران وإسرائيل أمام معضلة اسمها 'إستراتيجية التفكيك والتثبيت'

بقلم: سمير عبيد

من يعتقد إن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران مقطوعة تماما، فهو لا يفهم حتى أبجديات السياسة، ولم يعرف تاريخ العلاقة القوية والأيديولوجية بين البلدين والشعبين، والتي تمتد إلى عقود وعقود منصرمة من التعاون الثنائي، ومن يظن إن الشعوب والأوطان المتحررة تغلق جميع الأبواب مع مستعمرها القديم أو حاميها القديم فهو واهم أيضا، فتبقى هناك علاقات عاطفية ووجدانية لا إرادية، وعلى الأقل عند الطبقات التي كانت على تماس مع المستعمر أو الحامي المغادر، فانظروا للعلاقة الفرنسية الجزائرية، والتي بقيت تتفاعل اجتماعيا وثقافيا ووجدانيا وحتى سياسيا بين فرنسا والجزائر على المستوى الشعبي والوطني ولحد اليوم، علما أن الجزائريين أعطوا أنهارا من الدم في سبيل الحرية والاستقلال من السيطرة والهيمنة الفرنسية، وسُميت ثورتهم بـ"ثورة المليون شهيد" والتي خلدت في تاريخ الثورات العالمية.
ولكن عندما زار الرئيس الفرنسي جاك شيراك الجزائر قبل أقل من عامين خرجت العاصمة الجزائرية عن بكرة أبيها لاستقبال الزائر الفرنسي، و الذي هو رمز الاستعمار القديم كونه فرنسيا أولا، ومن ثم هو الشخص الذي يقود فرنسا أثناء الزيارة ولازال ثانيا، لذا لن نستبعد إطلاقا أن يقوم الرئيس الأميركي جورج بوش بزيارة طهران أو الرئيس الذي سيلي الرئيس بوش للقيام بذلك، ولن نستبعد أن تخرج ملايين الناس في طهران لاستقباله.
ولكن بعد أن تنجح إيران في سياسة تفكيك ذهنية الشعب الإيراني، والتي هي عازمة عليها بشدة، كي يتم إخراج البرنامج أو (الدسك) التي زرعته الطبقة السياسية الحاكمة في تلك الذهنية وتلك الرؤوس منذ شباط/ فبراير 1979 وهو تاريخ رحيل نظام الشاه ومجيء نظام الإمام الخميني، والذي آمن بولاية الفقيه، والبرنامج الذي تعاني منه إيران الآن والذي تم زرعه في الذهنية الإيرانية من قبل هو تثقيف الشعب الإيراني والأجيال الإيرانية على أن الولايات المتحدة هي "الشيطان الأكبر" والعدو الأول، و"الاستكبار العالمي" هي الدول العالمية التي تقودها الولايات المتحدة والتي هي مع أميركا في السراء والضراء، وعلى الحق والباطل (وطبعا هي على الباطل دوما)، وتثقيف الشعب الإيراني على معاداة إسرائيل وتحرير القدس.
ولكن بنفس الوقت لم تنقطع العلاقات بين طهران وواشنطن، بل كانت ولازالت مستمرة من خلال الأبواب الخلفية، والتي أصبحت قريبة جدا في عهد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون حيث كاد أن يتم الإعلان عنها، لولا تدخل إسرائيل والمنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، والتي ضغطت من أجل إيقاف ذلك، لأن الأولويات كانت إلى عمليات إعداد الحرب على العراق، من أجل إسقاط النظام ومن ثم التدخل والهيمنة على القرار العراقي والثروات العراقية، ومن ثم الوصول إلى تخوم الدولة الإيرانية، كي تتمكن واشنطن من فرض نقاط وأوراق جديدة على طهران، وبالمقابل تكون إسرائيل هي الأخرى على مقربة من التخوم الإيرانية، لأن ما من مؤسسة عسكرية أو مدنية في الولايات المتحدة إلا وإسرائيل فيها، فكيف وهناك في العراق 165 ألف جندي أميركي في العراق، وهناك 45 ألفا من المرتزقة، ناهيك عن مئات الشركات الأميركية والإسرائيلية وغيرها، والأكثر من ذلك أصبح العراق تحت سيطرة وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) والتي على رأسها صقر المجموعة اليهودية في الإدارة الأميركية رامسفيلد، والذي يطبق تعليمات الإدارة الأميركية التي يقودها الرئيس بوش المفتون برئيس الوزراء الإسرائيلي شارون وسياساته، وبكتاب وزير الدولة للشؤون اليهودية في العالم شارانسكي حيث أوصى بوش جميع الموظفين في البيت الأبيض والإدارة الأميركية بقراءة كتاب شارانسكي وأعتبره الرئيس بوش ديباجة واضحة إلى سياسات الإدارة الأميركية المقبلة، ومن الجانب الآخر هناك اليهودي المتطرف والمتعطش للحروب نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، لذا نستطيع القول إن الفائز الأول من الحرب على العراق هي إسرائيل التي حصلت على كل شيء ودون أن تخسر أي شيء، وعلى حساب سمعة وتضحيات ومستقبل الولايات المتحدة، وهي الغصة التي يعاني منها كثير من المسئولين الأميركيين!
ولو عدنا إلى الوراء قليلا فسنجد أن الرئيس كلينتون سمح للإيرانيين بالحصول على قطع الغيار الخاصة بطائرات الأيرباص، وسمح برفع القيود المفروضة على تجارة السجاد، والكافيار، والفستق الإيراني، وحصلت إيران في حينها على اعتذار جاء على لسان وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت عن الموقف الأميركي الداعم لنظام صدام حسين أبان الحرب العراقية الإيرانية (1980 ــ 1988)، وحينها زادت اللقاءات والزيارات السرية بين الطرفين، وعبر دول وسيطة، أو في دول ثالثة في أوربا والمنطقة، حتى جاء زلزال مدينة بام الإيرانية حيث أوعز الرئيس بوش بمساعدات عاجلة إلى المنكوبين، وكذلك عيّن الرئيس وفدا برئاسة سيدة أميركية تحمل منصب سناتور كي تكون على رأس المساعدات، ولكن الحكومة الإيرانية أجلت الموضوع في حينه.

