إني أعترض: عن التطبيع مع اسرائيل ودبلوماسية المصافحات

بقلم: نجاح محمد علي

ليس غريبا أن نشاهد هذه المصافحة بين وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري، ووزير البنى التحتية لما أصبحت تعرف بدولة اسرائيل.
ولو بقي الأمر على هذا الحال أي أن يكتفي العراق الجديد بالمصافحة "العابرة" بين عراقييّن اثنين التقيا في دار غربة وتصافحا على قاعدة "وكل غريب للغريب نسيب"، لهانت المسألة، لكن ما هو آت أعظم من مسألة مصافحة في زمن يمكن أن نسميه بالعصر الاسرائيلي.
في الأيام الماضية تحدثت أنباء عن زيارات اسرائيلية لاقليم كوردستان العراقي، وصدر نفي بشأنها، ولكن الواقع يقول بأكبر من الزيارات السرية لأن الاسرائيلين باتوا اليوم موجودين في العراق، وهم يختبئون في كل العراق خلف مسميات وعناوين.
وحتى مع استنكار الحكومة العراقية المؤقتة لهذه الخطوة وهي ليست الأولى، على أساس أن المصافحة تمثل صاحبها ولا تعكس موقف الحكومة، فان واقع العراق الجديد، وطريقة اسقاط نظام صدام، يُنبئان بأن اسرائيل ستكون الدولة (أقولها مجازا) التي تملك أعظم النفوذ في بلادنا، ولا حاجة لفتح سفارة لها في بغداد (حاليا على الأقل) لأن السفارة الأمريكية موجودة وهي التي أصبحت تضم اكبر محطة للـ سي.آي.ايه في العالم وليس في الشرق الأوسط فحسب، ولا يسكنها في المنطقة الخضراء الا من هو على شاكلة جون نغروبونتي السفير السابق وقد أصبح مديرا عاما لكل مخابرات أجهزة المخابرات في بلاد العام سام.
ليس مهما أن تستنكر الحكومة مصافحة زيباري- بن أليعازر ما دامت دبلوماسية المصافحات ماضية خطوة خطوة الى أن يتم إنهاء تحطيم الجدار النفسي العازل بين العراقين والتطبيع مع اسرائيل، وهي دبلوماسية مستمرة بأشكال عدة منها شراء الأراضي والسماح بتملك اليهود القادمين من اسرائيل للعقارات، وعشرات بل مئات الشركات المختفية خلف جنسيات متعددة، وآلاف العاملين في شركات الأمن الخاصة التي تكلف الخزانة العراقية نحو سبعة مليار دولار سنويا، وأجهزة الانصات في كوردستان، وغيرها وغيرها.
وليس هذا مهما، فقد جرى كل شيء وفق مخطط مدروس: السياسة الأمريكية صنعت من نظام صدام وحشا كاسرا، أرعبت به الجميع، إذ كان "الفزاعة" التي بها تم احتواء ايران وثورتها الاسلامية الصاعدة، وبها جرى تطويع "المعارضة" العراقية خصوصا الاصولية، لتنساق خلف مشروع اسقاطه.
لقد بدأ تراجع الحركات الاصولية، أمام المخطط الأمريكي الرامي الى جر العالم الى العصر الاسرائيلي، منذ أن تغير خطاب تلك الحركات، وآخذت تشعر بالقنوط واليأس من امكانية اسقاط نظام نفخت فيه أمريكا، الا بواسطتها.
وبموجب هذه المعادلة أصبح الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، ينافس الله في الربوبية، وكان على المؤمنين بالله أن يعبدوه سرا في السماء فقط :"يملك ولا يحكم".
سيقول لك المخلفون من العراقيين منزعجين: حلال عليهم وحرام علينا، ليبرروا للحكومة العراقية الخطوة القادمة التي لن تطول كثيرا، وهي الاعتراف باسرائيل، وذلك بالتأكيد سيحتاج الى خطوات أخرى رياضية وثقافية وطبعا لقاءات سياسية على وزن "صدفة".
الذين عارضوا التعاون مع أمريكا في فترة المعارضة قبل تنفيذ عملية اسقاط صدام عن طريق شن الحرب على العراق، كانوا يطالبون بالشفافية وبأن تعلن "المعارضة" عن لقاءاتها مع الأمريكيين. واليوم فان المطلوب من حكومة الدكتور ابراهيم الجعفري أن توضح بالضبط: ما هي الخطوة التالية؟
لا أعتقد أنها ستفعل لأنها لو فعلت فسيتعين عليها الرحيل.
ويجب التذكير أن المصافحة لم تكن عابرة بل رتب لها بشكل درامي، وقد وذكرت صحيفة يديعوت احرنوت، ان وزيرا أردنيا رتب للقاء بعد ان ابلغ زيباري بوجود بن اليعايزر المعروف بالاسم العربي فؤاد، واقترح على وزير الخارجية العراقي لقاءً مع فؤاد، فوافق زيباري وانتظر، حتى عاد الوزير الأردني مصطحبا فؤاد معه، حيث كان لقاءً وليس فقط مصافحة، وان زيباري رحب بفؤاد على الطريقة العراقية وباللغة العربية، لمعرفته بان فؤاد عراقي الأصل.
وكذلك فقد أبلغ فؤاد، وهو من اصل عراقي، الإذاعة الاسرائيلية بان اللقاء مع زيباري "لم يقتصر على المصافحة فقط وإنما استمر خمس دقائق وتم بروح ودية". وقال فؤاد بان زيباري عرفه من مجرد المشاهدة وعلم بأنه من مواليد البصرة، مشيرا إلى انه أعرب للوزير العراقي عن أمله في لقاءه مستقبلا في "إسرائيل" أو في العراق، وقال بان زيباري رد على ذلك بقوله انه يبتهل إلى المولى عز وجل من أجل ذلك. وكان زيباري قال انه صافح الوزير الاسرائيلي فعلا ولكن ذلك تم بدون ترتيب مسبق، وان اللقاء لا يعني إي تغيير بخصوص سياسة العراق الخارجية ومسالة تطبيع العلاقات مع "إسرائيل" مشيرا الى أن دولا أعدة فعلتها فلماذا حرام علينا؟! نجاح محمد علي