المصدق يغوص في فلسفة يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت النقدية

باريس - من هشام القروي
مقومات العقل المولد للحداثة وانتقاداته لها

صدر حديثا –2005- عن المركز الثقافي العربي ببيروت والدار البيضاء كتاب "يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت. النظرية النقدية التواصلية" للباحث الجامعي حسن المصدق. كتاب جد متميز وذو إضافة نوعية للمكتبة العربية. ولا شك أنه سيطرح نقاشا واسعا بين المثقفين العرب لأنه ينطلق من توجهات نظرية نقدية تعيد النظر في العديد المسلمات التي يعج بها الفكر العربي المعاصر قلبا وقالبا من قبل "الذات" و"الوعي" و"الحقيقة" ومفاهيم "الجماعة" و"المجتمع" و"الدولة" و"الأمة" و"الديموقراطية التمثيلية" و"الحرية" و"الطبقة" و ما إلى ذلك من المفاهيم والمصطلحات التي تمثلها هذا الفكر نسخا أو مسخا.
يطرح الفصل الأول مشروع النظرية النقدية الاجتماعية كما حاول الرعيل الأول من مدرسة فرانكفورت بناء أسسها ومناهجها وقضاياها النظرية والميدانية، بحيث يتخلله عرض تاريخي للتعريف بالمدرسة وأبرز الإشكالات النظرية التي صاغها روادها سواء في ألمانيا (1922-1934) أو أثناء رحيلهم القسري إلى الولايات المتحدة فرارا من النازية (1934- 1950). أو بعد عودتهم التي صادفت الإقلاع الألماني الباهر (1950- 1973)، والتي التفتوا فيها بجدية لنشر وتأسيس علم الاجتماع والفلسفة وعلم النفس في الجامعة الألمانية لتحرير الذات الألمانية من العصاب والتطرف والتعصب الذي عاش الشعب الألماني ويلاته من خلال النازية، دون أن يغفل في ذلك العقبات والعراقيل والشكوك التي اعترضتهم أحيانا في مسعاهم هذا، وما تخلله من إعادة النظر في الأدوات والمناهج والأساليب التي تبنوها كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
ففي معرض هذا الطريق المحفوف بالصعاب والتقلبات العالمية المتسارعة والعنيفة... لا يغفل الباحث من ناحية النقد الذي وجهته المدرسة للنزعة العلموية التجريبية وفلسفة الوعي بشقيها الليبرالي والاشتراكي، ثم كذلك الانتقادات التي وجِّهت لها سواء من داخل المدرسة أو خارجها.
ولقد خص المفكر العربي برهان غليون الكتاب بتقديم اعتبر فيه الكتاب من أبرز المساهمات وأهم ما كتب عن الفلسفة الاجتماعية والعقلانية النقدية الألمانية الحديثة، وهذا الحكم له صدقيته وما يبرره على أكثر من صعيد، بحيث نذر الباحث جهودا كبيرة لتقريب أسس المدرسة في صياغتها الأولى أو الثانية من القارئ العربي. بل وضع الأفكار والرؤى النظرية والمفاهيم في سياقها التاريخي والمراحل التي قطعتها المدرسة؛ ليتجاوز بعد ذلك العرض الوصفي للأفكار إلى طرح العديد من الإشكاليات والمفاهيم التي يقول عنها برهان غليون: فهي مفاهيم ضرورية أيضا للتقدم في صوغ أي رؤية نقدية لمشاريع الإصلاح العربية التي لا تزال تنتظر النور (ص:9).
ولعل الحوارات الممتعة والنقاشات المتتالية التي جمعت بينه وبين الفيلسوف يورغن هابرماس زعيم الجيل الثاني من المدرسة أكثر من مرة، أتاحت له الوقوف عن كثب على الانتقادات التي وجهها الجيل الثاني لجيل الرواد والتعرف عن قرب على جملة المراجعات النظرية والانتقادات التي أعادت بناءها وفق أسس جديدة.
