في العراق: دستور جديد على اساس قنون الدولة لصاحبيه فيلدمان وبريمر

بقلم: سمير عبيد

جاءت حكومة الدكتور الجعفري بعد مخاض عسير جدا، حيث لازال المولود في شعبة (الخُدّج) يعاني من صعوبة التنفس وعدم اكتمال الأعضاء، حيث عدم اكتمال النصاب الحكومي لحد هذه اللحظة، وغياب روح الفريق الواحد، ناهيك عن الحساسية الموجودة بين أعضاء الحكومة، وداخل ما يسمى بالجمعية الوطنية في العراق.
فالدم أصبح أنهارا، والشارع أصبح مسلخا، والعمليات العسكرية ضد المدن والناس العزّل أصبحت حالة قائمة وتنتقل من مدينة إلى أخرى، والشد والجذب والوعيد والترهيب لا زال مستمرا داخل الحكومة والجمعية، كما إن عمليات التصفيات المذهبية والحزبية أصبحت بوتيرة تنذر بالكارثة، والحقيقة لا ندري هل هو ضعف من حكومة السيد الجعفري، أم إن هناك أطرافا تريد حرق الجعفري وجماعته، وبالتالي تريد إنهاء مجموعات الائتلاف ومن ورائها والعودة إلى الوجوه الأخرى التي ربما ستُطعّم بوجوه جديدة؟
من يرصد الزمن الحالي، والمستقبل القريب والمقبل سيرى أن حكومة السيد الجعفري مقبلة على مواضيع ساخنة ومعقدة جدا، ومن يعتقد أن المواضيع القادمة هي كالمواضيع السابقة، والتي قفز عليها مجلس الحكم سيء الصيت والحكومة المؤقتة الأسوأ صيتا فهو واهم جدا وساذج سياسيا، لأن المرحلة المقبلة معقدة وفيها خطورة كبيرة على مستقبل العراق والشعب العراقي، خصوصا عندما يحصل الانحراف أو الاستهزاء بها، أو القفز عليها كما فعلوا في السابق، حيث ستكون الاستحقاقات كبيرة، وعلى مستوى الوطن والشعب.
ومن المواضيع المعقدة جدا هي مسألة كتابة الدستور العراقي المقبل، والذي للآن هناك تسويف وتقسيط في عملية إنضاج اللجان الخاصة به، ويبدو كالتقسيط الذي جاءت به حكومة السيد الجعفري، كما هناك عملية تعتيم متعمّدة من قبل الحكومة والجمعية العراقية وحتى من قبل قوات الاحتلال حول هذا الموضوع، حيث ليست هناك رؤى واضحة من قبل الجميع، وكأن المسألة ما هي إلا عملية تكرار (كوبي ــ استنساخ) لما حدث أبان مجلس الحكم عام 2003، عندما جيء بقانون الدولة العراقية الذي كتبه الإسرائيلي نوح فليدمان بنسخته الإنجليزية من واشنطن، حيث تمت ترجمته في بغداد حسب أقوال السيد أحمد الجلبي في لقاء مع صحيفة الحياة اللندنية العام الماضي 2004، وبشهادة من السيد محمود عثمان لإذاعة لندن بي بي سي، حيث قال وأيده البعض في ذلك "كان لدى ــ بول بريمرــ مجلس حكم احتياطي بحيث العضو الذي يعترض أو يرفض التوقيع يتم استبداله فورا بعضو من الفريق الاحتياطي الذي كان جاهزا لدى بريمر"، حيث كان أعضاء مجلس الحكم عبيدا، أو مستخدمين لدى بول بريمر حيث قال السيد محمد بحر العلوم "كان يعاملنا بقسوة وخشونة ولو كان قادرا لمنع عنّا حتى الماء والهواء لفعل"، فلا ندري هل جاءت كونوليزا رايس وزميلها زوليك بنسخة الدستور الإنجليزية، مثلما فعلوا في السابق حيث جاءوا بقانون الدولة العراقية، فكل شيء جائز في عراق يحكمه المحتل الأميركي ومعه الأذناب العراقية التي رضت بالاحتلال مقابل إمتيازات سياسية مادية وشخصية وعائلية!
