رفسنجاني إذا عاد الى ولاية رئاسية ثالثة

بقلم: نجاح محمد علي

1

يبدي الشارع العربي اهتماما خاصا بالانتخابات الايرانية من واقع أن نتائجها تؤثر على مجمل علاقات ايران الاقليمية والدولية، وتترك آثارها على أوضاع العرب من استقرار أو اضطراب تبعا لما تشهده ايران.
وتهتم وسائل الاعلام العربية بالانتخابات الايرانية كل حسب توجهه وانحيازه ونادرا ما تجد وسيلة اعلامية تعالج الموضوع الايراني عموما والانتخابات خصوصا، بطريقة حيادية، مع ملاحظة أن الجهل أو النقص في فهم ما يجري في ايران يدفعان الى حد ما الى بروز تحليلات خاطئة.
ويتأثر الشارع العربي كثيرا بما يكتبه ايرانيون معارضون حول ايران، وحتى بعض الوسائل الاعلامية المحترمة فانها تظل تدور في فلك ما يكتبه المعارضون الايرانيون من تحليلات، وما يقدمون من أخبار تصب كلها في خانة العمل المعارض الذي غالبا ما يفتقد الى الحيادية.
فمثلا محطة تلفزيونية عربية ناقشتني عن "عزم" رفسنجاني الملتزم من قمة رأسه الى أخمص قدمه بنظام ولاية الفقيه بنفس موديل الامام الخميني الراحل، على حذف ولاية الفقيه بعد فوزه في السباق الرئاسي، وطلبت مني أن أوضح كيف له أن يكون ذلك بجرة قلم على رغم "تمسك" الشارع الايراني بولاية الفقيه! التي ما عادت تملك نفس البريق المؤثر لدى الكثير من الايرانيين.
عموما هناك اهتمام كبير بالانتخابات الايرانية، والرأي العام العربي مهتم بنتائجها لأنه يتوقع الكثير من ايران لتلعبه في ظل التطورات الراهنة في المنطقة والعالم.

2
حضور أكثر من مرشح من كل تيار يعكس حيوية العملية السياسية في ايران، وهو مؤشر على أن ايران ترفض الدكتاتورية وفرض الآراء وتسمح تياراتها لبروز التعددية في الطرح والتفكير وحتى في الترشيح، لكن يجب أن نوضح أن التيارات الايرانية ليست "نقية" تماما بمعنى أن الاصلاحيين هم في الأساس متوزعون على تيار اصلاحي يريد القفز على نظام ولاية الفقيه وتمثله جبهة المشاركة والجماعات الليبرالية مثل حركة حرية ايران وغيرها، وتيار اصلاحي اصولي مايزال متمسكا بقواعد اللعبة والعمل تحت خيمة ولاية الفقيه ويمثله بالطبع ما أصبح يعرف بحزب الرئيس الحالي محمد خاتمي اي جمعية علماء الدين المناضلين "مجمع روحانيون مبارز"، ولهذا من الطبيعي ان نشهد تقديم أكثر من مرشح من الاصلاحيين.
ونفس الشيء ينطبق على المحافظين وفيهم تيارات عدة مع ملاحظة أنني لا أضع أبدا هاشمي رفسنجاني في خانة محددة واعتقد أنه من الاصوليين المعتدلين، أو أنه محافظ اصلاحي ويقترب كثيرا من نهج الرئيس محمد خاتمي مع الاصرار على المحافظة على ثوابت ولاية الفقيه ولو بلباس أكثر عصرية.

