كاليجولا.. نهاية طاغية عشق القمر

بقلم: أمل عريان فؤاد
الأحداث في مسرحية كاليجولا لا ترتبط برابط سببي

"الموت لم يكن سوى علامة دلتني على حقيقة، وهذه الحقيقة جعلت من القمر غاية، ذلك أن الإنسان يموت محروماً من السعادة.."
ماذا تعني السعادة لإنسان لديه كل شيء، السلطة، والقوة، الجاه، الثروة والمريدون؟! الحب، السطوة، المستحيل، ثلاث طرق للسعادة•• ولكن كل طريق منهم مختلف والرغبة في امتلاكهم جميعاً، هو نوع من الجنون، هذه هي الرغبة التي صنعت أسطورة كاليجولا الطاغية ذلك الإمبراطور الروماني "كيوس" الذي أصيب بجنون العظمة وهو في سن صغير لم يتعد الثلاثين من عمره.
قصة هذا الطاغية صاغها الكاتب الكبير ألبير كامو كمسرحية عن قصة حقيقية في عام 1938 وهو الوقت الذي كان يسيطر عليها مناخ التشاؤم والعبث والعدمية وهو المناخ الذي أفرزته النازية والفاشية، ومنذ ذلك الحين كانت هذه المسرحية بأبعادها النفسية المعقدة مادة ثرية جذبت الكثيرين لتقديمها على خشبة المسرح، في جميع أنحاء العالم، حيث قدمت بعدة أشكال ورؤى. وكما أغرت المسرحية الكثيرين كذلك فعلت مع المخرج المصري الشاب هشام عطوة، ليعيد تقديمها على مسرح الطليعة، برؤية مختلفة، خلال فصلين حيث قام بتجسيد الفصام النفسي في شخصية كاليجولا خلال ثلاثة أبطال كل واحد منهم يعبر عن جانب من شخصية كيوس، فهناك الطاغية.. والباحث عن المستحيل، الذي كل أمله أن يصل إلى القمر لا لشيء إلا لأنه مستحيل، أما الشخصية الثالثة، فهو الباحث عن الحب اليائس وما زال يملك بداخله بقايا إنسان.
وتبدأ أحداث المسرحية بمشهد لكيوس، وهو ينتحب حزناً على حبيبته دروزيلا مظهراً حالة التشتت والجنون التي وصل إليها، من خلال تعبير حركي ممزوجا بالمؤثرات الصوتية والضوئية التي تعبر عن الصخب الذي يشعر به والهيتسريا التي تنتابه بين لحظة لأخرى ثم ينتهي المشهد بهيامه على وجهه، وتعود الأحداث لقصر كيوس حيث الأشراف مجتمعين يتحدثون عن حالة كاليجولا البائسة بعد أن فقد حبيبته المحرمة (شقيقته) ويتحدث الأشراف حول غيابه عن القصر لمدة ثلاثة أيام، ولا يوجد خبر عن مكانه لكن سرعان ما يظهر ليقول لخادمه هيلكون أنه يريد الحصول على القمر لكونه الشيء الوحيد الذي لا يملكه لذا فهو حزين، فقد أحس فجأة بحاجته للمستحيل، وفي مشهد ثاني يظهر في ثوب الطاغية ويدخل عليه رئيس الديوان لتسوية بعض الأمور المتعلقة بالخزانة وتظهر هنا شخصية المجنون، حيث يلزم جميع الأشراف وجميع أفراد الإمبراطورية الذين يملكون ثروة بأن يحرموا أولادهم من الميراث وأن يحرروا وصية لصالح الدولة، ثم يأمر بقتلهم وفقاً لحاجة الخزينة طبقا لقائمة معدة بأسمائهم لتؤول أموالهم في النهاية إلى كاليجولا.
ثلاث سنوات قضاها كيوس في طغيانه وجنونه، وهو ما دفع الأشراف للبحث عن وسيلة للتخلص منه لاستخدمه السلطة بغير حدود في قتل وقهر كل من حوله حتى وصل به الأمر إلى حد إنكار الإنسان وإنكار العالم، وفي الوقت الذي اقترح الأشراف مواجهته نجد شيريا صديقه الأديب يطرح فكرة أخرى بقوله: لندع كاليجولا سائراً في غيه، بل لندفع به في هذا الطريق ولننظم جنونه وسيأتي يوم يجد فيه نفسه أمام امبراطورية مليئة بالموتى وبأهالي الموتى.