لذا فالقضية ومن خلال بوادرها واللغط الدائر حولها ستتكرر هذه الأيام والأيام المقبلة حتما، حيث كل الذي يتبجح أن كتابة الدستور ستكون بيد أعضاء الجمعية الوطنية وحكومة الجعفري فقط، فهو يكذب على الشعب العراقي وعلى نفسه، ولقد حسمها رئيس ما يسمى بالجمعية الوطنية السيد حاجم الحسني وقال "إن كتابة الدستور القادم سيكون حسب ما جاء في قانون الدولة العراقية الذي وقعه بول بريمر" فهل بقي مجالا للنفاق والمزايدات السياسية التي نسمعها من المتفلسفين والمراهقين السياسيين هذه الأيام؟
فلنعود إلى فقرة رقم (60) والتي جاءت في قانون إدارة الدولة حيث تنص "على الجمعية الوطنية كتابة مسودة للدستور الدائم للعراق، وستقوم هذه الجمعية بأداء هذه المسؤولية بطرق منها تشجيع المناقشات بشأن الدستور بواسطة اجتماعات عامة علنية ودورية في كل أنحاء العراق وعبر وسائل الإعلام، وتسلّم المقترحات من مواطني العراق أثناء قيامها بعملية كتابة الدستور."
فلننظر لهذه الفقرة من الناحية السياسية والقانونية، فالفقرة تأمر وتحصر كتابة الدستور من قبل الجمعية الوطنية، ولو نظرنا لهذه الجمعية فلم نر هناك انسجاما في الطرح السياسي والدستوري والقانوني وحتى الوطني، وليس هناك التمثيل الذي يمثل النسيج العراقي، بل هناك هيمنة من قبل فئات معينة، وداخل بعض هذه الفئات هناك مجموعات تنظر للعراق النظرة الثانوية، حيث لها ولاءات خارجية مطلقة من ناحية الأداء السياسي والانتماء القومي والعقائدي، وحتى لو عدنا لخلفية مجيء هذه الجمعية فنجده جاء بأوامر أميركية، وحسب قانون الدولة العراقية نفسه، أي تم رسم هيكلية الجمعية سلفا.
كما تنص الفقرة أن يكون هناك تشجيعا للمناقشات بشأن الدستور، وهذا لم يحدث بل الذي يتكلم بغير ما يريدون هم، سيتعرض للإساءة والقذف والتسقيط السياسي وحتى الاغتيال ــ وحصل مع كاتب المقال حيث تهجم عليه البعض عبر قناة أبو ظبي الفضائية في 8/5/2005 وبشكل لا أخلاقي، لأنه أعطى وجهة نظر مختلفة عن ما تريده مجموعات الاحتلال وإيران داخل الجمعية الوطنية.
كما تنص الفقرة أن تكون هناك اجتماعات (علنية ودورية) في كل أنحاء العراق وعبر وسائل الإعلام، كيف تحدث الاجتماعات وهناك تطبيقا لــ "قانون الطوارئ" في العراق، وهناك عمليات اعتقالات عشوائية ناهيك عن عمليات الاغتيالات المستمرة في الشوارع والمساجد، وهناك منع للجلسات والاجتماعات والتجمعات، وهو ينافي ما جاء في الفقرة (60) من قانون الدولة العراقية.
وهذا يعطينا مؤشر حقيقي أن تصعيد العمليات الانتحارية والاغتيالات المستمرة ما هي إلا وسيلة كي لا يُطبق ما جاء في الفقرة (60)، وحتى وسائل الإعلام أصبحت مجيرة للأحزاب والحركات التي هي في المنطقة الخضراء، وهناك فضائيات ناطقة باسم الأحزاب والحركات وبعض المراجع السياسية والدينية التي تداهن الاحتلال، فأين سيتكلم من يريد أن يطرح فكره أو تصويب أو اعتراض أو تنويه مغاير لما يريدون هم؟
فلم يبق لهذه الشرائح الوطنية إلا مواقع الانترنت كي تمرر من خلالها الانتقادات والتحذيرات حتى الاقتراحات، فقامت الحكومة الانتقالية وبعض الأحزاب والحركات، وكذلك بعض الشخصيات داخل ما يسمى بالجمعية الوطنية بتجنيد بعض المواقع الرخيصة والطائفية منها، وتجنيد مجموعات من أنصاف أرباع الكتّاب العاطلين عن العمل و الذين يجلسون في المكاتب الاجتماعية في أوربا، أو يجلسون في صالات القمار كي يكتبوا ويشتموا ويسقطّوا بهؤلاء الوطنيين وهذه الشرائح الوطنية، وبجميع المواقع الالكترونية التي تنشر الأفكار المغايرة لأفكارهم الملقنة من أسيادهم.
أما مسألة إيصال المقترحات من المواطنين إلى الجمعية الوطنية والتي تنص عليه الفقرة (60) من قانون الدولة العراقية، فهذا بحد ذاته ضربا من الخيال والمجازفة، حيث هؤلاء (أعضاء الجمعية الوطنية) عبارة عن دبابير في حدائق السلطان، لا يستطيعوا الخروج من سور حديقة السلطان الأميركي، وهي المنطقة الخضراء وحديقة السفارة الأميركية، وليست هناك صلة أو حوار بين المواطن العراقي وأعضاء الحكومة أو أعضاء الجمعية الوطنية إلا ما ندر ( فربما الأمر في المنطقة الشمالية مختلف).
