المعارضة السورية والمسألة الكردية

بقلم: معقل زهور عدي

أظهرت المعارضة السورية انفتاحا نحو المسألة الكردية، لكنها لم تنجح في تقديم وجهة نظر متكاملة واضحة الأبعاد والتخوم حول الموضوع السابق، وبصورة أكثر تحديدا فان ما هو مطلوب ليس تعاطفا غائما، ولا الموافقة على مطالب انتقائية، ولكن مناقشة المسألة الكردية كما هي، وكما تطرحها الأحزاب الكردية أيضا.
صياغة الأحزاب الكردية للمسألة الكردية موضوع للنقاش، لكن المسألة الكردية ذاتها ليست بالضرورة مطابقة لصياغة الأحزاب الكردية لها.
الأحزاب الكردية تعبر بلا شك عن وجود المسألة، وقليل هم اولئك الذين لا يرون وجودها ضمن طيف المعارضة المتنوع، هناك شرائح واسعة من الأكراد يعانون من الفقر، اضافة لعدم تمكنهم من التمتع بثقافتهم ولغتهم، وهناك مشكلة الأكراد غير المجنسين، وحرمان المناطق الشرقية من الخدمات والتطوير.
النخب الثقافية – السياسية الكردية في تعبيرها عن معاناة الأكراد تعيد انتاج وعي خاص مرتبط بتلك المعاناة لكن وفقا لرؤيتها الذاتية. هذه الرؤيا تتأثر بعدة عوامل:
فهناك مشروع الكيان الكردي في شمال العراق كنموذج واقعي قطع شوطا واسعا في بناء هياكل استقلالية ضمن رعاية أمريكية واضحة، وهناك الخلل في ميزان القوى العالمي لصالح القطب الأمريكي، والخلل في ميزان القوى الاقليمي لصالح محور أمريكا – اسرائيل، وهناك التمزق العربي وحالة الضعف والاهتراء التي أنتجها استبداد وفساد مزمنان. وأخيرا هناك احتلال العراق، تلك الدولة العربية المركزية والتهديد الذي تتعرض له سورية جراء استمرار ذلك الاحتلال.
الظروف السابقة خلقت مناخا حاضنا لتغذية نزعات قومية متطرفة ترى فيها بعض النخب الكردية الايديولوجيا المثالية لركوب الموجة وتعبئة الجماهير وشحنها بالتعصب للوصول الى امتيازات طبقية وفئوية مماثلة لما حصلت عليه النخب الكردية العراقية السياسية التي تحول بعضها الى مافيات جديدة تنافس المافيات العربية في نهب الثروات وتكوين الميليشيات، والاستعداد لاستخدام كل الأسلحة غير المشروعة خارج قوانين الأخلاق والقيم الانسانية.
كل ذلك النهب والفساد والاستغلال والإجرام يتم تغليفه وتبريره بالتعصب القومي، من أجل ذلك كان التعصب القومي أساسيا في عمل تلك القوى والنخب.
تطالب بعض الأحزاب الكردية المعارضة السورية بالاعتراف الصريح بالشعب الكردي كقومية ثانية في سورية، ومقابل ذلك ينبغي للمعارضة السورية مطالبة الأحزاب الكردية باتخاذ موقف واضح وصريح من المشروع القومي المتعصب الذي يسمى كردستان الغربية.
ثمة فرق أساسي بين أقلية ذات صفة عرقية –قومية يفترض ان تتمتع بحقوقها الكاملة بالمواطنة والحق في استعمال لغتها ونشر ثقافتها وبين الحديث عن قومية مرتبطة بأرض تاريخية وبالتالي عن حق الحكم الذاتي أو الانفصال.
نعم هناك أرض تاريخية اسمها كردستان هي وطن أصلي للشعب الكردي ولكن أين تقع تلك الأرض وما هي حدودها؟
وهل كل أرض نزح اليها الشعب الكردي في معاناته الطويلة هي جزء من أرضه التاريخية؟ بما في ذلك حي الأكراد بدمشق وبعض القرى المتناثرة في اللاذقية وحلب وادلب والرقة وحماة التي قدمت اليها عشائر كردية تعربت خلال مئات السنين.
يعرف كل من قرأ التاريخ ولو بأقل قدر من التعمق أن منطقة الجزيرة السورية وطن أصلي للقبائل العربية – السامية منذ فجر التاريخ، ومن بين مئات المواقع الأثرية والتاريخية فيها لا يوجد موقع واحد ألا ويشير الى الآراميين أو الآشوريين أو البابليين أو الحضارة العربية الاسلامية وكل تلك الحضارات تنتسب لجذر واحد، وهناك مدن لعبت دورا أساسيا في التواصل بين الحضارتين الآرامية والعربية مثل حران ونصيبين والرها (أورفة حاليا) وقنسرين.