ولكن لو تم طرح السؤال التالي:

من هو الذي يقود مركب التقارب الأميركي الإيراني في الحكومة الإيرانية، أو في الهرم السياسي الإيراني؟

الجواب: إن من يقود مركب التقارب الإيراني الأميركي ومنذ زمن طويل هو مسمار أمان النظام الإيراني، والرجل القوي فيه الشيخ هاشمي رفسنجاني والذي يمتلك جميع أسرار النظام الإيراني، والمقرّب من الطبقة الاقتصادية (البازار) والمهيمنة على الوضع الاقتصادي في إيران، والمالك لهكتارات الفستق في مدينة رفسنجان والتي من أجلها حوّل مجرى نهر الكارون العذب ليغذيها بالماء، والذي حُرمت من مياهه العذبة مدن إقليم الأحواز العربي البالغ تعداد سكانه 8 ملايين نسمه، وكذلك هو المشرف الفعلي على تجارة السجاد الإيراني المعروفة عالميا، ناهيك عن علاقاته المتشعبة داخل النسيج الإيراني!.

إن هذا الرجل القوي والمهيمن على أسرار السياسة الإيرانية، هو من رسم مراحل "إستراتيجية التفكيك والتثبيت" للوصول إلى التحالف الإيراني الأميركي القادم لا محالة، أو الوصول إلى إحياء التحالف الإيراني الأميركي، حيث أن هذا التحالف كان قائما وقويا جدا بين نظام الشاه والإدارات الأميركية المتعاقبة حتى شباط/ فيراير 1979، حيث إن الشيخ رفسنجاني هو من دعم الرئيس محمد خاتمي وبإيعاز من مرشد الجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي والأخير هو رفيق درب وزميل سلاح ونضال إلى الشيخ رفسنجاني والذي يشغل موقع رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام حاليا، وهي دائرة بمثابة (الفلتر) أو المصفي الذي يدخل من خلاله جميع السياسيين الإيرانيين، وجميع الخطط الخاصة بالسياسات الإيرانية، أي هو بمثابة الكونغرس المصغّر في إيران!. الخطوة الأولى من المرحلة الثانية بإستراتيجية التفكيك والتثبيت: ومن خلال الدعم المبرمج والسري نجح الرئيس خاتمي وفاز بأصوات النساء والشباب، كونه جاء براية وشعار الإصلاح محليا، وهو الفصل الأول من إستراتيجية التفكيك الذهني للشعب الإيراني، والذي جاء بإيعاز من مرشد الجمهورية وبمتابعة شخصية من الشيخ رفسنجاني، والى الجانب الخارجي طرح الرئيس خاتمي شعار حوار الحضارات والتي رحبت به واشنطن في حينها من خلال تصريحات وزيرة الخارجية السابقة أولبرايت، ولكن القضية كان لها هدفا رئيسيا، وهو الهدف المحلي الداخلي أي رأس وعقل المواطن الإيراني وعملية إخراجه من التشدّد نحو الانفتاح بطريقة تدريجية وجعله يقبل بالإصلاح والانفتاح وقبول الحلول الوسط.
ولهذا جاءت بشكل مفاجىء قائمة المشاركة التي تطرح الإصلاح شعارا بقيادة شقيق الرئيس الإيراني محمد خاتمي لتحصد معظم أصوات الشعب الإيراني، وتهيمن على البرلمان الإيراني في فترة رئاسة محمد خاتمي الأولى، ولكنها كانت بعزف وترتيب من المايسترو خامنئي ورفسنجانيكي تؤسَس كلمة الإصلاح والانفتاح في ذهنية المواطن الإيراني وتكون مفردة مقبولة وعمل مُرحب به، و كي يُحمى الرئيس محمد خاتمي ببرلمان يهيمن عليه الإصلاحيين، والذين مهدوا لقبول الحوار مع واشنطن على استحياء، وعلى طريقة الشد والجذب و كانت على شكل بارومتر متزامن مع ردات فعل الشارع الإيراني، وكذلك مهدوا للحوار مع الأوربيين ونجحوا في ذلك، وتم إعادة العلاقات المقطوعة مع بعض الدول الأوربية، وترميم العلاقات العربية الإيرانية.
ولكن عندما انتهت ولاية محمد خاتمي الأولى ورشح نفسه لولاية ثانية جيء بمرشحين دون المستوى المطلوب كي ينافسوا محمد خاتمي من جهة، ومن الجهة الثانية صعّد الرئيس محمد خاتمي من نقده للبرلمان وللبيروقراطية المتفشية في القرار السياسي الإيراني، وكان يصر أن يُطبق ما وعد به الجماهير في ولايته الثانية، والأصح كان خاتمي يؤدي دور الممثل المُلَقّن، وبالاتفاق مع الثنائي خامنئي - رفسنجاني، وكان ينادي بتطبيق جميع ما وعد به الشباب الإيراني في فترة رئاسته الأولى، ولكن تبخر ما وعد به مره أخرى و طغى على الساحة حينها وضمن مسألة العزف والتفكيك التي يشرف عليها خامنئي ورفسنجاني هو الملف