ذكريات على شواطئ القصيدة مع الشاعر د. محمد زكي العشماوي

بقلم: أحمد فضل شبلول
رحل د. العشماوي عنَّا دون أن يقول لنا: وداعا

لم يكن أستاذا أكاديميا عالما فحسب، ولكنه كان أيضا فنانا في روحه، وفي خلقه، وفي مخالطته ومعاشرته للناس أو البشر، لذا كثر محبوه ومريدوه وتلاميذه وأصدقاؤه. وفي لحظة من اللحظات ندمتُ على أنني لم أتعرف إليه عن قرب إلا منذ سنوات قليلة.
لقد اعتقدت أن صداقتي للراحل الكبير أ.د. محمد مصطفى هدارة من الممكن أن تُغنيني عن صداقة عملاق آخر هو أ. د. محمد زكي العشماوي، فلم أسع إليه، لا لشيء إلا رهبةً من لقائه، على الرغم من معرفتي لقدره وأستاذيته وإنسانيته، إلى أن جمعتنا جلسات العمل في فرع اتحاد الكتاب بالإسكندرية، فبدأت أزوره في منزله باستمرار وأستمع إلى ضحكاته الرنانة، وكلمات ترحيبه التي تُخجل زائره، بل كان يبادر بالاتصال الهاتفي ليطمئن عليَّ إذا تغيبتُ عن زيارة أو اجتماع.
وعندما أهديتُه نسخة من ديواني "شمس أخرى .. بحر آخر" اهتم به، وعقد له ندوة في صالونه الشهري الذي حمل اسمه في قصر التذوق بسيدي جابر، بل نشر بعض ما كتبه عن الديوان في جريدة الأهرام.
وتوطدت الصداقة بيننا، ورحت أتجول في أغوار قلبه، وأتأمل خلجات نفسه، وعرفت سر محبته للناس، وسر محبة الناس له، فازددت قربا منه، وندمتُ على السنوات التي لم أتعرف فيها عليه، وتذكرت أول مرة دخلت فيها بيته في زيزينيا، وكان ذلك في إحدى أمسيات شهر رمضان الكريم، حيث جاءت من إذاعة صوت العرب بالقاهرة الإذاعية المعروفة رباب البدراوي (قبل أن تنتقل إلى إذاعة البرنامج الثقافي وتصبح مديرته بعد ذلك) وكان في أجندتها أن تسجل سهرة رمضانية ثقافية في منزل د. العشماوي، يشارك فيها ـ إلى جانب الكبار ـ بعض الأدباء الشباب، فرشحني د. هدارة للانضمام إلى هذا التجمع الأدبي في منزل د. العشماوي، وقدمني له، فرحب بي كعادته في الترحيب بزائريه حتى وإن لم يكن على معرفة جيدة بهم، ومضت سنوات وسنوات على هذا اللقاء الذي لم يزل يحفر مجراه في ذاكرتي، لم أحاول خلالها الاتصال به، وكنت ألتقي به فقط في الندوات والمؤتمرات التي كان يحضرها رئيسا أو متحدثا رئيسيا فيها، ثم ينصرف بعد ذلك إلى كتبه وأبحاثه ودراساته وكليته وطلابه.
عندما اقتربت منه خلال سنوات رئاسته لفرع اتحاد الكتاب بالإسكندرية، طلب مني الاشتراك معه في اختيار عنوان ديوانه الثاني، فأحسست بمدى الألفة والمودة التي يحملها كل منا للآخر، واستعرض أمامي أكثر من عنوان، واخترت عنوانا أعجبني هو "أغنية في غابة مشتعلة"، فتحمس لهذا الاختيار، ثم أوكل لي مهمة الإشراف على كتابته وتنضيده على جهاز الكمبيوتر وتصحيح بروفاته ومراجعتها، ففرحت بهذا التكليف، وقرأت الديوان قبل أن يقرأه أحد بخلاف صاحبه، وقد أهداه إلى القارئِ العربيِّ وَهو يَسيرُ مَعَ الْفَجرْ إلى ظَهيرةِ النُّور حَاملاً شُعْلَةَ الْمَحبَّة ..!!
