إنّي أعترض..عن الطائفية والاعلام وأشياء أخرى

بقلم: نجاح محمد علي

قيام التلفزيون العراقي بعرض اعترافات متهمين بارتكاب جرائم ارهابية خطيرة، ربما يساعد في تخفيف حدة الانتقادات الموجهة للحكومة، ويظهر الأخيرة بالقادرة على ضبط الوضع الأمني وأنها تستعيد هيبتها تدريجيا، لكنه بالتأكيد سيزيد من الاحتقان الطائفي في مجتمع بات منقسما على نفسه وفق نظام المحاصصة، خصوصا الطائفية.
فالمعروف أن مثل هذه الاعترافات تفقد سياقها القانوني، الا بعد الانتهاء من المحاكمة واصدار الأحكام كل حسب ذنبه، خاصة عندما يظهر المتهم وعلى وجهه آثار الضرب، وهو يدلي باعترافات خطيرة معظمها يتهم جهات سنية بالضلوع في عمليات تفجير استهدفت اماكن مكتظة بالسكان في بغداد، كما جرى في تفجير مطعم "حبايبنا"، وتفجيرات مفخخة أخرى، اعترف المتهمون، أنهم ينتمون الى جهات سنية محددة.
إن من حق الرأي العام أن يطلع على الحقائق، في عهد بشر بالشفافية، الا أن الطريقة التي تعرض بها هذه "الحقائق" تثير العديد من التساؤلات عن أهدافها، أو على الأقل، حول توقيتها الزمني في ضوء استمرار تبادل الاتهامات بالتصفيات الطائفية بين "بدر" وهيئة علماء الدين المسلمين.
فالحرب الكلامية التي يريدها البعض أن تُشعل فتنة طائفية في العراق، لم تتوقف بعد، إذ تنتشر هذه الأيام لدى الكثير من العراقيين لغة خطيرة تدعو الى الانتقام بينما الذبح على الهوية، يستهدف الجانبين.
وبغض النظر عن صحة اعترافات المتهمين، فان الاصرار على بثها في التلفزة العراقية، يجعل العراق يقف بالفعل على شفا حرب طائفية من العيار الثقيل، ستعم نيرانها كل المنطقة وأقاليم أخرى في العراق، ومنها بالطبع باكستان التي تعرض مزار ديني فيها الى تفجير أودى بحياة نحو 20 كلهم من طائفة واحدة.
لقد قتل الارهاب الأعمى الذي لا يفرق بين عراقي وآخر، منذ سقوط نظام صدام في نيسان عام 2003، المرجع الديني السيد محمد باقر ورئيس مجلس الحكم عز الدين سليم ونائبه طالب الحجامي العامري، وجمعا غفيرا من العلماء من وكلاء السيد السيستاني او وكلاء السيد الصدر الثاني، بالاضافة الى عدد كبير من اساتذة الجامعات والمثقفين والشخصيات وعشرات الكوادر من منظمة بدر تجاوز عددهم الـ1000 واعدادا ضخمة جداً من الشيعة في كربلاء والكاظمية وفي الحلة والموصل وتلعفر والصويرة والمدائن وبغداد .
كذلك أودى هذا الارهاب أيضا بعلماء دين وشخصيات من السنة، لكنّ أخطر فصوله تُكتب هذه الأيام بتشجيع ربما غير متعمد من التلفزة، وبعد اعلان صريح أطلقه الشيخ حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين، اتهم فيه منظمة بدر بالوقف وراء قتل أئمة مساجد وحراسهم من السنة، الأمر الذي نفته المنظمة واتهمت بالمقابل الضاري بإثارة فتنة طائفية.
فقد دعا متطرفون الى قتل الضاري، لوأد الفتنة في مهدها كما يقولون. واستخدمت مواقع اعلامية بشكل تعسفي، كل ما تملك من أجل التحشيد الطائفي، في وقت تستمر فيه جماعات دينية متشددة يُزعم أن الاردني أبومصعب الزرقاوي يقودها، في قتل الشيعة وتعتبرهم روافض وتحث على تصفيتهم، وتقول إن خطرهم على الاسلام أشد من تواجد "المحتل الصليبي الكافر".
