بين سمير قصير والتلوث السياسي العربي

بقلم: ناصر السهلي

ليست مفارقة عجيبة أن تكون بيروت محطة أخيرة لغسان كنفاني عام 1972، تماما كما هي ليست كذلك لسمير قصير 2005 والذي ذهب ضحية لهذه الفوضى الصاخبة والصامتة في آن معا التي تجعل من عالمنا العربي لوحة غير واضحة المعالم من التراجيديا والكوميديا الممزوجة بقليل من الارادة وكثير من الهزل والاستخفاف السري والعلني... لوحة من المتناقضات والانقلابات وبيع المواقف لأجل منصب أو رضا حاكم هنا وحاكم هناك.
على كل قلنا أنها ليست بمفارقة عجيبة، لكن العجيب أن تكون الوسيلة واحدة في مأساة هذا الاستخفاف بعقولنا ليزداد المشهد غرابة أو تزداد معه صور تغربنا نحن العرب عن حيزنا وفضاء إنتماءاتنا... وبين جريمة في بيروت أو لندن فقدنا في لحظات تاريخية نصف عقولنا ونحن نبحث عن طرقات لتلمس معارج حريتنا... فهناك غسان وهنا ناجي وهناك سمير، وبين هذه وتلك من جرائم لا تستحق إلا تسميتها بإسمها الحقيقي المعبر عن جبن الجناة فقدنا الكثير من الرجال والنساء الذين إمتطوا حريتهم شهامة لاستدراك سقوط أكثرنا في مستنقع الهزيمة والتلويح بها لاستخراج مزيد منها في ظلمة حالة المأساة التي فُطمنا عليها.
قبل سنوات قليلة سألت الصديق والاستاذ عبد الباري عطوان عما إذا كان يخاف إستهدافه، فقال: بعد أن حاولوا بطرق متعددة ثنينا عن طريقنا وجهوا الكثير من التهديدات... لكن بعد هذا العمر يُصبح الأمر سيان و"معادتش تفرق"!
ربما أن الكثيرين من المتفرجين والمتحمسين لهذه الملهاة العربية لا يروق لهم لا ما يكتبه عطوان ولا ما يقوله، لكن أن تصل مسألة تجهيز كواتم الصوت والصمت بهذه البساطة التي تمر فيها جريمة قتل كاتب وصحفي عربي، مهما إختلفنا أو إتفقنا مع آراءه ومواقفه، فهي المسألة التي تشكل جرما يزيد الجريمة وحشية على ما تبدو عليه.
ربما مشهد إغتيال سمير قصير يستحق بعض التأمل لما يحمله من إنكشاف كلي لمشهد إغتيال آخر لم يصل بعد حد الذروة في التخلص الجسدي من هذا الكاتب... هو الاغتيال الذي يتعرض له أكثر الكتاب والصحفيين العرب دون إثارة الكثير من الصخب وبدون لفت الانتباه، فللاغتيال المعنوي الذي تمارسه أجهزة القمع العربية ألوان جهنمية لا يمكن إلا أن تكون جهنمية في شراء هذه وتلك من وسائل الاعلام وقطع الطريق على الكلمة بعنف إزدراء قيمتها وقيمة من يفكر بها ويخطها بعد معاناة تلمس حرية التفكير... أجهزة لا تفهم كثيرا ما تراقبه أو ما تلاحق لأجله هذا الاسم أو ذاك إلا بأوامر مطاعة من عقول مغلقة على عبادة شخص الزعيم، وهي أول الأجهزة التي لا يكون لديها إستعداد لتقديم قطرة دم واحدة لحماية الاوطان، فهي التي تصيغ نظريات الحرق التي تجيدها مثلما تجيدها أعتى ديكتاتوريات هذا العالم، وإن كان بعضها يتبجح بالحرية والديمقراطية من بغداد إلى واشنطن.