في هذا الديوان يتحدى الشاعر العشماوي الموتَ، ويرى أن الحب هو كل ما في الوجود، بل هو الحياة نفسها، فيقول:
مَا دُمْتِ قَدْ أَتَيْتِ يا حَبِيبتي
سَتَنْبُتُ الَّرْحمةُ في قُلُوبِنَا .!!
وَيُولَدُ الرَّجَاءُ ..!!
تَنْفَتِحُ السَّمَاءْ ..!!
تَلُوحُ أَلْفُ جَنَّةٍ ..
وأَلْفُ جَدْوَلٍ وَكْرمَةٍ ..
وَيَخْفُق اْلجَنَاحْ ..!!
أَمْشِي عَلَى اْلهواءْ
أُرَوِّعُ الْفَنَاءْ .!!
ولَنْ أَخَافَ مِنْ زَوَابِعِ الشِّتَاءْ ..
والرَّعْدِ في الفَضَاءْ .!!
والثَّلْجُ يَمْلأُ السُّفُوحَ والبِطَاحْ .!!
وَغُرْفَتِي تَجْرفُها الرِّيَاحْ ..
لاَ لَمْ أَعُدْ أخافْ !!
مَا دُمْتِ هَا هُنَا معي
سَتَغْزِلينَ لي وَسَائدَ الْحَريرْ ..
وتَمْنَحِينَنِي الْغِطَاءَ والسَّرِيرْ .!!
***
الآنَ يَا حَبِيبتي ..
هَذَا الزَّمَانُ مِلْكُنَا ..
وَالْوَقْتُ لا يُهمُّنَا
لاَ الْموتُ يُلَهِينِي وَلاَ سِواهْ .!!
فأنْتِ عِنْدِيَ الْحيَاةْ .!!
ولكن الموت يهزمه برحيل ابنه د. أحمد العشماوي فيكتب عنه ديوانا كاملا كلفني أيضا، بالإشراف على طباعته وصدوره، وتشاورنا في العنوان واخترنا "لم يقل حتى وداعا" عنوانا لمجموعة القصائد التي كتبها بعد الزلزال العنيف الذي تعرض له برحيل الابن الغالي عام 2002، ومن أجواء هذا الديوان:
وَلَدِي:
لَوْ أَسْعَدَنِي حَظِّي
وَطَرَقْتَ الْبَابَ عَلَيّْ....
فَسَأَمْتَلِكُ مَفَاتيحَ الدُّنْيا ...
أَتَحَوَّلُ مَجْنُوناً وَخُرَافيَّا ..!!
وَأَضُمُّك بَيْنَ ذِرَاعَيّْ..
وَأُحَدِّقُ فِيكَ ملِيَّا
كَيْ أَتأكَّدَ أَنَّكَ
قَبَسٌ مِنْ عَيْنَىّْ.!!
وَأَقُولُ:
أَطِلُّوا
هَذَا وَلَدي
قَدْ أَرْجَعَهُ اللَّهُ إِلَىّْ..!!!
وسَأُطْبِقُ عَيْنىَّ عَلَيْكَ
لِكَيْ لاَ تَخْرُجَ
مِنْ بَيْنِ اْلأَجْفَانْ ..!!
وسَتَشْتَعِلُ الْفَرْحَةُ
في أَرْجَاءِ الْكَوْنْ ..!!
تَتَدَفَّقُ كالطُّوفَانْ ..!!
وَسَأَسْجُدُ للَّهِ
وَأَشْكُرُهُ
كَمْ رَبِّي أَنْصَفَنِى ..!!
كَمْ أَعْطَانِى ...!!