كما تصدر هذه الأيام بيانات من جهات غير معروفة لا يملك المراقب المنصف الا أن يشكك في نواياها: بعضها ضد السنة وقد كتب بطريقة تحث على طردهم وتهدد بتصفيتهم جسديا إذا لم يغادروا مناطقهم في البصرة وسامراء وأماكن أخرى، وأخرى تتهم أهل السنة في البصرة بعقد الاجتماعات في المساجد لوضع خطط مواجهة الشيعة، وبأنهم أنصار صدام الذين كانوا مرتاحين لاعدامه عناصر الطائفة الشيعية، ولا ننسى أيضا بيان الزرقاوي الذي هدد بمسح "بدر" من الأرض!
هذه البيانات وأخرى موقعة باسم منظمة بدر وحزب الدعوة الاسلامية، ترمي بشكل واضح الى جر البلاد الى حرب طائفية ستلقي بحممها على كل المنطقة ولن توفر أفغانستان وباكستان، ودولا تعتبر مستقرة، وقد وزعت في مدينة سامراء ومناطق اخرى تدعو السّنة الي ترك مناطقهم او يتم اخراجهم منها بالقوة، وقد تأكد أن هذه البيانات لم تكن صحيحة ولا تمت الى منظمة بدر وحزب الدعوة بصلة وانما هي بيانات ووثائق مدسوسة ومفبركة، ولا يستبعد أن رجال النظام السابق وعناصر الزرقاوي ضالعون ببثها من اجل اثارة النعرات الطافية والحقد بين افراد الشعب العراقي سنة وشيعة عربا واكرادا.
نعم يجب أن ينظر الى هذه البيانات من واقع أنها مزيفة، خصوصا وإن بيانات مضادة وزعت وهي تتهم عناصر بدر الذين تدربوا في ايران، بانهم يحملون ولاء للسيد علي خامنئي، وللحكومة الايرانية ولأجهزة الأمن الايرانية وليس للدولة العراقية.
الجميع في العراق يتبادل الاتهامات بأن تحرك الجهة المقابلة يؤدي اذا ما استمر الى حرب اهلية يريدها البعض ان في داخل العراق وان في الخارج، أما المبادرة الى حلول عملية فقد انحسرت وظهرت منفردة فقط في تدخل التيار الصدري بعد أن تصاعدت لغة التحريض، لكن رغم ذلك فان من شأن هذا التدخل أن ينزع مؤقتا الفتيل دون أن يلغي نهائيا، احتمال اندلاع الأزمة ثانية بما يوجب على عقلاء القوم أن يبادروا الى اطلاق لغة الحوار والمكاشفة الصريحة ويعمدوا أولا الى وقف مسلسل الاعترافات من التلفزيون، وأن يتم بدلا من ذلك استخدام هذه الاعترافات في الحوارات السرية، بدلا من التحريض على القتل وسفك الدماء، من واقع أن أخطر ما يمكن أن يقوم به كل من يعمل على التحشيد الطائفي، هو تكريس الإقصاء أو التهميش للقوى الأخرى، بما يصبح منهجا لتفريخ دكتاتوريين جدد يتعاملون مع العراقيين على قاعدة "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد."
لقد حصلت هُوة في المجتمع العراق بسبب ممارسات نظام صدام ضد الشيعة، وهو بالطبع لم يكن يمثل السُنّة، ويجب أن يساهم الجميع في تجسير هذه الهُوّة عبر الحوار المتواصل لأنه هو جوهر رسالة القرآن الكريم. وعلى هذا فإن الحوار في العراق سيكون نقطة البداية نحو تفاهم أكثر بين السنة والشيعة في مجتمعات أخرى كالسعودية والبحرين وباكستان وأفغانستان، ودول أخرى.
وإذا نجح الحوار في العراق فان أوضاع الشيعة في بلدان أخرى ستتحسن بالتأكيد والعكس صحيح وهو يخشاه عقلاء القوم. أما التعصب فهو قراءة خاطئة للدين السمح، تدل على قلة وعي، وتفضي بالنهاية الى الوقوع في الجريمة وقتل الناس وسفك الدماء.
وهو أيضا مرض يضرب العقل فيجعله جامدا لا يفكر بين العقائد والمعتقدين.
وبما أن الشيعة لا يكفرون احدا، حتى المنتمين الى الفكر الوهابي الذين هم اشد عداوة لهم، فان على العقلاء تفعيل التحرك لتفادي تدهور كبير في العلاقة الطائفية داخل العراق وخارجه. نجاح محمد علي