3
من المبكر الان القول ان رفسنجاني عاد بالفعل الى رئاسة الجمهورية رغم أنني أعتقد أنه الجدير أكثر من غيره بالامساك برئاسة ايران في ظل التحديات الخطيرة التي نواجهها داخليا وخارجيا، ويمكن النظر الى دخول رفسنجاني على خط السباق الانتخابي سيجعل المنافسة قوية وساخنة وذا نفس مقبول في الوسط الايراني، ويمنحها نكهة خاصة.
فقد بات من تجربة الانتخابات التشريعية عام 2000 التي أفرزت انحسار نفوذ رفسنجاني، بعد أن تعرض الى التجريح القاسي، وربما الظالم أيضا، من اصلاحيين غلاة، أن مشهد اخفاق الرئيس السابق في الفوز بمقعد في البرلمان كما كان يشتهي، يظل في ذاكرة رفسنجاني الماضي اليوم بعزم وقوة نحو تأكيد أهمية الدور الذي يعلبه لحفظ نظام الجمهورية الاسلامية من التداعي والانهيار.
ولرفسنجاني أيضا دور في أحياء المؤسسة الدينية بقم اذا فاز في الانتخابات:
فقد لعبت الحوزة العلمية الدينية في قم، دورا بارزا وأساسيا في انتصار الثورة الاسلامية عام 1979، وفي جميع التحولات التي شهدتها ايران، الى أن جاءت الحركة الاصلاحية لتكشف أن هذه المؤسسة الدينية ماعادت تملك نفس القوة التي كانت عليها، خصوصا في التعاطي مع جيل الشباب، والاخفاق المرير في إسماع صوتها لهم، على الرغم من المصالحة المهمة التي أوجدها انتخاب خاتمي عام 1997،بين المؤسسة وعموم الثورة ونظام الجمهورية الاسلامية، وجيل الشبان الذين صوتوا لخاتمي متحدين كل الدعوات من المؤسسة لانتخاب منافسه رئيس البرلمان في حينه علي أكبر ناطق نوري.
واستثمر خاتمي بكل قوة، ماقام به رفسنجاني خلال فترة ولايتين رئاسيتين من (1989 - 1997)، في فتح الاجواء الثقافية، واستخدام لغة مرنة مع المؤسسة الدينية والشباب، الا أن اعتماده على جهاز المخابرات، أكثر من خاتمي، أدى الى تشويه صورته كثيرا لدى الجيل الذي لم يشهد الثورة الاسلامية ولم تهزه كل تفاصيلها المثيرة، ومنها دور رفسنجاني.
ومن هنا فان أمام رفسنجاني الذي أصبح يلقب بـ"آية الله " للاشارة الى انه أيضا من المجتهدين المرشحين لتولي كرسي المرجعية ولو غير العليا، مسؤولية إعادة ترميم الحوزة الدينية، وانقاذها من الانقسام الحاد الذي تمر به منذ انتخاب خاتمي، وإعادة ربطها بجمهور الشعب خصوصا الشبان.
ويشعر رفسنجاني أن مهمته في بعث الدور الأساسي للمؤسسة الدينية، تظل خطيرة على ضوء التحولات الجارية في العراق، والتي يلعب فيها المرجع الديني آية الله علي السيستاني، دورا مفصليا، وهو بالمناسبة لا يُحسب على نهج ولاية الفقيه المعمول به في ايران، رغم أن الجمهورية الاسلامية استثمرت دوره وانسجمت معه،لتعزيز نفوذها عبر دعم أصدقائها في العراق الجديد.
