الإصلاح الأمريكي ونموذج الدولة الموقوتة

بقلم: سعيد مبشور

بدأت الإدارة الأمريكية حملة تبشيرية واسعة النطاق بمشروع الشرق الأوسط الكبير قبيل اجتياح العراق، معلنة بذلك افتتاح مرحلة جديدة من التعامل مع المنطقة التي يشكل المسلمون السواد الأعظم من ساكنتها، وهو مشروع وجد في تعبير "الإصلاح" مطية مفهوماتية له، لما لكلمة الإصلاح من مدلول هادئ بعيد عن التشنج ومعاني السيطرة وفرض المسلكيات والمناهج والأفكار، ولعل الغرض منه جعل الجهات المستهدفة منه كمشروع تقبله برفق وتتعامل معه كقدر محتوم دون مدافعة ولا ممانعة.
وهو مشروع غير جديد بالنظر إلى السياق التاريخي للصراع حول السيادة في المنطقة، إنه مشروع يتجدد بتطور المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى، ونحن هنا بصدد مشروع تتبناه وترعاه الولايات المتحدة، القوة الأبرز والأكثر قدرة على اللعب بتوازن الأزمات والاتجاهات في العالم.
مشروع الشرق الأوسط الكبير ينتظر منه صانعوه أن يفرز إجابات واقعية وشاملة عن إشكالات التداول حول السلطة، وتجديد النخب السياسية، ووضعية المجتمع المدني، وإذابة التصدع الاجتماعي والفوارق بين الأجناس، ووضع خطط للتنمية المستدامة عبر الانخراط في الأشكال التجارية العالمية، مرورا بتحسين برامج التعليم والتربية، وتأهيل مكونات المشهد الإعلامي، وهي أهداف تجتمع لتحقيق الأمن والسلام العالمي، الذي يعتبر فيه الإرهاب بما يعتور مفهومه من غموض والتباس العدو الرئيس، إضافة إلى ضمان الاندماج النهائي لإسرائيل في دول المنطقة كشريك رئيسي في الشأن الاقتصادي والسياسي.
إن المشروع الامريكي عندما يطرح بهذه الصيغة، يبدو مغرقا في المثالية الليبرالية في شكلها الحاسم الذي بشر به منظرو النظام العالمي الجديد كنهاية حتمية لتطور التاريخ الفكري والاقتصادي للكائن البشري، لكن يبدو أن الآليات التي بدأت تستخدمها الإدارة الأمريكية في تصريف مشروعها، بعيدة كل البعد عن الجوهر الفلسفي لمبادئ الليبرالية، وعن توجهاتها النظرية، إنها أساليب تستمد شرعيتها من خلفيات سياسية واستراتيجية متعددة، ووجدت في إيديولوجيا الاستباق الكوني ضد الإرهاب، والإسلام الراديكالي، والحركات والأنظمة المقاومة للهيمنة الأمريكية المنبثة عبر العالم، وجدت في هذه الإيديولوجيا تعبيرا سهلا، وذريعة مباشرة، من أجل الدخول العملي في تفاصيل مشروع إعادة ترتيب الخارطة السياسية والاجتماعية لمنطقة الشرق الأوسط.
لقد وجدت الدعوة الأمريكية بلدان المنطقة إلى الإصلاح، صدى كبيرا لدى المتضررين من الحالة السياسية والاجتماعية السائدة فيها، واستطاعت واشنطن الوصول إلى قلب المجتمعات الأهلية العربية والإسلامية، وتجاوبت مع دعوتها قطاعات واسعة من المثقفين ونشطاء المجتمع المدني، والأحزاب السياسية، وممثلي القوى الطامحة للاستقلال، والأقليات الراغبة في الاستفادة من مناخ التعددية والانفتاح، بل إنها تواصلت حتى مع بعض القوى الإسلامية التي تبني حركتها على الاعتدال والوسطية ونبذ العنف، وتوالت الحوارات فيما بين قيادات الجماعات الإسلامية البعيدة إيديولوجيا عن ثقافة المواجهة وراديكالية الصراع، وبين الأمريكيين وحلفائهم بصيغ وأشكال متعددة، وخصصت لذلك أغلفة مالية هامة لتمويل الهيئات والجمعيات ومراكز البحث والرصد والدراسات المشرفة على مثل هذا التقارب، والمحتضنة للطروحات الجديدة المشجعة على الاستفادة من العرض التاريخي الأمريكي وعدم إضاعة هذه الفرصة.
هذه الوصفة الجيوسياسية لحماية الأمن القومي الأمريكي، من شأنها أن تخلخل بنية الأنظمة السياسية الحاكمة، وتخلق جوا من الفوران والفوضى – الخلاقة بتعبير كونداليزا رايس - والترقب، وانعدام التوازن داخل البلدان المستهدفة، خصوصا وأنها تحمل معها إشارات جادة هذه المرة في منحى التغيير سياسيا واجتماعيا وثقافيا، قد تدعمه بالتدخل العسكري في حال الاقتضاء، ولعل التاريخ الأمريكي في التدخل في السياسة الداخلية للدول والإطاحة بحكوماتها سواء عن طريق الانتخابات أو الانقلابات أو الاكتساح العسكري المباشر، كفيل بأن يخلف انطباعا تسوده الحيرة والرغبة في التملص من حيثيات المشروع الأمريكي بشكل أو بآخر لدى دول الشرق الأوسط.
والإصلاح الذي يروج له ليس مرتبطا فقط بمضمون الحياة السياسية والاجتماعية داخل المنطقة، وإنما يتعداه إلى طرح أشكال جديدة للدولة، ومن ذلك ما دأب على وصفه بعض الكتاب والمثقفين بـ "الفدرلة"، أي يفرض الشكل الفيدرالي للدولة على البنيات السياسية للمنطقة الأكثر استئثارا باهتمام العالم، ومنه ما وصفه آخرون بـ "الدول الفسيفسائية" المجزأة إلى بقع صغيرة يغلب عليها الصراع والتنافر على خلفية النعرات الطائفية والعرقية والقبلية.
إن مثل هذه التحليلات تؤشر على مدى خطورة الانسياق وراء المخطط الأمريكي للإصلاح، إذ أنه سيجعل من أمريكا خصما وحكما في آن واحد، تختلق واقعا ملؤه الانقسام والتشطير، وتساهم في تجميع أجزائه وفق المصالح الاستراتيجية لها ولحلفائها الرئيسيين، إن هذا لا يعني البتة أننا نغلب منطق المؤامرة على نمط تفكيرنا، إنما هي مؤشرات تقود في اتجاه القول بأن ثمة مستقبلا غامضا وشديد العتمة ينتظر بلداننا، ويجعل من المنطقة التي نعيش في ظلالها من خلال وجود حضاري تاريخي وجغرافي أصيل، منطقة دول موقوتة يحل فيها صوت الانفصال والتشرذم محل الهوية الموحدة والارتباط المصيري بين الشعوب، في الوقت الذي تحتاج فيه أوطاننا إلى مبادرات شعبية ورسمية من أجل تقوية الجبهة الداخلية، وتعزيز التماسك الاجتماعي والسياسي، وتشجيع إرادات التوحد بدل الوقوع في فخ الانقسام. سعيد مبشور
كاتب مغربي، الدار البيضاء mabchour@myway.com