النووي الإيراني، ومسألة ربطه بالقضية القومية، وبالدفاع عن الشعب الإيراني ودولة إيران، والذي يحقق حلم الدخول في نادي الكبار الذي سيقود إلى مقعد دائم في مجلس الأمن في المستقبل، ومن ثم الهيمنة المطلقة على المنطقة كلها، وهذا بحد ذاته يرضي التيار القومي الفارسي الذي يُمقت العرب والمنطقة العربية كلها، ويريد العودة إلى الهيمنة التي كان يمارسها شاه إيران السابق على العرب وقادتهم ومنطقتهم، ومن ثم سيقود ذلك السلاح إلى تأديب إسرائيل وإيقافها عند حدها، وتحرير القدس الشريف وهو إرضاء للمتدينين والراديكاليين الإسلاميين، وهي الخطوة الأولى من المرحلة الثانية الخاصة بالتفكيك والتثبيت. الخطوة الثانية من المرحلة الثانية لإستراتيجية التفكيك والتثبيت: أما الخطوة الثانية من المرحلة الثانية من إستراتيجية التفكيك والتثبيت، هي إخراج تيار الإصلاحيين من البرلمان الإيراني، ومنح الأغلبية إلى المحافظين وهو بمثابة اتفاق بين المرشد علي خامنئي، ورئيس مصلحة تشخيص النظام رفسنجاني من جهة وبين تيار المحافظين من جهة أخرى، وهو إعادة خاتمي رئيسا مقابل الهيمنة على البرلمان من قبل المحافظين وهذا ما كان يريده المرشد علي خامنئي، كي يسير بقوة في مسألة الملف النووي المسنود من قبل البرلمان الذي تتزعمه أكثرية المحافظين، والذين يرفضون التنازل عن الملف النووي ومسألة حياز السلاح الذري والذي يعتبرونه حلما قوميا، مع استمرار المفاوضات مع مجموعة الترويكا الأوربية بزعامة ــ باريس ولندن وبرلين ـــ والتي خلفهم الولايات المتحدة، أي أصبح الحوار علنيا مع الولايات المتحدة، ولكن من خلال الفلتر الأوربي، وما هؤلاء إلا ساعي بريد بين طهران وواشنطن، وهي بمثابة عملية تفكيك للذهنية الشعبية الإيرانية كي تتم عملية ترويض تلك الذهنية لتخفف من شعارات الشيطان الأكبر والموت لأميركا وإسرائيل لتحل محلها سياسة قبول الحوار المباشر مع الولايات المتحدة، والذي سيقود إلى إعادة العلاقات بين البلدين ومن ثم رفع القيود عن الأرصدة الإيرانية المجمدة والعودة رويدا رويدا لإعلان الحلف الإستراتيجي بين البلدين، وهو حلم الدولتين وما نغمات الحرب والصِدام ما هي إلا لعبة بين الطرفين كي يبسط الأميركان مشروعهم في المنطقة من جهة، وكي تقبل إيران رويدا رويدا الصلح مع إسرائيل، والعودة إلى التحالف الإيراني الأميركي الذي كان قائما بين شاه إيران والإدارات الأميركية السابقة من جهة ثانية، والذي بدرت بوادره في البوسنة والهرسك، وأثناء الحرب على أفغانستان حيث لولا إيران لما نجحت واشنطن في أفغانستان وإنجاح مؤتمر روما، حيث قال وزير الخارجية الأسبق كولن باول تصريحا أثناء مؤتمر روما الخاص بأفغانستان لولا إيران لما نجح مؤتمر روما الخاص بأفغانستان، وكذلك التعاون الإيراني الأميركي في العراق، حيث قال نائب الرئيس الإيراني السابق محمد علي أبطحي أثناء المؤتمر الاقتصادي في أبو ظبي قبل عام لولا إيران لما نجحت الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، ولما سقط نظام طالبان وصدام حسين وكذلك صرح التصريح نفسه نائب رئيس البرلمان الإيراني قبل أقل من شهرين. الخطوة الأولى من المرحلة الثالثة لإستراتيجية التفكيك والتثبيت! تعتبر فترة الانتخابات الإيرانية الجارية هي عملية البدء بترتيب الخطوة الأولى من المرحلة الثالثة الخاصة بإستراتجية التفكيك والتثبيت، أي تفكيك الذهنية الشعبية الإيرانية حسب ما أسلفنا وهي بإخراج الدسك التشددي منها، والذي كان باتجاه الولايات المتحدة وإسرائيل تحت مبدأ التفكيك، وتركيب مكانه الدسك التصالحي تحت بند التثبيت، ولهذا كانت الخطوة الأولى من خلال ترشيح الرجل القوي في إيران وهو الشيخ هاشمي رفسنجاني ليكون رئيسا في إيران، والذي نتوقع فوزه بأغلبية ساحقة، حيث ستتحول حتما الأصوات التي كانت لصالح محمد خاتمي سابقا إلى الشيخ رفسنجاني، لأنه يرفع شعارات محمد خاتمي نفسها، ولكنها نحو الخارج قبل الداخل هذه المرة، وبشكل أكثر صراحة ووضوح.