كثيرة هي الأشياء والقضايا التي يتعرض لها الباحث في مسيرة المدرسة الطويلة (1923- 2005)، سيما منها أبرز المحاور التي تهم الإنسان الحديث: الفرد والسيطرة، أزمة الفرد ووهم الحرية، تعطيل العقل النقدي وآثاره على الجسد والروح، عراقيل التمدن، كيفية التحرر من قبضة المؤسسات التي تمسخ الروح والجوهر الإنساني. لينتهي بجرد الآثار والتداعيات السلبية للفلسفة الوضعية بطريقة مبوبة ومحكمة.
وبإيجاز شديد، أثار الباحث بطريقة موضوعية جملة من المحاور الأساسية في كل فترة هامة من مسيرتها، فأفكار الجيل الأول (هوركهيمر، أدورنو، ماركوزه، إريك فروم...) وإن تفرقت بها السبل بين حلم الثورة وواقعية الإصلاح، اشتركت قاب قوسين أو أدنى في نقد كل ضروب التسلط والهيمنة من أي حدب أو صوب أتت، والوقوف في وجه التعصب والتطرف الأعمى، فأبحاثها الاجتماعية تأمل الكشف عن مصادر الاستلاب والتشيؤ والصنمية التي تكبل جميع مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية.
لقد وقفت ضد كل مظاهر التسييج والخنق الذي قد يمارسه العقل الأدواتي المادي الصرف. فتم رفع شعار الاستقلالية في مواجهة إرادة القوة، سواء مثلتها الدولة أو الحزب كمؤسستين مهيمنتين، بخاصة في وجه موظفي الجدلية من جهة وموظفي الاستغلال البشع ومصاصي الدماء من جهة أخرى وعلى حد سواء. ثم ناهضت الميتافيزيقا بدعوى ضرورة الانخراط في التاريخ. ولعل الدرس الذي يحاول الباحث استخلاصه يتمثل في الوقوف على مكامن الاعوجاج والقصور في التجربة الغربية مع الحداثة، ثم الدروس التي يجب أن يعيها المواطن العربي في بنائه لحداثته دون تكرار نفس التجربة بأخطائها وعلاتها.
بالإضافة، ما زال حلم النظرية النقدية في تفجير أوهام الذات العدمية والذات المتعالية والكليانية التوتاليتارية يحتفظ براهنيته، بل ما زال يصدح في الآفاق ويثير من حوله الانتباه ويشد إليه الأنظار لكونها أثارت قبل الأوان أزمة الفكر الاشتراكي في الوقت الذي كان الجميع يؤمن بأن يوم الخلاص قريب، خاصة عندما اعتبرت أن التاريخ لا يتنفس برئة البروليتاريا ورئة الحزب الواحد ووجهت انتقادات حادة لمن "حنطوا الماركسية كمومياء في المتاحف وجعلوها في خدمة 'أمراء' الأحزاب البروليتارية".
بالمقابل وفي ذات الوقت وقف رواد المدرسة على حدي نقيض مع الفكر الليبرالي والرأسمالية ومقولة "الحق ما نفع" التي تجرد الإنسان من آدميته لتلقي به في غمرة الإشهار والحاجات المزيفة والنزعة الاستهلاكية المحمومة، مما أوقع الإنسان الحديث في خواء روحي قاتم ومهاوي اللذة العابرة ومعابر التسلية الرخيصة، التي جعلت منه روحا خاوية.
والنقد في عرف النظرية النقدية التواصلية ليس هدفه نقض نظرية أو نظريات أخرى، على نحو يشفع لها بأن تحل محلها. بل لا تعتبر فرضياتها نظرية النظريات أو مؤسسة معرفية في خدمة المؤسسات القائمة أو سلطة بذاتها، لأنها على النقيض من ذلك. فمفهوم الحياة السعيدة في نظرها غير موجود والأيديولوجيات التي حبلت بها فلسفة التاريخ من عصر النهضة حتى الآن مجرد حكايا وقصص وسرديات بشرت بالجنة الموعودة على أديم الأرض. لكن الشقاء والبؤس والتوترات الحادة هي الصفات البادية في عالم اليوم.