وفي أثناء وجود الأشراف في منزل شيريا للبحث عن حل يحضر كاليجولا، ويجلس على المائدة التي أعدها له الأشراف عوضاً عن الخدم بناء على طلبه، ويطلب من أحدهم ويدعى "ميسيوس" زوجته لتجلس إلى جانبه ويقودها أمامه إلى غرفة جانبية ثم يعيدوها إلى زوجها، ويترك المنزل، كما نجده يطلب من رئيس الديوان أن يغلق مخازن الغلال العامة ، ليحدث مجاعة ويوقفها هو متى أراد ذلك، ومشهد آخر يظهر جنونه، عندما يتناول أحد الأشراف ويدعى ميريا دواءً للربو يظن كيوس أنه يتناول ترياق للسم خشية أن يسممه كاليجولا، وهذا في رأيه ينطوي على جريمة مزدوجة الأولى أنه يضع كاليجولا موضع الريبة ظلماً، والثانية أنه يعارض مشاريعه بقتله إذا كانت لديه النية لذلك، ولهذا يحكم بالقتل عليه ويقوم بتسميمه فوراً.
والفصل الثاني يبدأ بمشهد كأنه مسرح حيث يقف كاليجولا مرتدياً زي فينوس آلة الحب والجمال في وجود الأشراف، حيث يقدمون له الأموال، وبعد أن ينتهي نجد أحد الأشراف يحاول إخباره بوجود مؤامرة لقتله فلا يصدقه.
وفي مشهد آخر يحاول خديعة الأشراف حيث تخرج سيزونيا عشيقته لتخبرهم أن كاليجولا مريض، وقد تقيأ دماً، فيسرع رئيس الديوان متضرعا للالهة بدفع مائة ذهبية إذا شفي بينما يصرخ شريف آخر إلى الإله چوبيتر، ويطلب أخذ روحه فداء لروح كاليجولا، ويظهر في تلك اللحظة كاليجولا الذي كان يسترق السمع، ويدخل فجأة ليضع قسميهما موضع التنفيذ، ويقول للأول قبلت قربانك وسيحضر أمين الخزانة، إلى بيتك غداً، أما الثاني فيأمر الحرس بقتله.
ولا يكتفي كاليجولا بكل من قتل، ليقدم على قتل عشيقته سيزونيا، حيث يقول إن لم أقتل أحس بأني وحيد ولا أرتاح إلا بين أمواتي، ويقوم بخنقها لكي يحقق العزلة الأبدية التي يريدها لأنها الشاهدة الوحيدة على كل ماحدث•• مرددا قوله " عندما أقتل إني أحيا"، ثم يصرخ قائلاً "إن الحرية التي مارسها ليس هي الصحيحة" ليصيح في النهاية "لم أحقق شيئاً". وفي مشهد النهاية نجد شيريا وقد حضر للتخلص منه حيث يحاول طعنه وقبل أن يصل له يحاول هليكون خادمه أن يحميه فيموت، ثم يطعن شيريا كاليجولا ليخلص العالم من طغيانه.. وتنتهي المسرحية بتسلط الضوء علي القمر في الخلفية لظهر أكثر توهجا مصاحب ذلك بنصيحته لسبيون شاعره الرقيق "كن عادلا."
الأحداث في مسرحية كاليجولا لا ترتبط برابط سببي وإنما عبارة عن مشاهد محورها الأساسي هو كاليجولا.. بانفصام شخصيته فكل مشهد يظهر جانباً من الخلل النفسي وتدعمه المشاهد الأخرى.