وحتى إن كثير من أعضاء الجمعية الوطنية ليست لهم أي سلطات أو حصانة أو تأثير مقابل أبسط جندي أميركي، ألا سمعتم كيف بُطح أحد أعضاء الجمعية الوطنية أرضا من قبل أحد الجنود الأميركان قبل أسابيع وأمام أنظار الجميع، وعاد باكيا أمامهم دون أن يفعل أعضاء الجمعية شيئا له، وهل نسيتم كيف بُطح وزير الدولة في حكومة علاوي (عدنان الجنابي) أرضا من قبل أحد جنود الاحتلال قبل أشهر، ووضع الحذاء على رقبته أمام بوابة المنطقة الخضراء ولمدة 30 دقيقة، وأمام أنظار الجميع ودون أن يحركوا ساكنا، لا أعضاء الجمعية ولا حتى رئيسه علاوي؟
كيف يوصل المواطن اقتراحه إلى أعضاء الجمعية والحكومة، وهناك الموانع الكونكيرتية التي شوهت معالم بغداد كلها، وهناك الحراسات المشددة من قبل الأميركان وأعضاء المليشيات الحزبية، كيف يوصل المواطن اقتراحه إلى هؤلاء وهو أساسا يحتقر (معظمهم) ولا يحترمهم إطلاقا، ويعرف حقيقة معظمهم ما هم إلا أداة من أدوات الاحتلال وهمهم الوحيد الكسب المادي والوظيفي وبسط النفوذ، وشراء القصور والأراضي داخل وخارج العراق، والتفرج على الماكينة العسكرية الأميركية وهي تنتهك حقوق الإنسان العراقي كل لحظة، وهناك الماكينة العسكرية التي تنتهك الحرمات وتزهق الأرواح البريئة في المدن العراقية وتحت كذبة الزرقاوي وما يسمى بالإرهاب بل أصبح هؤلاء يتسابقون على رضى قوات الاحتلال ويتسابقون على طرح التصريح الذي يقول "نطالب ببقاء قوات الاحتلال في العراق!"

إن ما يحدث في العراق مأساة وطنية وقانونية وشرعية وأخلاقية وعلى جميع المستويات، ومن يتكلم عكس ذلك أما عميل أو مرتزق، أو مستفيد من الوضع الحالي، أو يتستر ويداهن كي لا يُكشف ماضيه السيئ، أو كي ينال عطيّة أو وظيفة ما، أو هو بلا كرامة وساذج سياسيا ووطنيا، أو أنه من أصول غير عراقية فيتشفى بالعراق والعراقيين ويطالب بالمزيد!
إن من يسكت عن قول الحق فهو شطان أخرس، والحق يقول لا يجوز أن يُكتب الدستور بهذه الطريقة إطلاقا، ولا يجوز كتابة الدستور بهذه الظروف القاسية التي يمر بها العراق، فكيف يُكتب دستورا دائما بتسعة أسابيع وبظل الاحتلال، أين حدث هذا؟.
فالدستور ليست ورقة عادية أو قانون عادي يحكيه صدام حسين فيكتبه مرافقه، فيكون قانونا في اليوم التالي، إنه عهد وعقد، وقانون وحقوق وسلطات، وضمان لحقوق الوطن والمواطن، فالدستور وثيقة مطهرة لا يجوز إطلاقا القفز عليها أو كتابتها من قبل مجموعات منعزلة عن الشعب، كذلك لا يجوز كتابة الدستور وهناك خلافات سياسية واجتماعية أخذت تتفشى بشكل مريع في العراق، بحيث ولدت الانقسامات المناطقية والطائفية وحتى ربما القبلية.
لذا لابد من مؤتمرات دستورية تجوب مدن العراق، لتعريف المواطن العراقي بثقافة وبنود ومعنى الدستور، هذا المواطن الذي كان مقموعا طيلة 35 عاما بدستور مؤقت، وقبلها كان مقموعا بدساتير ثورية مزاجية، حيث لا يعرف منه المواطن العراقي إلا القرارات التي تصدر في جريدة الثورة التابعة لحزب البعث في العراق، ولا يعرف منه إلا القرارات التي تصدر بجريدة النظام والحزب والتي تسوقه نحو محرقة الحروب والصدامات داخل الوطن.