العجيب أيضا أن من يجري قتله ليس من هؤلاء الذين تقدم لهم جامعات "إسرائيل" جوائز، ولا من هؤلاء الذين يشيد البيت الابيض بـ"نزاهتهم" رغم أنني شخصيا ضد أن تحاجج تلك الشخصيات بعبوة متفجرة أو بكاتم صوت أو بالسم... بل بالكلمة التي لا تجيد منها أنظمة تفريخ التهديد والتشبيح وإعتبار الأوطان إقطاعيات ومزارع خاصة بها إلا أوامر القتل أو الرمي بأصحاب المواقف وراء الشمس.. ولهذا ليس بالغريب أبدا أن يكون هذا الجو السياسي والاقتصادي والاجتماعي العربي الملوث تلويثا يصل حد القذارة التي لا ينفع معها أي نوع من أنواع الاغتسال مفرخا لمثل هذه البشائع التي مورست على مدى عقود ماضية حتى بأيدي الحلفاء والاصدقاء في واشنطن... إن هذا الوباء القمعي الذي ينتشر اليوم مع إنتشار الكثير من الاوبئة التي تنهش بجسد العرب لا ينتج عنه إلا مثل هذا العمل الذي راح ضحيته الكثير من الكتاب والصحفيين والسياسيين الذين لم يرضخوا لعملية الترويض والتدجين التي ما فتئت تمارسها هذه الأنظمة التي تعتقد وبغباء شديد أنها محمية إلى الأبد من حليفتها واشنطن.
قد لا يريد البعض إستبعاد الأصابع الصهيونية في مثل ما حدث لقصير وغيره في الآونة الأخيرة... ولا حتى أنا أريد أن أستبعد تلك الأصابع التي أتقنت إغتيال ماجد أبو شرار وغسان كنفاني والعشرات من الفلسطينيين والعرب... لكننا إذا كنا نملك هذه الرغبة فلابد أن نكون صريحين أكثر حول أجوائنا التي حولتها سياستنا العربية إلى أجواء مفتوحة أكثر من أي لحظة تاريخية سابقة لمثل هذه اللحظة التي يجري فيها علانية إستغباء الانسان العربي وإستهباله بحجة التهديدات الخارجية دون عناء إعطاء هذا الانسان قيمته الحقيقية في خلق ظروف حياة أقل إفسادا وتلويثا وتفقيرا...

* * *
لقد صعقت من تقرير "الشراع" في 9 مايو، إذ من خلال هذا التقرير نكتشف إلى أي درجة من الانحطاط وصلت تدخلات الاجهزة الامنية اللبنانية في "الحرتقة" (كما يصفها التقرير على لسان الكثير من الساسة اللبنانيين) والتدخل السافر في عمل الاعلام والسياسة والاقتصاد... وربما من المفيد إحالة القارئ إلى هذا التقرير ليكتشف معنا كم التلوث الذي أحدثته عملية القذارة السياسية التي يمارسها السياسي ذا التاريخ العريق في الحرب الطاحنة... إنها بلا شك قذارة لا يمكن أن تعبر إلا عن صورة الواقع التراجيدي والاستخفافي الذي تعاطى معه أمراء الحرب من خلال جملة من الممارسات المافاوية والعصاباتية التي من خلالها يجري الحط من قيمة السياسة والاعلام والمجتمع في عملية خوزقة هذا لذاك ودك أسافين هنا وهناك في صورة صبيانية ومراهقة لقيمة خدمة الوطن والمبادئ العامة في التعامل مع البشر.
يتكرر إسم رئيس سابق لجهاز امني لبناني في أكثر من مكان في هذا التقرير الذي أشرنا إليه أنفا وممارساته بحق الراحل سمير قصير قبل زمن من إستشهاده... ممارسات لا يمكن وصفها إلا بالمفاوية الساقطة التي تصل حد تجاوز كل الحدود المعقولة في لعبة العصابات والملاحقات التخويفية (على فكرة التقرير نُشر قبل وقت طويل من إغتيال سمير قصير).. وإذا كان من العبث بالنسبة للبعض أن نأخذ بما جاء في هذا التقرير، فليس من العبث أبدا أن نأخذ ببعض ما جاء فيه لجهة التعامل السياسي والامني مع الكاتب والاعلامي عموما...
