واقرآناه

بقلم: يحي أبوزكريا

إنّ قيّام الجنود الأمريكان بتدنيس القرآن الكريم الكتّاب المقدّس عند المسلمين ومصدر التشريع الأوّل الذي نزل من لدن العليّ الحكيم هو شهادة حية ودليل قاطع على مجافاة أمريكا لكل العقائد والمقدسّات والحضارات والثقافات الموجودة في الخارطة الكونيّة.
ولم يكن تدنيس القرآن الكريم من قبل الجنود الأمريكان في قاعدة غوانتانمو المذلّة عملا فرديّا يضطلع بمسؤوليته مجموعة من الجنود الأعضاء في المؤسسة العسكرية الأمريكية بل إنّ تصرّف هؤلاء الجنود يأتي إنسجاما مع البنيوية الفكرية والإيديولوجية والسياسية للمؤسسة العسكرية والمنظومة السياسة الأمريكية الرسمية بشكل عام والذي تترجمه المسلكية السياسية والعسكرية والأمنية الأمريكية في الجغرافيا العربية والإسلامية على وجه التحديد.
إنّ ما قامت به المؤسسّة العسكرية الأمريكية هو إستهانة وإذلال وإحتقار لمليار ونصف مليار مسلم يردّدون في كل ساعات اليوم آيات من هذا القرآن المزدحم بمدلولات الخير والعدل والمساواة والترفع عن الظلم وهي قيّم يحترمها أتباع كافة الديانات والفلسفات البشرية.
وتدنيس المؤسسة العسكرية الأمريكية للقرآن الكريم هو تدنيس لهذه المفاهيم السامية وكل المعاني الكبرى التي وردت في القرآن والتي يقّر برفعتها المسلمون وغير المسلمين.
ويكشف هذا الفعل الدنيء مدى خروج أمريكا عن منطلقاتها الفكرية والسياسية وكل إدعاءاتها الأخرى، فتدنيس القرآن الكريم هو دوس على رقاب مليار ونصف مليار مسلم تربطهم بهذا القرآن أعمق الوشائج والتي تأسست على مدى أربع عشرة قرنا منذ نزل جبريل على رسول الإسلام – ص – قائلا له: إقرأ. وهذا الفعل يكشف أنّ أمريكا لا يهمها مطلقا هذا العدد الهائل من النسمة المسلمة ولا يهمها بتاتا المعتقدات السائدة في الكرة الأرضية وعلى رأسها المعتقد الإسلامي حيث تدين شعوب من القارات الخمس بالإسلام بما في ذلك القارة الأمريكية.
وهذا التدنيس الموسّع للقرآن الكريم يسفّه كل المحاولات الأمريكية النفاقية لتبييض وجهها وسمعتها ومسلكيتها في العالم العربي والإسلامي، وكل هذه المحاولات التي تهدف إلى إستغباء المسلمين تهدف إلى تكريس الأجندة الأمريكية في العالمين العربي والإسلامي.
ومثلما لم يحترم البنتاغون الأمريكي الذي هو من الهيئات الرسمية الكبيرة في منظومة السياسة الرسمية الأمركية مليار ونصف مليون مسلما فإنّه أيضا ومن خلال ممارسته الطائشة لم يحترم مشاعر الأمريكان المسلمين الذين يسمعون صباحا مساء شعارات تقديس واشنطن للديموقراطية ورفضها لسياسة الميز العنصري، هذه الشعارات التي لم تمنع الأجهزة الأمنية الأمريكية من جرّ آلاف المسلمين إلى الإعتقال الإداري التعسفّي والإستجوابات المذلة في دوائر المباحث الأمريكية والهجرة.
ولا يمكن لأمريكا وبعد هذا الفعل أن تتبجحّ مطلقا بأنّها مع حوار الديانات والحضارات والرؤى والأفكار، فمحافظوها الجدد الذين أعلنوا الحرب على الإسلام كعقيدة وعلى العالم الإسلامي كجغرافيا وثروات وعلى الحضارة الإسلامية كرؤى وأفكار وطروحات قرروا الشروع فعليا في تسفيه معتقدات المسلمين وعلى رأس هذه المعتقدات القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه، هذا القرآن الذي تكفلّ المولى عز وجلّ بصيانته وحمايته إلى يوم يبعثون، وليس للبنتاغون والمؤسسات الأمريكية الرسمية أن تدعي بعد كل ذلك أنّها تقدر الثقافات وعادات الشعوب ومعتقداتهم.