قدمت القبائل العربية للجزيرة السورية قبل الفتح الاسلامي وسميت منطقة نصيبين المجاورة للقامشلي حاليا بديار ربيعة ومنها انبثقت قبيلة طيىء مع مطلع القرن الرابع للميلاد، ثم انتشرت باقي القبائل العربية في عموم منطقة الجزيرة حيث استقرت قبيلة بكر في منطقة ديار بكر (في تركيا حاليا)، وسميت منطقة الرقة وحران بديار مضر نسبة الى قبيلة مضر العربية وأطلق السريان وكانوا الأغلبية في المدن والبلدات على المنطقة بين نصيبين ودجلة تسمية بيت اربايا بمعنى ديار العرب.
استمرت الجزيرة السورية بحدودها المعروفة اليوم تحت الحكم العربي الاسلامي منذ فتحها على يد القائد العربي عياض بن غنم الذي فتح الرقة وحران والرها ونصيبين مئات السنين حتى اتى هولاكو بجيشه واحتل المنطقة عام 1258 ميلادي، ثم وقعت ضمن الخلافة العثمانية منذ العام 1516ميلادي.
أثناء غزوات المغول والتتر أفرغت الجزيرة من سكانها المحليين والتجأ السريان للجبال الشمالية بينما انسحب العرب للبوادي.
حسب الخرائط التي رسمها في أواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين بعض الكتاب الأوربيين يتضح ان جميع المدن والبلدات الحالية كالقامشلي والحسكة والمالكية والقحطانية وعامودا والدرباسية عدا رأس العين قد تأسست في القرن العشرين.
عاد السريان من الجبال وعمروا مدينة القامشلي عام 1927 ولم يجدوا فيها سوى خيمة زعيم عشيرة طيىء (أحمد المقطف) في حي البشيرية بالقامشلي.
في الستينات من القرن العشرين يروي المدرسون السوريون الذين تم تعيينهم في الحسكة ان نسبة الأكراد في المدينة لم تكن تزيد عن 10 بالمئة من السكان، اعتبارا من القرن التاسع عشر وحتى القرن العشرين كانت الخريطة السكانية في الجزيرة السورية تتكون من القبائل العربية في الجنوب، وفي الشمال كان هناك عشرون أو ثلاثون قرية سريانية وكردية متناثرة على طريق الحرير من نصيبين وحتى جزيرة ابن عمر، اما جبال طور عبدين المجاورة في الشمال فكانت سريانية وفيها ما يزيد على مئة وخمسين قرية.
عدد السكان الحالي حوالي مليون ومئة ألف نسمة يشكل الأكراد نسبة 40 بالمئة منهم والباقي 60 بالمئة من العرب والسريان والآشوريين والكلدان والشيشان والأرمن، وبذلك يكون مجموع تعداد الأكراد في الجزيرة حاليا حسب القيود الرسمية 440 ألف نسمة.
هكذا فان اختراع كردستان الغربية ورسم خرائط مفبركة حسب الهوى المتعصب لا يصمد أمام أبسط حقائق التاريخ والجغرافيا والديمغرافيا التي لا تقبل الجدل، ان تحويل المسألة الكردية من مسألة حقوق مواطنة مدنية وحقوق ثقافية الى قومية متعصبة توسعية لا تخجل منذ الآن في الحديث عن التطهير العرقي (وهذا ما يتضمنه استعمال مصطلح المستوطنين العرب) ليس سوى ايديولوجية النخب المتغربة التي تطمح الى التحول الى أمراء لمافيات جديدة، وليس للتعبير عن مصلحة الأكراد الحقيقية في سورية.
مصلحة الجماهير الشعبية ونخبها المخلصة في عدم الانسياق وراء أوهام التعصب القومي ومشاريع الكيانات الانفصالية المتحالفة مع اعداء الأمة العربية –الاسلامية بل في الكفاح جنبا الى جنب مع الجماهير الشعبية العربية من أجل الحرية والديمقراطية ودولة القانون ومن أجل مقاومة مشاريع الهيمنة الأمريكية التي لا تحمل للمنطقة سوى القهر والدماء والغرق في متاهات من الانقسام والمواجهة المذهبية والعرقية.
لقد كانت سورية عبر تاريخها الطويل مهدا للتسامح وتلاقي الحضارات والشعوب وسوف تبوء بالفشل تلك التيارات التي تعمل على تحويلها الى أرض للتعصب القومي أو المذهبي الذي يورث العنف والاحقاد.
مطلوب من المعارضة الوطنية الديمقراطية في سورية أن تتعاطف مع الشعب الكردي ومطالبه المحقة، وأن تتحاور مع الأحزاب السياسية الكردية في سبيل دمجها بالنضال الوطني الديمقراطي، ومطلوب منها أيضا التمييز بوضوح بين ايديولوجية وأوهام تيار التعصب القومي الكردي وبين مطالب وحاجات الجماهير الكردية الثقافية والمدنية والاقتصادية، وأن تصل رسالتها واضحة لتلك الجماهير من جهة ولتيار التعصب الشوفيني الذي يتطلع الى مشاريع امارات للمافيات بالتحالف مع مشاريع الهيمنة الخارجية، وتحمل رؤيته ومايرافقها من شحن عنصري أفدح المخاطر على التآخي العربي – الكردي الذي استمر لمئات السنين. معقل زهور عدي مراجع البحث الجزيرة السورية وحقيقة الوجود الكردي فيها
الكاتب: جورج شمعون
الناشر: دار سرجون للنشر