هذا هو العشماوي الشاعر العاشق، والأب المكلوم، الذي لم يستطع أخيرا أن يصمد أمام رحيل زوجته الوفية، فكان رحيلها بداية النهاية بالنسبة له، فأسلم الروح إلى بارئها فجر الأحد 8/5/2005. بعد أن أثرى الساحة الثقافية المصرية والعربية بمؤلفاته العلمية العديدة، وترجماته، ومحاضراته، وإشرافه على مئات الرسائل العلمية من ماجستير ودكتوراه، كان من بينها رسالة السيدة / جيهان السادات عن الشاعر الإنجليزي شيلي.
وقد تلقيت خبر وفاة د. العشماوي من الصديق العزيز د. محمد مصطفى أبو شوارب، أثناء مشاركاتنا في ملتقى الكويت الأول للشعر العربي في العراق، الذي أقيم بالعاصمة الكويتية، إثر اتصال تليفوني جاءه من الإسكندرية، وسرعان ما شاع الخبر بين الوفود العربية المشاركة في هذا الملتقى، وسرعان ما نعته ـ رسميا ـ مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري الذي كان أحد أعمدتها الرئيسية، فقد كان عضو مجلس أمنائها لسنوات طويلة، وسرعان ما وجدتُ الوفود العربية، ومعظمهم من الشعراء العرب، يقدمون لي واجب العزاء في رحيل د. العشماوي، باعتباري من أصدقائه ومن بلدياته في الإسكندرية.
ود. العشماوي ـ لمن لا يعرفه ـ من مواليد مدينة فارسكور بمحافظة دمياط في الثالث من فبراير/شباط عام 1921 وعمل مدرسا للغة العربية في مدينة الإسكندرية، ثم عين معيدا بكلية الآداب بجامعتها عام 1946 وحصل على درجة الماجستير عام 1951 عن النابغة الذبياني، وعلى الدكتوراه عام 1954 من جامعة لندن عن النقد الأدبي العربي حتى القرن الخامس الهجري، ثم عمل في الإذاعة البريطانية، ولكن عند وقوع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، قدم استقالته من إذاعة لندن، وعاد إلى وطنه، احتجاجا على هذا الاعتداء السافر على مصر. وهكذا أثبت العشماوي انتماءه المصري الأصيل لوطنه في وقت مبكر. ثم تقلد العديد من المناصب الجامعية المهمة، وتنوع إنتاجه النقدي والأدبي الغزير، غير أن أهم ما كان يعشقه العشماوي هو كتابة الشعر الذي أنتج فيه أربعة دواوين شعرية هي: أزمنة في زمان، وأغنية في غابة مشتعلة، ولم يقل حتى وداعا، وديوان آخر عن زوجته التي رحلت قبل رحيله بأشهر قليلة.
لقد رحل د. العشماوي عنَّا دون أن يقول لنا أيضا: وداعا. ونأمل أن تصدر مخطوطاته التي تركها لنا في كتب مطبوعة، ومنها دراسته عن شعراء الإسكندرية المعاصرين، التي كان يأمل طباعتها وإصدارها في كتاب ضمن مشروع النشر باتحاد كتَّاب مصر.
وأختم هذه الذكريات، بتوصية كان د. العشماوي أوصاني بها أثناء مشاركتي في ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب في العام قبل الماضي (2003)، فقد أوصاني أن أهمس في أذن د. سمير سرحان ـ إذا التقيتُ به ـ وأقول له بعد التحية والسلام، إن للدكتور العشماوي كتابين ينتظران الطبع في هيئة الكتاب منذ سنوات، ويأمل أن يراهما وقد طبعا، وليس شرطا أن يكونا ضمن مطبوعات مكتبة الأسرة، وبالفعل نقلت توصية د. العشماوي للدكتور سمير سرحان، فعلق قائلا: معقول الدكتور العشماوي له كتابان عندنا، سأبحث هذا الموضوع فورا. ولا يزال الموضوع يبحث حتى الآن. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية