شبهات حول خطاب التوطين ورفضه!

بقلم: ماجد كيالي

شكل قيام إسرائيل (عام 1948)، نكبة كبيرة وخطيرة للشعب الفلسطيني، إذ نتج عنها اغتصاب حوالي 77 بالمئة من أرضه، وتشريد معظمه (حوالي 800 ألف شخص)، وحرمانه من الوطن والهوية؛ كما أدى ذلك، أيضا، إلى كسر الوحدة المجتمعية لهذا الشعب، وحجز إمكانات تطوره المستقل، بنتيجة تفاوت وتعقد الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي خضع لها، في أماكن تواجده.
هكذا احتلت قضية اللاجئين الفلسطينيين، مكانة مركزية في الصراع ضد المشروع الصهيوني، كونها اختصرت في جوانبها جذور هذا الصراع ورموزه وامتداداته في الزمان والمكان.
لكن وعي اللاجئ الفلسطيني، بهويته واكتشافه لذاته الخاصة، لم يتشكل فقط بفعل النكبة والتشرد والحرمان من الوطن، ولا بسبب المخيمات واجتماع اللاجئين الفلسطينيين فيها فحسب، وإنما تم ذلك عبر مسار تاريخي. فإضافة إلى حدث النكبة وقيام إسرائيل، ربما أن المصدر الأكبر، في تبلور وعي الفلسطيني بخصوصيته وبهويته كلاجئ، جاء من التجربة الشخصية، أي من تعريف الآخرين له، باحتكاكه مع الواقعين الإسرائيلي والعربي، وتعاملهما معه على هذا الأساس.
هكذا فثمة مفارقة خاصة في تجربة اللاجئ الفلسطيني، تجعله يختلف عن كل اللاجئين في بلاد الله الواسعة، وهذه المفارقة لا تتأتّى فقط من طبيعة المشروع الصهيوني، باعتباره مشروعا استيطانيا وإحلاليا، ينكر وجود الفلسطينيين كشعب ويسعى لحرمانهم من حقوقهم السياسية، وإنما تتأتّى، أيضا، من كون الفلسطيني اللاجئ ينتمي إلى أمة عربية مفترضة، وهي مسألة حقيقية من الناحية النظرية، ولكنها لم تجد تمثيلاتها في الناحية العملية/الواقعية، ما يطرح السؤال الإشكالي التالي: كيف يكون العربي (الفلسطيني) لاجئا في أمته ذاتها؟!
حقيقة الأمر أن الفلسطيني اللاجئ عاش في منطقة قلقة أو حرجة، فلم يجر الاعتراف بوضعه كعربي أو تسوية مكانته كسائر مواطني الأقطار العربية، بادعاء رفض التوطين! والأنكى أن تخلّف النظام السياسي العربي لم يتح للفلسطيني اللاجئ التعويض عن حال الاغتراب المتمثلة باللجوء، بالاعتراف بهويته الوطنية (الفلسطينية)، بعد إجهاض مشروعه الكياني الأول الذي أعقب النكبة، والمتمثل بحكومة "عموم فلسطين"؛ الأمر الذي كان يتيح معاملة اللاجئين الفلسطينيين معاملة عادية تساويهم بغيره من المواطنين العرب، الذين يتمتعون بجنسية أقطارهم؛ ما كان يسهم بحفظ خصوصيتهم السياسية ويعزز هويتهم الوطنية.
على ذلك فإن مجرد بقاء مصطلح اللاجئ، واستمرار واقع اللجوء، كرس حالة استلاب غير إنسانية للفلسطينيين اللاجئين، برغم الغلافات السياسية (الوطنية والنضالية) التي حاولت أن تتلبّسها. فما علاقة طمس الهوية، أو وقفها على هوية لاجئ، بوطنية الفلسطينيين؟ وما علاقة بؤس المخيمات المقيم منذ نصف قرن بالحفاظ على القضية الفلسطينية؟! ثم ألا يمكن اعتبار المخيمات المزرية، التي تعتبر دليلا على مدى الجريمة الصهيونية التي ارتكبت بحق الفلسطينيين، دليلا، أيضا، على مدى "كرم" ونوع الضيافة العربية "للاجئ" العربي الفلسطيني، مع معرفتنا أنه ثمة تفاوتات في تعامل النظام العربي مع هذا الملف؟َ!
الملاحظ أنه في معظم الروايات المكتوبة أو الشفوية، التي حاولت سرد وقائع ومسارات نكبة الفلسطينيين، ثمة رواية مسكوت عنها، ولا يتم البوح بها، ضمنها رواية اللجوء، بسبب المحظورات والقيودات والتبعات التي يمكن أن تنشأ عنها، وبسبب الجراح التي يمكن أن تنكأها، في هذا الواقع العربي الجامد والمريض؛ لاسيما أن تراجيديا النكبة واللجوء تعيد إنتاج نفسها سنة بعد سنة ويوما بعد يوم، تحت عسف الاحتلال، وفي حياة اللاجئين البائسة، في المخيمات وفي المعاملات التمييزية، المقصودة وغير المقصودة التي يتعرضون لها، أيضا.
الملاحظ أيضا أن الخطابات التي أخذت على عاتقها الدفاع عن قضية اللاجئين، وعن حقوقهم، ظلت تفتقر للرؤية الشاملة لهذه القضية، إن بسبب عدم نضجها، أو بسبب حرص أصحابها على تجنب الغوص في إشكاليات هذه القضية، بمحرماتها وحساسياتها ولاسيما بسبب مداخلاتها العربية. والواضح أن معظم هذه الخطابات أعادت إنتاج البديهيات من المقولات والشعارات، أكثر من اشتغالها على تحليل وتفكيك أسباب وأبعاد وتعقيدات هذه القضية وتبيّن مداخلاتها، وتعيين ارتباطاتها بالتطورات السياسية والاجتماعية في المنطقة.
وإذا تجاوزنا كيفية تعامل هذه الخطابات مع التعقيدات، المتعلقة بقضية حق العودة للاجئين، فإن هذه الخطابات تبدو جد مقصرة في التعامل مع قضية اللاجئين ومع واقعهم، المتعين في أماكن تواجدهم.
واقع الحال أن النظام العربي، بضعفه وتشتّته وتخلفه، فاقم من مشكلة اللاجئين، من زوايا أخرى، يمكن تمثل أهمها بالجوانب التالية: أولا، بسياساته الفوضوية والمزاجية (وربما بتشجيعه في بعض الحالات) التي أدت إلى تهجير يهود البلدان العربية إلى إسرائيل، بعد قيامها؛ وثانيا، بطمسه الهوية الوطنية والكيانية الفلسطينية التي تمثلت، آنذاك، بحكومة عموم فلسطين؛ ثالثا، بشكل تعامله مع اللاجئين بوصفهم قضية أمنية حينا أو بتوظيفهم سياسيا في خدمة سياسات قطرية حينا أخر؛ رابعا، بتضييقه فرص كفاح اللاجئين من أجل حقوقهم المغتصبة في وطنهم بالطرق القانونية التي يتيحها القانون الدولي للاجئين أو بالطرق التي تتيحها معاهدات حقوق الإنسان للأفراد؛ خامسا، بحؤوله دون امكان قيام الفلسطينيين بتنظيم أنفسهم في جمعيات مدنية أو اتحادات شعبية، تعبر عن هويتهم وعن وحدتهم وعن مطالبهم، في الأماكن التي يقطنون فيها.
معنى ذلك أن الخطاب المتعلق بقضية اللاجئين الفلسطينيين، وإضافة إلى ارتكازه على حق العودة كمشروع نضالي مستقبلي، ينبغي أن يركز على التالي:
أولا، النظر لقضية اللاجئين باعتبارها قضية إنسانية، فضلا عن كونها قضية سياسية، ما يفترص العمل من أجل حق المساواة للاجئ الفلسطيني مع غيره من الناس المحيطين به، لا التمييز ضده أو الحط من كرامته، تحت أية حجج كانت. ولاشك أن هذا الأمر يفترض من نشطاء الدفاع عن حقوق اللاجئين وحق العودة أن يضعوا على رأس أجندتهم أيضا العمل من أجل تحسين شروط حياة اللاجئين، وعزل النظرة التي تعتبر اللاجئ الفلسطيني، في البلدان العربية مجرد قضية أمنية أو ظاهرة سياسية، تخضع لحسابات الابتزاز أو التوظيف السياسي الضيق؛
ثانيا، إبداء الحذر في التعامل مع خطاب رفض التوطين، وعدم الاحتفاء به، لأنه ينبع، على الأغلب، من بيئة استبعادية للفلسطينيين (أي بيئة التوظيف الأمني والسياسي)، وهذا الخطاب هو صنو خطاب التوطين ورديف خطاب التهجير، وهي خطابات تسعى إما لتوظيف قضية اللاجئين في مآرب مصلحية وسياسية ضيقة، أو تسعى للتخلص من قضية الفلسطينيين بالتخلص من وجودهم. ومعنى ذلك أن خطاب رفض التوطين لا يصبّ بالضرورة في طاحونة حق العودة، وربما أن التهويل به يصب في طاحونة التهجير، وتصفية قضية اللاجئين، كما أنه يخلق لدى اللاجئ قلقا إزاء مصيره كإنسان، وإزاء هويته ومستقبله. ولاشك أن الخطاب البديل معني بتركيز الدفاع عن حقوق اللاجئين، بجوانبها الإنسانية والسياسية، لا الهروب من المهمات المتعينة (الإنسانية) إلى المهمات السياسية، التي ليس لها أرضية واقعية اليوم، إلا من باب حفظ المبدأ، ومن اجل حفظ موقف للمستقبل.
ثالثا، ينبغي على خطاب العودة إيجاد المعادلة السياسية التي تضمن عدم التضحية بمصالح الحاضر من أجل المستقبل، أو بمصالح جزء من الشعب لحساب جزء أخر؛ على طريقة كل شيء دفعة واحدة أو لاشيء.
ومن ذلك فإن خطابات اللاجئين وحق العودة معنية بتجنّب الوقوع في مخاطر النظرية التي ترى في قيام دولة فلسطينية أولاً تفريطا بحق العودة للاجئين. لأن ذلك يعني إبقاء فلسطينيي الأراضي المحتلة، الذين يصنعون الانتفاضة ويقدمون التضحيات الباهظة، تحت أسر الاحتلال؛ لحين توفر الظروف التي تمكن من تطبيق حق العودة‍! في حين يؤكد الواقع أنه ثمة ارتباط وتكامل بين الحقوق الفلسطينية، وأن حال الفلسطينيين مع دولة أفضل من عدمها نسبة لهم، كما نسبة لمواجهتهم إسرائيل، وسعيهم لاستعادة باقي حقوقهم، ومن ضمنها حق العودة.
وربما أنه يمكن حل هذه المعضلة بالتمسك بالقرار 194، بكل حيثياته؛ ومن خلال طرح التصورات السياسية التي يمكن أن تستوعب قضية حق العودة، كمثل طرح فكرة قيام دولة "ثنائية القومية" أو فكرة المساواة في دولة مواطنين، أو في دولة ديمقراطية علمانية في فلسطين/إسرائيل.
وبشكل عام فإن خطاب اللاجئين والعودة يجب أن يرى في قيام دولة فلسطينية ثمرة لنضال الفلسطينيين وإسهاما في تحديد حدود المشروع الصهيوني، وكسرا لمرتكزاته المتعلقة بمفهوم "أرض الميعاد" ونفي وجود الشعب الفلسطيني (فكرة أرض بلا شعب). كما يمكن اعتبار ذلك جزءا من سياق عملية "التحرير"، في مضامينها الديمقراطية التي تفترض خلق المعادلات والمسارات السياسية، لحل المسألتين الفلسطينية والإسرائيلية، بتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته مرورا، ربما، بإقامة دولة ثنائية القومية، أو دولة ديمقراطية علمانية، تتجاوب مع التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحاصلة لدى الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، كما في المنطقة العربية.
إن إنتاج المعادلات السياسية الجديدة يفيد في جسر الفجوة بين المفهوم السائد لعملية "التحرير" وتعقيدات القضية الفلسطينية، عبر توسيع هذا المفهوم وتحويله وتطويره، بما يتناسب والمعطيات الجديدة، بإدخال مضامين جديدة لفكرة "التحرير" قوامها تحرير العرب واليهود في آن معا من الصهيونية، وابتكار حل حضاري وإنساني لكل مظاهر الصراع العربي ـ الإسرائيلي، على أسس ديمقراطية وليبرالية، وربما قومية أيضا؛ فمن غير المعقول أن يبقى هذا المفهوم جامدا برغم كل المتغيرات والتحولات.
رابعا، وأخيراً من المهم بالنسبة لخطاب العودة ملاحظة أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، إضافة لما تقدم، نابعة أيضا من واقع أن المجتمعات العربية لم تصل حد الاندماج الوطني، برغم مرور نصف قرن، على الأقل، على قيام الدولة الوطنية (القطرية) العربية. بل إن هذه الدولة بسبب إخفاقاتها السياسية والاجتماعية الاقتصادية أدت إلى النكوص للخلف، إي أنها بدل أن تصوغ الانصهار الوطني عملت على إنعاش أو على التحريض على النزعات القبلية الاثنية والطائفية والعشائرية، ما صعب من واقع اللاجئين وعقد من مشكلة التعامل معهم على المستوى الإنساني، غير المتحيز للاعتبارات السياسية الضيقة.
المفارقة المأساوية هنا تكمن أيضا في إمكانية بقاء الفلسطينيين لاجئين في وطنهم العربي وفي أمتهم العربية، عقودا أخرى من الزمن، فيما إسرائيل تطبع وجودها في العالم العربي! برغم من كل الخطابات القومية، الجميلة والنبيلة، وأحيانا بفضلها! والمشكلة فوق ذلك أن يحصل هذا الوضع فيما الفلسطينيون لم يحققوا دولتهم ولا استطاعوا تنفيذ حق العودة. ماجد كيالي