وقد نجح المخرج هشام عطوة في تقسيم الخط الدرامي لكيوس على أبطاله الثلاثة وقد وظف باقي أبطال العمل• لتدعيم البعد النفسي لكل بعد من شخصيته، فمثلاً في البطل الذي يطلب المستحيل، فنجد أن حديثه عن القمر، ورغبته في امتلاكه يصرح بها إلى هيلكون خادمه المخلص، حيث يعلن له في أول المسرحية عن رغبته في امتلاك القمر وفي مشهد آخر يصرح له أنه حصل على القمر أكثر من مرة، ويعود ويؤكد له أنه يحب التشبث بالسلطة والوصوالي إلى المستحيل حتى وإذا أحضروا القمر فلا يمكنه التراجع وعندما يصل كاليجولا إلى قمة جنونه وتشتته، ولا يستطيع أن ينتبه للمؤامرة التي تدبر للإطاحة به، ويحاول خادمه هيلكون أن يلفت نظره لا يلتفت، وييأس هليكون، ويهم خارجاً وحين يسأله كاليجولا عنه وجهته، يخبره بأنه ذاهب لإحضار القمر له، وتأكيداً للبعد النفسي لهذه الشخصية، نجدها غالباً تحاور الشاعر الرقيق سيبيون صديق كاليجولا الحميم قبل أن يصاب بهذه اللوثة، فهو الذي كان يغرس فيه حب الجمال والعدل فكثيراً ما ردد سيبيون قوله "كن عادلاً" وهي الكلمة التي اختتمت بها المسرحية، ورغم رفض سيبيون طغيان كاليجولا إلا أنه رفض أن يشترك مع باقي الأشراف في مؤامرتهم ضده، لأنه يشعر به، وهو ما أكده بأن هناك شيئاً مشتركاً بينهما.. وهو أن بداخله ما زال نقطة ضوء.
أما الطاغية في شخصية كاليجولا فقد خص بها المخرج أحد الأبطال، وكان يحاور الأشراف في أغلب الأحيان، وصاحب القرارات الغريبة التي أصدرها مثل توريث الأشراف والشعب لكاليجولا، كذلك كان صاحب الاتهام لميريا مريض الربو، والحكم بقتله كذلك كان الطاغية أكثر المتحدثين مع شيريا الأديب فهو صوت العقل أما شخصية كاليجولا الثالثة وهي شخصية البائس•• الباحث عن الحب فإن أغلب حديثه كان لمعشوقته سيزونيا.
وكما ينفرد كل كاليجولا بجانب من الشخصية، فإنه في عدد من المواقف تتجمع الشخصيات لتقدم نفس المشهد، وهو أمر قصد منه المخرج إظهار كل الجوانب السيئة في شخصية كيوس مجتمعة، وهو ما وضح جلياً في مشهد قتل سيزونيا، حيث قامت الثلاث شخصيات بقتلها كنوع من تأكيد القهر والظلم، كذلك قبل قتله علي يد شيريا حين يتجمع الثلاث شخصيات بعد قتل سيزونيا، في مشهد أقرب من حركة التنين ذي الرؤوس المتعددة، ليؤكد عمق الشر بداخل هذه الشخصية، وتأكيدهم في النهاية بقولهم مجتمعين "لم أحقق شيئاً."
ومن خلال مشهد في المسرحية التي كتبها آلبير كامو يتحدث كاليجولا مع نفسه في المرآة، وترد المرآة عليه، تلك النقطة نجح المخرج في توظيفها درامياً داخل المسرحية، حيث حرص أن يكون على جانبي خشبة المسرح، ما يشبه المرآة، يتم دخول وخروج شخصيات كاليجولا من خلالها، لتجسيد معنى خروج شخصية مختلفة من نفس المصدر لكل مرة وفي بعض المشاهد يقوم كاليجولا بمحاولة التحدث مع نفسه في المرآة أو يعمل حركات انعكاسية. ولم يكتف المخرج بذلك، بل قام بتوظيف شخصيتين من كاليجولا في أكثر من مشهد ليتقابلا، كأنهم يريان أنفسهما بالمرآة، وكما نجح المخرج في توظيف مداخل المسرح على شكل مرآة، فقد تميز ديكور المسرحية بالبساطة وخلق مساحات تمنح الممثلين التحرك بشكل مريح في جوانب المسرح، وقد حاول مهندس الديكور محمد سعد أن يقدم ملامح لقصر ينتمي إلي العصر الروماني وقد وضح هذا من خلال درجات على خشبة المسرح تمتاز بالنقوش الرومانية، هذا بجانب عرش كاليجولا الذي توسط المسرح، مستخدماً خلفية الكرسي كقطعة من الديكور الملونة بألوان الطيف والتي تلعب دوراً هاماً مع المؤثرات الضوئية، حيث تظهر في بعض المشاهد وكأنها قفص صدري لانسان، كما تم توظيف ما يشبه أعمدة القصر المقسمة على شكل سلالم وهي التي يستخدمها كاليجولا في محاولته للوصول إلى القمر، وخلف كرسي العرش الخلفية سوداء، يظهر فيها هلال القمر مضيئاً وفي وسطه جمجمة رمزاً للمذابح التي قادها كاليجولا بطغيانه وبالإضافة إلى كرسي العرش، فإن هناك خلفية متحركة تتدلى من أعلى المسرح، وهي تمثال تعبيري عن تنين الشر، الذي يتدلى فوق رأس كاليجولا وهي أشبه بجانب من وجه تنين، وهي قطعة الديكور التي لازمت كاليجولا في كل مشاهده في القصر، وحين كان المشهد في منزل شيريا اختفت أصبحت كشكل تعبيري عن طائر فارد جناحيه كما كانت الخلفية ظلامية بخلاف قطع الديكور تعبيراً عن أن عهد كاليجولا عهداً للظلم والظلام، والطغيان.