غير إنها في كل ذلك، ما زالت تؤمن بقدرة العقل والعقلانية أن يزيحا غشاوة إيديولوجيا الاستهلاك الحرنة وإنقاذ رجال ونساء الحداثة من براثين التوترات الحادة والأمراض العصابية التي يعانون منها.
فباسم العقل والعقلانية التواصلية تنتقد مفاهيم الحقيقة والعقلانية الأداتية الحسابية السائدين في الفكر الغربي، فالعقل استحال تنينا يحرق الأخضر واليابس، والحقيقة أصبحت تارة حبيسة الذات وتارة حبيسة الطبقة... وبين هذا وذاك يتلحف الإنسان بالوثوقية الصماء والإيمان الأعمى. وبالتالي فهي تسير في الاتجاه المعاكس الذي ينتقد حقيقة المفرد ذاتا كانت أو طبقة، بل تعتبرهما غير قادرين على تجاوز العقبات وتحطيم سوار الإكراهات، فلا الذات ولا الطبقة بقادرين على تجاوز التاريخ والحلول مكانه.
فليس بوسع الذات ولا الجماعة بلورة حقيقة كاملة وشاملة ونهائية ومانعة لا يلفها الباطل من أمامها أو خلفها.
وإذا انتقد الباحث مفهوم الحقيقة كما ظهر في الفكر المعاصر، فهو ينتقد من المنظور نفسه مفهوم الحرية لا كما تصوره عصر الأنوار نظريا بل كما مورس وطبقته العباد والبلاد. إذ يقدم من منظوره كمختص في أنظمة الفكر المعاصر رؤية تركيبية ثاقبة تساعد القارئ على تمثل العقلانية التواصلية النقدية تمثلا صحيحا، بحيث يضعه مباشرة في صلب الموضوع، فالحرية كما تصورتها الليبرالية والاشتراكية - عمادتا الفكر الحداثي - تنوء تحت حمل ثقيل لم يعد يستجيب لحياة الإنسان المعاصر.
وقوام هذا النقد الحاد الملاحظة البليغة التالية: "إن أي حرية بصفة عامة تتضمن إشكالية ما قد نختاره ونقبله طوعا وبالرضا أو ما يفرض علينا بحد الإكراه والإجبار"، إلا أن السؤال المركزي الذي يطرحه الباحث لكل من الليبرالية والاشتراكية، "فمن جهة ما هي فائدة الحصول على حق الاختيار إذا لم نكن نتوفر على وسائل تمكننا من تحقيقه؟ ومن جهة أخرى، ما قيمة أن أتوفر على الوسائل بدون أن يكون لي حق الاختيار أو أن يفرض علي اختيار ما؟ فالاشتراكية وقعت يضيف الباحث في مطب التضييق على الحريات وحق الاختيار الفردي بحجة أسبقية الجماعة على الفرد والمساواة في الوسائل بين الأفراد، أما في مجتمع الليبرالية نلاحظ إن حرية الأغلبية ضيقة جدا وهي في متناول من يحظى بالثروة والنفوذ والحرية، ولا يمكن أن نسمي ذلك حرية ما دامت مرتبطة بالأقوياء فحسب".
ولا يعني هذا في نظره مقدمة للبكاء على الأيام الخوالي وتوسلا أو استجداء للماضي أو رثاء أطلاله على شاكلة "قفا نبك..."، وانما هو يقطع مع أي محاولة للتعلق بأهداب فكر ماضوي أو تقليدي، بل تراه يقدم نقدا حادا للذات التقليدية ومنظوماتها القيمية والرمزية التقليدية، ان لم يستنكر رؤيتها الرومانسية العتيقة والحالمة للإنسان والكون.
فذلك في نظره لا ينسجم مع توجهات مدرسة التواصل النقدية، لأنها حداثية ولو قامت بنقد الحداثة من داخلها، فلا حضور للماضي في الحاضر من دون تأويل، تأويل يميز بالطبع بين الماضي والحاضر.. لأنه كزمن يعتبر منتهيا. فالتأويل عريق وضارب الجذور في القدم، والإنسان حيوان تأويل بامتياز. إذ لا يمكن إعادة الماضي ولو رغبنا ذلك، فنحن لا نستطيع إلغاء الحاضر وإكراهاته ومتطلباته.