حيث صرّح رفسنجاني بأنه سيعمل في حالة فوزه بالرئاسة على عودة العلاقات الإيرانية الأميركية بعد تخفيف مطالب واشنطن، وهي لهجة تصالحية جديدة توحي بأن جميع الأمور مرتبه سلفا، ولم يبق إلا عامل الزمن فقط للإعلان عنها، كما تبين إن هناك مفاوضات كبيرة جدا بين المملكة العربية السعودية وإيران حول قضية السلام مع إسرائيل، حيث قال الشيخ رفسنجاني ولقناة العربية الفضائية أخيرا إنه يوافق على بنود مبادرة ولي العهد السعودي الأمير عبد الله الخاصة بعملية السلام بين إسرائيل والعرب، ولكن هناك بعض النقاط البسيطة والتي يجب التفاهم عليها وهي بمثابة تصريحات جديدة، وكانت مرسلة بعناية و لثلاثة أطراف مهمة هي الولايات المتحدة، وإسرائيل، والى الدول العربية من خلال السعودية وطبعا إلى العالم أجمع، وهي بمثابة إعلان عن رغبة إيرانية بأن تكون إيران شريكا في ترتيبات العملية السلمية الخاصة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وبهذا يسحب الشيخ رفسنجاني البساط من تحت أقدام منافسيه في الحملة الانتخابية من جهة، وكذلك يُفرغ يد الرئيس الأميركي بوش من أوراق الضغط، ويُفرغ يد القيادة الإسرائيلية من مسألة إن إيران لا تؤيد عملية السلام من جهة أخرى، وكذلك يصارح الشعب الإيراني بأن إيران ستلتقي أخيرا مع الولايات المتحدة وحتى إسرائيل.