نعم هناك تخلف في ثقافة الدستور والديموقراطية والتعددية داخل النسيج العراقي، بل هناك أميّة دستورية كبيرة داخل المجتمع العراقي، ولا ننكر هناك وعي لدى بعض الشرائح ولكنها قليلة قياسا اتجاه الأكثرية التي تجهل المغزى من الدستور الدائم، والمغزى من تداول السلطات، والمغزى من فصل السلطات الثلاث، وغيرها من الأمور المهمة، والتي هي حق شرعي ووطني له أن يعرفها ويعطي الرأي بها.
لذا نحذر و يحذر المواطن العراقي جميع الذين يريدون (لفلفة) قضية الدستور لصالح المحتل، ولصالح دول تملي توجيهاتها على بعض أعضاء الجمعية الوطنية مقابل دعمهم وحمايتهم وفتح استثماراتهم داخل تلك الدول، فلا يجوز القفز على هذا الموضوع، ولابد من العمل الجماعي والفوري نحو مؤتمر حوار وطني شامل تحضره جميع الشرائح العراقية من الخارج والداخل، وكذلك تحضره الشرائح السياسية والوطنية الرافضة للاحتلال، و لابد أن تشارك المقاومة العراقية في هذا المؤتمر بصفة الشريك الفاعل، ليصفوا خلافاتهم جميعا مع فتح الزمن لتلك الحوارات والنقاشات حتى النضوج بقرارات صائبة ترسم مستقبل العراق، و على ضوء المصالحة الوطنية، وجدولة الاحتلال، ورسم العلاقة مع الولايات المتحدة، والدول المجاورة للعراق والعالم.
أما الهروب المتبع من الاستحقاقات الوطنية والشعبية والذي مارسته وتمارسه الحكومات المنصبّه من قوات الاحتلال، وكذلك الذي تمارسه الولايات المتحدة في العراق فهذا أمر مرفوض تماما، ويكفي التلاعب بالكلمات والخطب الناعمة، فالمواطن العراقي نفذ صبره وأصبح في حالة يُرثى لها!
كما نحذر من تطبيق قانون الدولة العراقية الذي كتبه الإسرائيلي نوح فليدمان وأيده الحاكم المدني السابق في العراق ــ بول بريمر ــ ليكون أساسا لكتابة الدستور العراقي الدائم، ونذكّر السيد آية الله علي السيستاني بموقفه وبرسالته لمجلس الأمن حول هذا القانون سابقا، كما نذكرهم بتصريحاتهم عندما تحفظوا ثم وقعوا على قانون الدولة العراقية عام 2003، فنريد منهم الشفافية مع الشعب العراقي، لماذا تحفظوا ولماذا وقعوا، وماذا سيعمل هؤلاء الآن، وهناك دلائل ومعلومات من مصادر أوربية تؤكد إن دستور العراق القادم ما هو إلا نسخة معدلة من قانون الدولة العراقية الذي كتبه فليدمان ووقعه بريمر!
ما هو الحل عند الضيق:
نحن نعلم إن المعارضة العراقية عندما كانت في الخارج كتبت 5 دساتير لعراق المستقبل، كما هناك بعض الأكاديميين العراقيين قاموا بكتابة بعض الدساتير، وكلها أخذتها الولايات المتحدة عبر سفاراتها أو بشكل مباشر، وقالت في حينها وعلى لسان المسئولين الأميركان ــ وكاتب المقال يشهد على بعضها ــ "مسألة الدستور نحن من يحدده ولا دخل لكم به"، وعندما أعترض بعض الشرفاء داخل المعارضة العراقية على هذه الأجوبة الأميركية الساذجة والقاسية، رد بعض رجال أميركا في المعارضة العراقية بالقول "لا يهمكم فعندما ندخل العراق ونكون بين الشعب سوف نكون نحن من يقرر هذا"، ولكن للأسف لم يحصل هذا، بل الطامة الكبرى وجدنا كبريات الأحزاب الإسلامية والحزب الشيوعي أول الجالسين في المنطقة الخضراء، ومن ينكر أقوال الأميركان نتحداه في ذلك.
لذا فالحل أما يتم من خلال مزج تلك الدساتير لكي نحصل على دستور ناضج منها، ثم يعرض للاستفتاء الشعبي الحر، ودون استعمال كذبة الرموز الدينية والحزبية كما حصل في الانتخابات السابقة، أو يصار إلى "دستور مؤقت" لحين رحيل الاحتلال، فحينها يُصار إلى مؤتمر دستوري عام يُقرَر من خلاله اللجان التي تكتب الدستور الدائم للعراق. سمير عبيد
كاتب ومحلل سياسي من العراق samiroff@hotmail.com