مرد ذلك على المستوى الاجتماعي إن قيم الماضي تعاني الأمرين .. فلا هي استطاعت أن تقف في وجه تداعيات التحديث الجموح والحرن بعلاته، ولا الحفاظ على الذات التقليدية كما كانت.. بل سقطت إما صريعة إيديولوجيا الاستهلاك الرعناء، وإما في أيديولوجيا التطرف كرد سلبي عن آفات الحداثة التي لفظتها بعد أن تيقن المهمشون ودعاة تمجيد الذات بصعوبة أ ن يجدوا مكانا محترما ..
نحن "أمام إنسان موزع بين قيم فقدت زمنها وحاضر متضارب لا يستطيع بلورة قيم تناسبه"، وبين هذا وذاك يقول أدورنو: لقد دخلنا عصر الأمركة: "وليس هناك بشرى نزفها لهذا العصر الذي لن يكون بالضرورة عصرا ذهبيا" بحيث "لم تعد ذرة أخلاق" كما يذكر في كتابه الكبير. والنقاوة الأخلاقية في منظور هابرماس وفق هذا العصر لن تقوم بدورها مقام الشروط الحقيقية للتغيير السياسي والعمراني والثقافي والاجتماعي والاقتصادي السليم.
كل هذه القضايا والمعطيات مؤشر ضروري في نظر هابرماس لاعتماد فلسفة التوافق وما يقابلها من الاعتراف بين "أنا، أنت"، إذا ابتغى الإنسان الخروج من غمرة اللغط والإقصاء والعنف. بيد إن السبيل إلى ذلك يمر عبر اعتماد سلطة العقل والبرهان والمحاججة، ومن دون منظور تلك الحقيقة التي تقصي الآخرين وتحرمهم من إبداء رأيهم أو الدفاع عن مواقفهم.. أو تكبلهم بمنطق القوة والاستبداد والخوف والهيمنة.
وبهذا يستعرض الباحث قوام هذه الفلسفة الجديدة ذات الرؤية اللغوية المنطقية التواصلية، بحيث يستعرض الأسس الكفيلة والمساطر الإجرائية التي تضع الإواليات لتطبيق وتحقيق ذلك. غير إن ذلك يتخلله نقد حاد للمنظور السائد الذي يعتبر اللغة مرآة الواقع أو انعكاسا له أو اعتبار الفكر صورة للواقع.
فنظرية اللغة "كانعكاس للواقع ولدت تصورا اجتماعيا يقول بالتمثيلية وبالتشبيهية للممارسات الاجتماعية" وهذا ما ينتقده الباحث بشدة في كتابه.
فما يهم في هذا الباب: "لا تسأل عن المعنى واسأل عن الاستعمال". لأن الكلام واللغة عبارة عن مجرات متعددة لاستعمالات متفرقة.. والكلمات بهذا المعنى محض أدوات، يستعملها كل منا تبعا لأغراضه وبالشكل الذي يراه.. ليس هناك من معنى قار يتفق عليه الجميع.. حتى يمكن أن نقر بمعنى واحد ووحيد، بل ادعاء ذلك ضرب من الهذيان. فما يهم في فلسفة التواصل كيف يتحقق الفعل اللغوي في عملية إنجاز، لأن ذلك له صلة بما يجري في عالم الناس.. فالفعل اللغوي مهم في الفعل الاجتماعي، واللغة بهذا المعنى ليست تعبيرا عن الصراع بل هي أحد تجليات هذا الصراع.. فاللغة كالمال والسلاح أو على قوتهما أو أكبر في نظر الباحث.