إذن، لا تبدو مصادفة عملية تصفية سمير قصير جسديا بعد محاولات تصفيته معنويا...ففي مثل هذه الاجواء الملوثة تلويثا مقصودا من قبل أصحاب الامتيازات والنفوذ في السياسة العربية لا ينتج إلا عمل بهذا الحجم الذي يستخف تماما بعقل الانسان العربي الذي أصبحت فضاءاته أكثر رحابة مما يتصور هؤلاء الذين يصيغون مواقفهم في عتمة الليل وكأن الشمس لن تشرق في اليوم التالي...فالكارثة تكمن في أنها ليست مصادفة على الاطلاق، وعليه فربما يكون سمير قصير قد صفي جسديا في أوج تألقه فعرف الناس ما تعرض له مثل هذا الكاتب المغرد خارج سرب التخويف والتهديد والملاحقة.. لكن هناك المئات من أمثال سمير قصير الذين تجري يوميا محاولات تصفيتهم معنويا ومهنيا بكل ما تعنيه عبارة تصفية... والأنكى في هذه المحاولات أن يُساهم فيها من يدعون الثقافة والمهنية في تحالف مفضوح مع سلطة العقل الامني علنا وسرا، فحين يصيغ العقل الامني خوازيق مفبركة لهذا الكاتب وذلك السياسي فهو يقوم بذلك إنطلاقا من حالة خوف على مصلحة وطموح في التملق والتلون لصاحب السلطة، لكن أن يُساهم بعض الكتبة في بث هذا العبث تحت مسمى المهنية فهو ما لا يمكن تبريره إطلاقا. مسؤولية جماعية ربما تعيد عملية قتل سمير قصير من جديد تسليط الضوء على العلاقة المضطربة بين المثقف من جهة والسياسي- الامني من جهة ثانية... فهذه العلاقة في عالمنا العربي (العالمثالثي) يُصر فيها العقل السياسي الامني على إسقاط هذا المثقف، مهما كانت وظيفته بسيطة، في براثن السلطة ليكون بوقا مثل بقية الابواق التي تمجد وتغالي في تأليه جو التلويث الذي يبثه رجل السلطة.
اليوم تتصرف سلطتنا العربية تصرفا غبيا جدا، ففي الوقت الذي تعاني فيه مجتمعاتنا من تغول الامريكي وإستمراره في تهديد الكيانات العربية تستمر هي في تعميق الشرخ بينها وبين المجتمع ومثقفيه الذين لا يمكن (ونحن لا نتحدث هنا عن ذلك المثقف السلطوي الذي لا تهمه عملية تبديل المواقع والتحالفات) إلا أن يكونوا النواة الصلبة التي تستطيع أن تساهم في تنظيف هذا الجو الموبوء الذي تجد من خلاله أمريكا نوافذ عبورها لتحقيق ما تصبوا إليه في عالمنا العربي.
على كل، سيبقى سمير قصير الذي جمع بين فلسطينيته ولبنانيته وسوريته تعبيرا حقيقيا عن حالة التلوث الذي لم يعد يُطاق، هذا بغض النظر عمن يمكن أن يكون مسؤولا مباشرا عن تصفية جسد هذا الكاتب والمفكر الحر... فكل التلويث والفساد الذي يستشري في عالمنا العربي يتحمل مسؤولية إستمرار هذه المهزلة التي لن تتوقف إلا إذا توقفت الجماهير العربية عن صياغة علاقتها بالسلطة وفق ما تخططه السلطة التي ماعاد يغطي عورتها إلا هذا الصمت المريب الذي تعيشه الجماهير العربية جريا وراء الخبز... وأشياء أخرى! ناصر السهلي
كاتب من فلسطين