بعد رحيل النظام العراقي السابق خطفت النجف الأشرف بالعراق الأضواء عن قم المقدسة بايران، وأعتقد أن عودة رفسنجاني مجددا الى سدة الرئاسة، يمكنها أن تعيد دور آيات الله وحجج الاسلام في قم لصالح نظرية ولاية الفقيه وذلك لأن السيستاني أضطر كما يبدو الى الاعتراف عمليا بولاية الفقيه وصار يمارسها كل يوم من خلال تدخله الواسع في الوقائع السياسية.
وأمام التطور السريع الذي تشهده حوزة النجف حاليا بعد سقوط النظام السابق الذي كان يُضعفها خشية التأثر بالنموذج الايراني، فان على رفسنجاني الذي تربى في مدرسة قم واهتمامها الكبير بالسياسة على حساب العلوم الدينية الصرفة، أن يستفيد في عهد رئاسته المقبل (إذا لم تحصل مفاجأة) من حوزة قم التي يصل عدد طلاب العلوم الدينية فيها الى 44 الف طالب ديني في 360 مدرسة تابعة للحوزات الدينية ويدرّس فيها نحو 5 آلاف استاذ في الحوزة، وهم يستخدمون أحدث التقنيات، منفتحين على العلوم الانسانية الحديثة كالفلسفة والقانون والعلوم السياسية، وعلى الفلسفة الغربية و ما ينشر عن عرب مهتمين بالعلاقة بين الدين والحياة.
ولكن طريق رفسنجاني (إذا فاز) للامساك بالحوزة في قم لن يكون مفروشا بالزهور لما تشهده الحوزة الدينية من انقسام طغى عليها وأفرز اصطفافات جديدة في العقد الاخير جعلها تيارين سياسيين وفكريين اساسيين هما: تقليدي واصلاحي، ومع بروز نزعة قومية (فارسية) قوية على حساب تلك التي تنادي بعالمية الثورة الاسلامية.
كذلك فان عودة رفسنجاني مهمة لتعزيز الوفاق الوطني: فقد نجح رفسنجاني خلال الفترة التي سبقت مجيء خاتمي الى السلطة، في الامساك بعصا التيارات الايرانية العاملة داخل نظام ولاية الفقيه، من وسطها، وكان الجميع يتسابق الى ترشيحه للانتخابات البرلمانية قبل توليه الرئاسة عام 1989، وايضا في الرئاسية، الا أن الوضع تغير الآن خاصة وأن رفسنجاني تعرض الى حملة اتهامات وصلت الى الصحف، عن دوره في إطالة أمد الحرب مع العراق عندما كان نائبا مفوضا عن الامام الخميني في قيادة القوات المسلحة، بالغم من أنه هو من نجح في اقناع الامام الخميني بالموافقة على وقف اطلاق النار ولو كان بمثابة "السم" بهدف وضع حد للحرب العراقية الايرانية.
ويبدو أن رفسنجاني بدا واثقا من أنه يريد تعزيز الوفاق الوطني لمواجهة التحديات الخارجية وموضوع الملف النووي الشائك، ومن هنا أعلن ان واجبه الوطني والاسلامي يملي عليه أن يترشح اذا استمر المحافظون في الاختلاف حول مرشح وحيد.
إن رفسنجاني اليوم مهيأ أكثر من أي وقت مضى، وهو الأجدر، لخوض الصعوبات والتحديات، وابداء موقف ثابت غير متأرجح كونه على وفاثق تام مع الولي الفقيه، وأنه ايضا استفاد كثيرا من تجربته الرئاسية الطويلة الممتدة من عام 1989 الى 1997، ومن اخفاقات الرئيس محمد خاتمي، ومن التحولات الكبيرة التي شهدتها ايران،إن على الصعيد الداخلي بعد بروز حركة الاصلاح وتأثيراتها على جيل الشبان، او على الصعيد الخارجي وتحديدا بعد مجيء الأمريكان الى الحديقة الخلفية لايران.