ولعلها السابقة الأولى في تاريخ المسلمين بل في تاريخ البشرية حيث قام أشخاص برمي المصحف الشريف إلى الكنيف وهي فعلة شنيعة جدا لا يحسّ بها إلاّ العارفون بالله أو من أوتوا نصيبا من لذاذة الإيمان والذين يستهجنون خلط المقدس بالنجس والطهارة بالقاذورات، وبالتأكيد فإنّ عناصر الجيش الأمريكي لا يرقون إلى هذه المعاني العرفانية والأخلاقية السامية فجل ما يرغبون فيه هو حفنة من الدولارات حتى لو أدى إلى قصف الصومال وأفغانستان أو العراق وغيرها بالقنابل الفتاكة والتي دكدكت بها القوات الأمريكية ارض الاسلام.
لا نصادف ونحن نقرأ تاريخ الإسلام والمسلمين ماضيا وراهنا أي حديث عن رمي القرآن في الكنيف كما فعل صقور الإدارة الأمريكية، بل في أحلك معارك المسلمين مع خصومهم كان هؤلاء الخصوم يتجنبون المساس بحرمة القرآن إيمانا منهم أنّ ذلك سيلهب غيرة المسلمين وكرامتهم والذين يعتبرون أنّ أرواحهم دوما فداءا لقرآنهم وكتابهم المنزل الذي علمهم الهداية والرشد والحكمة.
إنّ هذا الفعل القبيح والمهين والذي يعتبر إساءة للمسيحية واليهودية في نفس الوقت لا يمكن السكوت عنه مطلقا لأنّ الذي لا يحترم مقدسّا هنا لا يمكن أن يحترم مقدسّا هنا أو هناك، وهذا الفعل المسيء تتحمّل مسؤوليته الإدارة الأمريكية الراهنة المنطلقة في أدبياتها وخطابها السياسي من فكر المحافظين الجديد والذين يعتبرون أنّ العالم الإسلامي شر وكائن شيطاني، والذين يعتبرون أيضا في سرهم وجهرهم أنّ الذي أوجد هذه الحالة الشيطانية والشريرة هو المنطلقات الفكرية للمسلمين وبالتالي القرآن الكريم والسنة النبوية وتراث السلف الصالح وتراث العلماء والمفكرين والفقهاء والأصوليين والمحدثين الذين ساهموا في صياغة النظرية المعرفية الإسلامية إنطلاقا من الكتاب والسنّة.
وبعد مطالبتهم بتجفيف منابع القوة في العالم الإسلامي وتجريد مناهج التعليم من كل شيء له صلة بالكتاب والسنة راحوا يرمون هذه المقدسات في الكنيف دون إلتفاتة إلى مشاعر مليار ونصف المليار مسلم، علما أنّ نفطنا وغازنا وحديدنا وفوسفاتنا ويورانيومنا وكل منتوجاتنا الزراعية – كل الموارد الطبيعية في العالمين العربي والإسلامي – هي التي تقف وراء قوة الإقتصاد الأمريكي، فضلا عن وجود آلاف الملايين من الدولارات العربية والإسلامية في البنوك الأمريكية.
إنّ إعتراف البنتاغون الأمريكي بتدنيس القرآن الكريم لا يكفي مطلقا في إطفاء الغضب الإسلامي، بل يجب على الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن شخصيا أن يقدّم إعتذارا متلفزا وواضحا لمليار ونصف مليار مسلم في القارات الخمس.
وعيب على أمريكا التي تطالب كوبا بالحفاظ على بيت أرنست همنغواي الكاتب الأمريكي الذي إنتحر بإعتباره تراثا أمريكيا مقدسّا، أن تستهين بمقدسات المسلمين.
وعلى أمريكا ان تعرف أنّه القرآن الكريم قاصم الجبارين وإن غدا لناظره قريب! يحي أبوزكريا.