ولهذا أوفدت إيران قبل أشهر مؤسس وواضع أسس وإستراتجية صرح حزب الله في لبنان أبان الثمانينات من القرن المنصرم وهو السيد محتشمي كي يقوم بعملية ترتيب إدخال حزب الله ضمن المشروع الأميركي في لبنان وتحت إستراتيجية التفكيك والتثبيت، ولهذا جاء التحالف بين حزب الله بزعامة السيد حسن نصر الله وهو الوكيل الشرعي لمرشد الجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي في لبنان أي لا يمكن له رد طلبات وأوامر مرشد الجمهورية الإسلامية، ومنظمة أمل الشيعية بزعامة السيد نبيه بري من جهة، وبين تيار المستقبل بزعامة سعد الدين الحريري القادم من اجتماعاته مع نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني وبعض أعضاء الكونغرس الأميركي، وكبار رجال وكالة المخابرات الأميركية سي أي أيه أي هو رجل أميركا في لبنان، وهو نفس السيناريو الذي من خلاله تم الإيعاز إلى تنظيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق بزعامة السيد عبد العزيز الحكيم، ولحزب الدعوة الإسلامية بزعامة الجعفري في العراق بأن يكونوا حلفاء إلى رجل واشنطن في العراق الدكتور أحمد الجلبي والمجموعة الأميركية الباقية. الخطوة الثانية من المرحلة الثالثة لإستراتيجية التفكيك والتثبيت: وبعد فوز حزب الله ومنظمة أمل في الانتخابات الأخيرة في لبنان، وهو بمثابة نجاح لإستراتيجية السيد محتشمي الإيرانية في لبنان، جاء كلام الشيخ هاشمي رفسنجاني قبل أيام حول قرار مجلس الأمن المرقم 1559 والخاص بلبنان، والذي يحتوي على بند نزع سلاح حزب الله في لبنان، حيث قال بالحرف نعم..سيُنزع سلاح حزب الله حال خروج إسرائيل من مزارع شبعا وشدّد إن هذا الحزب لبنانيا بالدرجة الأولى، ولهذا صرح مدير مكتب حزب الله في طهران قائلا إن حزب الله ليس بحاجة لسلاح من سوريا وإيران.