4

يحظى رفسنجاني باهتمام كبير من النظام السياسي العربي، ومن النخب ومن الشارع ايضا، يعرفونه وألفوا اسمه وهو لم يغب عن الأضواء حتى بعد انحسار دوره (ظاهريا) منذ رحيله عن سدة الرئاسة عام 1989، وأما بقية منافسيه في السباق الانتخابي، فان العرب بالكاد يعرفون كيف يقرؤون اسماءهم، ماعدا رئيس البرلمان السابق مهدي كروبي، وقائد الحرس الثوري السابق محسن رضائي فهما معروفان، أما الرأي العام فهو لا يعرف غير رفسنجاني.

5
إن عودة رفسنجاني الى كرسي الرئاسة ستخدم العلاقات الدولية والعربية، خصوصا وأن رفسنجاني تمكن فيما مضى من وقت في حل الكثير من العقد في علاقات ايران العربية والدولية، وأمامه تحد كبير يتمثل بالملف النووي وعملية التسوية في الشرق الأوسط، والعراق، وحزب الله لبنان، أزمات اقليمية حادة أخرى، تنتظر رجلا كرفسنجاني لن يبقي الحوار الايراني الأمريكي أسير الأقبية السرية.
ويمكن النظر الى رفسنجاني (إذا فاز ولم نشهد مفاجآت) من واقع أنه الوحيد القادر حاليا أن يقود ايران الى برالأمان وسط امواج متلاطمة في الداخل والخارج، أخطرها بالتأكيد، الرغبة الأمريكية في تغيير نظام الجمهورية الاسلامية من الداخل، لتفادي تكرار ورطة العراق، وأن استخدام ورقة القوميات، أو الاستفادة منها (كما جرى في الأهواز مركز اقليم خوزستان مؤخرا)، بات الأنجح (من وجهة نظر أمريكا) في هذه المرحلة بالذات.
وخلال ولايتين من رئاسته من 1989 الى 1997 حاول رفسنجاني الذي وضع ايران من مرحلة الثورة الى عجلات الدولة، تحسين العلاقات مع واشنطن،عندما ساهم في حل أزمة الرهائن الأمريكيين والغربيين في لبنان لكنه فشل لأسباب عديدة أهمها أن الأمريكيين يريدون حوارا مفتوحا ومباشرا وليس في الغرف السرية كما تمت "ايران غيت" التي أدت الى عملية الافراج عن رهائن أميركيين في بيروت.
وبالتأكيد فان فوز رفسنجاني في الانتخابات القادمة سيجعله قادرا على تخطي عقبة الحوار المفقود مع واشنطن، وربما أيضا لانهاء الملف النووي وايجاد مخرج لأزمته المستعصية (سلميا بصفقة سياسية)، ومن غير رفسنجاني المتفاهم تماما مع المرشد، قادر على ذلك.
وبامكان رفسنجاني أن يواصل نهج خاتمي الذي سعى الى ابقاء ابواب الحوار مفتوحة مع الاتحاد الأوروبي، وحتى مع الولايات المتحدة، لأن عزمه على الترشيح للانتخابات لم يات منفصلا عن أجواء التوتر الحالية مع الادارة الاميركية.

وإذا أظهر رفسنجاني المرونة المطلوبة بشأن الملف النووي (وهو متوقع) فستمنح فترة رئاسته "الثالثة" واشنطن المبرر لتعيد النظر في سياساتها نحو ايران،
هذه الورقة ستفيد كثيرا في ترجيح كفة الشيخ الرئيس،أمام منافسيه، لأن الشارع الايراني لا يرغب في أي في تصعيد مع «الشيطان الاكبر» بذريعة العراق والنووي، يصل الى حد المواجهة العسكرية، بعد مشاهدة النموذج العراقي.
وينظر الى الرئيس الايراني السابق بأنه لا يزال الشخص الوحيد القادر على انهاء الأزمة المزمنة مع واشنطن بترشيحه مجددا في الانتخابات الرئاسية المقبلة، مستندا الى جدا قوي من آية الله خامنئي.
وربما سيعمد رفسنجاني متذرعا بضرورات المرحلة، إذا أصبح الرئيس المقبل لايران في جمهوريتها الخامسة، الى إعادة تعزيز صلاحيات الرئاسة، بعد أن أخفق خاتمي في تمرير لائحة الى البرلمان بهذا الشأن.
لكن السؤال الأصعب هو ماذا إذا مارس الشعب الايراني الذي يغلب عليه الجيل الشاب لعبة العناد ولم يصوت لصالح رفسنجاني؟

* أجوبة الكاتب ردا على خمسة أسئلة من جريدة اعتماد القريبة من رفسنجاني. نجاح محمد علي - دبي