يقوم الباحث من خلال ذلك بعرض أنموذج التواصل الجديد وأهميته في عصر الطفرة التكنومعلوماتية، بحيث أصبح التواصل ما يميز هذا العصر بامتياز.. فهو عصر الوسائط الاتصالية والأنظمة الرقمية.. ولا مكان فيه لمن سيتخلف عن الركب بعدم امتطائه قاطرة العلم والمعرفة التي تجره. فسلطة المعرفة أصبحت معرفة للسلطة والهيمنة في العالم في عصر العولمة.
أما على المستوى السياسي، فإن الباحث يثير في الجزء الثاني من كتابه أزمة الدولة ـ الوطنية وما يحفها من أخطار في عصر العولمة، بحيث يحاول رصد مظاهر الأزمة التي يتخبط فيها الفكر السياسي العربي، فلا التحديث أنتج حداثة ولا الدولة استطاعت تحديث الأمة. و يعتمد في هذا الباب قراءة جديدة لأعمال هابرماس السياسية من حيث استعراض تجربة بناء الاتحاد الأوروبي، والإشكالية التي يتضمنها هذا الجزء ضمنيا تحاول الإجابة عن سؤال يتعلق بأسباب نجاح دول أوروبا في إقامة كيانهم السياسي القوي على الرغم من اختلاف الأديان واللغات وهويات الشعوب المكونة له، في الوقت الذي كان ينتظر من الدول العربية أن تحقق شكلا من أشكال الاندماج والتكتل والتوحيد، لا سيما أن عوامل مثل اللغة والدين والجغرافيا والثقافة ووحدة المصالح كلها تساعد على ذلك.
سؤال يؤرق بال رجال السياسة والعامة على حد سواء، بيد أن الباحث يقدم مراجعة نقدية للفكر القومي والحركي الإسلامي ويعتبر إن العناصر التي تم اعتبارها في الفكر العربي المعاصر لا محيد عنها في بناء الوحدة العربية تم تجاوزها ويجب مراجعتها بعد أن فشلت فشلا ذريعا.
فعناصر اللغة والدين والثقافة عناصر لم يتم التنصيص عليها في بناء الوحدة الأوروبية، إذ لا نجد أدنى إشارة للمسيحية في ديباجة الدستور المعروض على التصويت. فقوام الوحدة في عصر ما بعد الدولة الوطنية والتجمعات الإقليمية والجهوية الكبرى يتجاوز بكثير عناصر الهوية والجماعة، وغاية الدستور الأوروبي أن لا يفاضل بينها أو أن يقصي أحدا منها... كما يرى الباحث.
وللخروج من هذا المأزق ومنعا للتطاحن وتصاعد المطالب اللغوية والإثنية والطائفية في العالم العربي، يقدم الباحث رؤية جديدة تحول دون مضاعفات تهدد الوحدة الوطنية وتعصف بمقومات المجتمع. فالعناصر التالية كالدين واللغة والثقافة... يجب أن تكون في عهدة الجماعة والقيمين عليها لا في عهدة الدولة، لأن الفكر السياسي المعاصر لا يقبل أن تنشأ الدولة حسب مقومات الجماعة بل بحسب مقومات المجتمع السياسي الحديث: المساواة والاستقلالية.
وهذان المبدآن هما اللذان يوجهان المجتمع السياسي الحديث، كمجتمع بمواصفات متعددة ومتضاربة في مصالحه ومنطلقاته الفكرية والذوقية والجمالية والأخلاقية، بحيث تسهر فيه الدولة على تنظيم المصالح والسهر على أمن وأمان المواطنين ورعاية شؤونهم. لأنها ملك الجميع لا تفاضل بين معتقدات مواطنيها أو لغاتهم ومذاهبهم بقدر ما تحفظ حق أي واحد منهم في التمتع بذلك.
وأخيرا وليس آخرا، يحاور هذا الكتاب النظرية النقدية التواصلية كما شكلتها مدرسة فرانكفورت الثانية وكما دافع عنها كل من يورغن هابرماس أبرز فيلسوف في نهاية هذا القرن وكارل أتو أبل شيخ الفلاسفة الألمان. وهي محاولة علمية محكمة البناء يكتشف معها القارئ النظر في مقومات العقل المولد للحداثة وانتقاداته لها. هشام القروي