وبهذا رمى الشيخ رفسنجاني الكرة في الملعب الإسرائيلي والأميركي من جهة، وهو أيعاز إلى حزب الله أن يكون جاهزا لنزع السلاح حال خروج إسرائيل من مزارع شبعا من جهة أخرى، وللعلم فأن مزارع شبعا ليس لها أهمية من الناحية الإستراتيجية والتعبوية على الجيش الإسرائيلي، ولهذا ربما سيكون كلام الشيخ رفسنجاني بمثابة أشارة إلى السفارة الإيرانية في بيروت وللسيد محتشمي البدء بترتيب مفاوضات مع إسرائيل عن طريق أحد الأطراف الدولية، و مثلما حدث أثناء أتفاق نيسان في منتصف التسعينات من القرن المنصرم، حيث الذي أنجح المفاوضات في حينها هو الطرف الإيراني، حيث جعل المقاومة سدا لحماية الإسرائيليين حسب تصريحات الأمين العام السابق لحزب الله الشيح صبحي الطفيلي لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية، فما أشبه اليوم بالبارحة. الفصل الأخير من إستراتيجية التثبيت والتفكيك: لذا ففوز الشيخ رفسنجاني في الانتخابات المقبلة سيقلب الأمور رأسا على عقب، وسوف يحدث تغييرا جذريا في السياسات الإيرانية، وستكون بمثابة الفصل الأخير الذي يشمل إعلان التحالف الإستراتيجي بين طهران وواشنطن، ودخول طهران طرفا في مفاوضات السلام الخاصة بالشرق الأوسط،، وسوف يُحصن رفسنجاني نفسه بفتوى مرشد الجمهورية الإسلامية السيد خامنئي والتي ستجيز التفاوض مع الإسرائيليين أسوة بالعرب، ومن ثم ستحلل التحالف الأميركي الإيراني، وحينها سيسكت الشعب والشارع الإيراني، وسوف نسمع تصريحات المسئولين الإيرانيين حتما ،والتي ستقول لولا إيران لما نجحت الولايات المتحدة في لبنان!!، وحينها ستكون إيران شريكا فعليا للولايات المتحدة في المنطقة، وستبقى جميع المجسات والوحدات السرية الإيرانية التي تدخلت في العراق ولبنان وسورية وأفغانستان تعمل بالتعاون مع الوحدات الأميركية، وستكون أمرا واقعا في تلك الدول، والتي ستقود إلى فرض سياسة الأمر الواقع، وهي إن إيران أصبحت شريكا للولايات المتحدة في المنطقة، وعادت شرطيا على الخليج ولكن برتبه أكبر هذه المرة!. إسرائيل تعيش المشكلة نفسها! إسرائيل من جانبها تعيش المشكلة نفسها تماما، حيث هي تعمل على تغيير ذهنية الشرائح المتشددة في إسرائيل، والتي هي خليط من الدينيين العقائديين التوراتيين، ومعم السياسيين المتشددين، والذين ينظرون للعرب كأفاعي يجب قتلهم، ويرفضون عودة الشعب الفلسطيني، كما يرفضون المفاوضات السلمية مع الفلسطينيين والعرب وغيرها من المواقف المتشددة، وفي مقدمتها التشبث بالقدس عاصمة إسرائيل، لهذا وقعت إسرائيل في محنة تفكيك ذهنية هؤلاء ومعهم الشعب الإسرائيلي الذي تثقف على إن العرب أعداء، وإن فلسطين أرض يهودية إسرائيلية لا يمكن التنازل عنها، لهذا جاءت مراحل العملية السلمية بمثابة تفكيك للذهنية الإسرائيلية المتشددة، وعملية تثقيف على قبول السلام طبعا السلام التي تريده إسرائيل وليس العرب.

لذا جاءت مسألة أنشاء الجدار العازل كخطوة وقائية من ردة فعل المتشددين اتجاه الخطوات المستقبلية، وهي خطوة من ستراتيجية التفكيك والتثبيت أيضا، خصوصا عندما ستكون إسرائيل في زاوية حرجة أمام العرب وإيران والعالم من خلال مفاوضات إحلال السلام.

ولهذا قرر رئيس الحكومة الإسرائيلية شارون الانسحاب من غزة وهي بالون اختبار لردة فعل الشعب الإسرائيلي، وخصوصا الخلايا المتشددة فيه، ومن ثم هي خطوة ضمن خطوات عمليات تفكيك الذهنية الإسرائيلية المتشددة كي تقبل بفكرةالسلام مع العرب وإيران.

إن ما تم تثقيف الشعوب عليه أصبح عبء ثقيل على الحكومات، بحيث أصبحت تلك الحكومات في حيرة من أمرها، ولهذا هي تنفق ملايين الدولارات على المراكز الإستراتيجية، وعلى برامج التثقيف والاندماج كي تروض عقلية وذهنية المواطن الذي تعلم على العِداء واليقظة والتربص، والإيمان بأن هناك عدوا يجب إزالته أو قتله أو منعه من القوة والراحة والاطمئنان.

ولهذا تثقفت تلك الشعوب أن هناك عدوا يتربص بالوطن والشعب، وهذا ما حصل في إيران اتجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، وما هو حاصل في إسرائيل اتجاه العرب، وكذلك في كثير من الدول العربية اتجاه إسرائيل التي مارست ولازالت تمارس سياسة الموت والقتل والجوع وعدم الاكتراث لمعاناة الشعب الفلسطيني..

نستطيع القول أن إيران استفادت كثيرا من الخطوات التي قامت بها القيادة الليبية عندما فاجأت العالم وفتحت معاملها الحربية ومنشآتها ذات العمل المزدوج وأنقذت نفسها من تهديد لا يقل عن التهديد الذي حصل في العراق، ومن جانبها إسرائيل أصبحت أمام الأمر الواقع وهو إنها لابد وأن تذعن للسلام، خصوصا لو نجح العرب في عمليات الإصلاح الداخلي، وتحولت البلدان العربية إلى ساحة شبه أمينة من الناحية السياسية والفكرية وفي مسألة حقوق الإنسان والحرية الممنوحة للمواطن.

لذا نستطيع القول إن جميع دول المنطقة خاضعة وستخضع إلى إستراتيجية تفكيك ذهنية الشعوب وتحريرها من الإستراتيجيات القديمة، وتثبيتها من جديد على إستراتيجيات جديدة يكون للمواطن حصة في صنعها، كي لا يكون أداة بيد الحكام والملوك والسلاطين!. سمير عبيد
كاتب ومحلل سياسي عراقي samiroff@hotmail.com