وقد لعبت الإضاءة والمؤثرات الصوتية دوراً هاماً في أحداث العمل، وقد كان التمازج بينهما واضحاً في أول مشهد في المسرحية والذي يوحي بوجود كاليجولا بين القبور ينتحب على حبيبته دورزيلا، وحوله جوقة في الظلام يصدرون ضحكات هيستيرية مع التركيز على الفم، في مشهد الغرض منه إظهار حالة التشتت التي يعيشها كاليجولا وتجسيد الأصوات التي تهمس في أذنه، وقد لعبت المؤثرات دوراً هاماً في نجاح هذا المشهد، كذلك، تم استخدام المؤثرات الضوئية للعب بين الضوء والظلام، لإظهار قدوم كاليجولا كظل منعكس من خلفية كرسي العرش ومع المؤثرات الصوتية تعبر عن الفزع بوقع خطوات كاليجولا، كما لعبت الإضاءة دوراً إيهامياً في مشهد ظهور كاليجولا وكأنه يمشي في ممر طويل، حيث تم تقطيع المشهد بالإضاءة ليعود كاليجولا إلى نقطة البداية ثلاث مرات ليوحي بطول المسافة التي يقطعها كاليجولا للوصول إلى كرسي العرش.
وقد استطاع المخرج أن يوظف المؤثرات الصوتية للرجوع بالذاكرة إلى الوراء كما في محادثة سيبيون للدفاع عن كاليجولا وتذكيره ببعض كلماته بصوت كاليجولا مثل نصيحته لسيبيون وقوله "إن طريق الحياة وعر شاق بغير معونة الدين والفن والحياة"، نصيحته أيضاً بقوله "كن عادلاً منصفا" وهي الكلمة التي انتهت بها أحداث المسرحية، مع تسليط الإضاءة على القمر ليظهر أكثر توهجاً بعد قتل كاليجولا.
كما نجحت موسيقى تامر سنجر، في التعبير عن تناقض الانفصال في شخصية كاليجولا ما بين الرقة والعذوبة، والحدة، والجنون، وإذا تحدثنا عن الآداء فقد نجح المخرج في توزيع جوانب شخصية كاليجولا على الثلاثة ممثلين حيث تم مراعاة الجانب الشكلي والانفعالي والكاريزما الخاصة به لتعبر عن كل جوانب الفصام في شخصية كاليجولا، وقد استطاع كل منهم أن يجيد في الجانب الخاص به، كما أنه وضح التفاهم النفسي والحركي والانفعالي بينهم الثلاثة في الحالات التي حدث فيها توحد، كمشهد قتل سيزوينا أو مشهد النهاية.
أما عن الآداء التمثيلي فقد وضح جلياً دور ريهام سعيد في آداء دور سيزوينا كذلك الأشراف وشيريا الأديب وسيبيون الشاعر، كذلك هليكون، خادم كاليجولا، ورئيس الديوان.
والمتابع لمسرحية كاليجولا، يلتقط الرسالة التي تبثها، وهو ما يفعله الطاغية في محكومين قنعوا بالاستكانة وعدم القدرة على المواجهة ليزداد طغيان الحاكم طالما لم يجد من يردعه وقد وصل هذا المعنى بوضوح وقد ردد أكثر من مرة على لسان كاليجولا والأشراف، بعد وفاة ميريا بقولهم "الإعدام جزاء المذنب، والمرء يكون مذنباً إذا كان من رعايا كاليجولا، وكل الناس رعيته والإعدام نصيب الجميع .. فالطاغية قلب أعمى والطاغية من ضحى الشعوب." أمل عريان فؤاد amlfouad22@hotmail.com