نساء مصر وبلطجية الحزب الوطني

بقلم: هشام القروي

ما هذا الذي يحدث في "أم الدنيا"؟ هل وصل الأمر حد هتك الأعراض في الشوارع من طرف بلطجية الحزب الحاكم؟ حتى ادارة بوش، اضطرت لتسجيل موقف احتجاجي مدين لما جرى، في حين أن مصر تتلقى أهم معوناتها الاقتصادية من الولايات المتحدة. فالبيت الابيض شجب الاعتداءات التي استهدفت متظاهرين في مصر. وقال المتحدث باسم البيت الابيض سكوت ماكليلان "لا يمكن ايجاد اعذار للاعتداءات التي استهدفت متظاهرين يسيرون بهدوء". واضاف "يجب توقيف ومحاكمة كل شخص يعتدي على متظاهرين مسالمين (...) فحرية المعارضة في التجمع وانتقاد من هم في السلطة أمر مهم عندما يتعلق الامر باجراء انتخابات حرة". وخلافا للعادة التي تقتضيها الأعراف الدبلوماسية خاصة مع الحلفاء، تخلى الرئيس بوش عن تحفظه معبرا عن ضيقه بتصرفات أتباع مبارك، فإذا به يدين مساء الخميس 26-5-2005 اعتداءات الشرطة المصرية على المتظاهرين خلال الاستفتاء على التعديل الدستوري. قال بوش خلال مؤتمره الصحافي المشترك مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في البيت الابيض ان "فكرة ان يتعرض اشخاص يتظاهرون من اجل التعبير عن وجهة نظرهم وعن معارضتهم للحكومة للضرب، لا تتناسب مع الطريقة التي يجب ان تعمل بموجبها الديموقراطية برأينا"، واضاف "ليست هذه الطريقة المناسبة لاجراء انتخابات حرة".
وقد توالت الادانات في الحقيقة من أطراف عديدة، سياسية وحقوقية. فمنظمة "هيومان رايتس ووتش" طالبت في بيان أوردته وكالة الأنباء الفرنسية "الرئيس المصري بتشكيل لجنة مستقلة لاجراء تحقيق عميق في هذه الهجمات"، واكدت ان "لجنة التحقيق يجب ان تتحرى خصوصا عن الدور الذي قام به وزير الداخلية حبيب العادلي في هذه القضية".
وقد أصدرت رابطة الأمهات المصريات بيانا يوم السبت الماضي قالت فيه أنه "فى يوم 25 مايو - يوم الاستفتاء - تعرضت النساء والفتيات المشاركات في مظاهرات سلمية تطالب بالديمقراطية في القاهرة أمام نقابة الصحفيين للتحرش والانتهاك الجنسي في الشارع وعلى رؤوس الملأ على يد بسطاء مأجورين من بلطجية الحزب الوطني وتحت إشراف من لواءات وزارة الداخلية. وقد قررنا نحن الأمهات المصريات اللاتي يحلمن بمستقبل أفضل للوطن وحياة أفضل لأولادنا أن ندعو الشعب المصري كله يوم الأربعاء القادم ا يونيو إلى الخروج من منازلهم كالمعتاد لكن وهم يلبسون السواد، في طريقهم مثل كل يوم إلى مصالحهم وأماكن عملهم أو قضاء حوائجهم اليومية، كل مواطن يستنكر ما حدث ولا يقبله مسئول أمام الله حتى لو لم يكن ناشطا سياسيا أو لا يهتم بالعمل العام، ندعوه فقط للخروج في هذا اليوم من بيته ليوم عادي لكن مرتدياً اللون الأسود.. وأن يخبر من حوله ويدعوهم ويشرح لهم أهمية هذا الاحتجاج العام الرمزي..."
والواقع أن هناك مبادرتين منفصلتين أطلقتهما سيدات مصريات، الأولى تدعو المواطنين إلى ارتداء ملابس سوداء والأخرى تدعو إلى وضع شارات بيضاء يوم الأربعاء 1 جوان/حزيران احتجاجا على الاعتداءات.وأطلقت "حركة الشارات البيضاء" ثلاث سيدات هن غادة شهبندر- وهي مدرسة وعضوة في حركة كفاية التي دعت إلى تظاهرة الأربعاء- وإحدى مذيعات التلفزيون وربة منزل.
وكانت نقابة الصحفيين المصريين طالبت السبت بإقالة وزير الداخلية حبيب العادلي، بعد أن تناقلت وكالات الانباء روايات عن ناشطات مصريات وصحفيات عدة تعرضن لاعتداءات وتحرشات من قبل أنصار الحزب الوطني الحاكم أثناء تظاهرات احتجاج على مضمون التعديل الدستوري يوم الأربعاء الماضي. وأثارت الهجمات التي صورتها كاميرات محطات التلفزيون احتجاجات دولية وألقت بظلالها على التعديل الدستوري الذي كان الرئيس المصري حسني مبارك وحزبه يقدمانه كمؤشر قوى على رغبتهما في الإصلاح السياسي. واتهمت صحيفة العربي الناطقة باسم الحزب الناصري في عنوانها الرئيسي اليوم الاثنين الشرطة بأنها كانت "في خدمة هتك عرض المصريات" وكتبت في عنوانها الرئيسي "نطالب الرئيس مبارك بالاعتذار للشعب المصري".
وكانت الحكومة المصرية، التي تتعرض لضغوط داخلية ودولية من أجل إجراء إصلاحات ديموقراطية، نظمت استفتاء على تعديل دستوري يتيح إجراء الانتخابات الرئاسية بين أكثر من مرشح لأول مرة في تاريخ مصر. واعترضت المعارضة على هذا التعديل (الذي اقر بأغلبية تقارب 83% حسب وزارة الداخلية) مؤكدة انه يتضمن شروطا "تعجيزية ومانعة". وأيا كانت نتائج هذا الاستفتاء، فإن المشروع الاصلاحي المصري برمته الآن محاط بالريبة. فالسؤال هو: في وضع نزاعي بين أطراف سياسية، هل تستطيع حكومة مدانة شعبيا وتفتقر الى الشرعية أن تكون الحكم وتقود عملية الاصلاح الديمقراطي؟ هشام القروي