شراء الديمقراطية للشرق الاوسط

بقلم: هشام القروي

إن المعيار الأمثل لمشروعات الدمقرطة في مختلف أنحاء العالم العربي يفترض قيام سلسلة طبيعية تبدأ بتخفيف السيطرة السلطوية يعقبها انتخابات ونقل السلطة للقوى الديمقراطية الليبرالية. إن مراقبة الانتخابات في عدد من الدول العربية منذ أوائل التسعينات تم اتباعها بعدد من المشروعات المصممة لتحاكي الطلب على الديمقراطية من المجتمع المدني عن طريق توضيح الحقوق والمسؤوليات السياسية لقادة الرأي المحتملين وخاصة من بين السيدات الناشطات سياسيا والمرشحين النيابيين والقضاة وطلبة القانون والصحفيين والمدرسين ونشطاء المنظمات غير الحكومية والذين يقومون بعد ذلك بدور في الضغط على الحكومات وتجميع المساندة العامة من أجل الإصلاح التدريجي ومن أجل الأجندة الليبرالية.
فيما مضى لم تكن عملية الدمقرطة تحتل المصلحة الغربية الأولى في الشرق الأوسط، وبالنسبة لإدارة كلينتون مثلا، كانت عملية الإصلاح السياسي تحتل درجة أقل من الأهمية باعتبارها من السياسات الدنيا في ظل المخاوف من أن مزيدا من الديمقراطية يمكن أن يأتي بالقوى المضادة لأمريكا إلى الحكم. كما أن الأوروبيين كانوا قلقين من حدوث الاضطرابات على الجانب الجنوبي ومن احتمال تدفق الهجرات نحو الشمال نتيجة لذلك. واحتل كل من البترول والحفاظ على استقرار الملكيات الخليجية وعملية السلام والعقوبات ضد الدول المارقة ومسألة الديون، الأولوية على أجندات السياسات الخارجية بدلا من حقوق الإنسان والحكم الجيد. فبدرجات مختلفة مثلت هذه الاهتمامات المقاييس التي استخدمتها كل من واشنطن واوتاوا و العواصم الأوروبية وفى بعض الأحيان طوكيو وكانبرا لإرسال خبراء في الديمقراطية إلى العالم العربي. سعى وسطاء الديمقراطية إلى خلق شبكة من النظراء الوطنيين والإقليميين في العالم العربي وفى هذه المخاطرة كانوا ناجحين لدرجة كبيرة ولكن أيضا أثاروا بعض التناقضات غير المقصودة. معركة الافكار تستوقفنا في هذا السياق مقالة رونالد دي آسمس وميشيل ماكفاول في موقع معهد السياسة التقدمي، وكلاهما له باع في البحث العلمي في الولايات المتحدة. فهما يعتقدان أن هناك إجماعا آخذا في الظهور في أمريكا حول الحاجة إلى المساعدة في إحلال الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط. فمن هذه المنطقة يرجحان انبعاث أخطر التهديدات للأمن الغربي في القرن الواحد والعشرين. وفي هذه المنطقة يتواجد خليط من الإيديولوجيات المتطرفة، والإرهاب. والتوصل إلى أسلحة الدمار الشامل هو أمر مرجح الحدوث. وبالتأكيد فليس مصادفة أن أكبر أجزاء العالم خطراً حيث سيتقرر الانتصار أو الهزيمة في الحرب على الإرهاب هو نفسه الجزء الأقل حرية. وبالنسبة للباحثين فإنه لا يمكن الانتصار في معركة الحرب على الإرهاب عسكرياً.. بل يتوجب الانتصار فيها سياسياً وبالأفكار. يقولان مثلا: "إننا في حاجة إلى استراتيجية ضخمة لمساعدة هذه الدول على تحويل أنفسها إلى أشكال مجتمعات تركز اهتمامها على حاجات شعوبها. مجتمعات لا تنتج أناساً يريدون قتلنا ولديهم القدرة على ذلك. إذا لم نساعد الشرق الأوسط الكبير على علاج انحرافاته الداخلية الخاصة، فإننا لن نجتث الجذور المسببة للإرهاب."
هذا هو السبب كما يريان في تركيز كل من جورج دبليو بوش ومنافسيه الديمقراطيين على الحاجة إلى تحقيق حرية أكبر، فضلا عن العدالة، والديمقراطية في هذه المنطقة. ويؤمن عدد متزايد من الأوروبيين كذلك برؤية أن التغيير الديمقراطي السلمي للأنظمة في المنطقة اليوم قد يساعد في إقصاء ضرورة حل عسكري غداً. الدعوة الديمقراطية والاستراتيجية الغائبة هذا التغير الكبير في التفكير الغربي حول "ماهي أهداف الغرب في المنطقة"، لم يتم دمجه ضمن استراتيجية لتحقيقه. يقول الباحثان: "إن لدينا خطباً حول تعزيز الحرية، ولكن ليس لدينا سياسة أو برنامج تترجم عبره الكلمات إلى أفعال. في الوقت الحاضر، فإن الغرب ليس مستعداً لا فكرياً ولا منظماتياً لمواجهة هذا التحدي الضخم. فللحصول على دعم من قبل الحزبين الرئيسيين على الصعيد الأمريكي ودعم على المدى الطويل وخارج المحيط الأطلسي لهذا الالتزام الجديد، فإننا نحتاج إلى استراتيجية جديدة."
ويعتقد الباحثان أن استراتيجية جدية للديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير ينبغي أن تحقق ثلاثة أمور: "دعم الديمقراطيين في المنطقة، إنشاء مناخ إقليمي للتطوير الديمقراطي، وإعادة تنظيم أنفسنا في الداخل للنضال بشكل فعال وتعزيز هذه السياسات"، حسب تعبيرهما.
وفي المقام الأول يعتقد الباحثان أنه ينبغي الاعتراف بأن التغيير في المنطقة يجب أن يأتي من داخل هذه المجتمعات، وعلى الغرب فقط أن يقوم بتصميم سياسات لتعزيز القوى الديمقراطية في المنطقة، والتي تدفع باتجاه تغيير كهذا. ويضيفان: "اليوم يقبع الناشطون الديمقراطيون في هذه البلدان في السجن بسبب التزامهم بهذه المبادئ ونحن نفعل القليل لمساعدتهم. إن استراتيجية جديدة يمكن أن تبدأ بحيث لا يقوم قيادي أمريكي أو غربي كبير بزيارة إلى المنطقة دون إثارة قضايا حقوق الإنسان والدفاع عن هؤلاء الأفراد الشجعان الذين يقومون بالقتال من أجل الديمقراطية في أوطانهم." ويضيفان: "علينا كذلك مساعدة الديمقراطيين المحليين بشكل مباشر، عن طريق تعزيز المنظمات المدنية ذات التوجه الديمقراطي." ويعتقدان أنه يوجد في الشرق الأوسط الكبير صراع ضار بين القادة الديمقراطيين وغير الديمقراطيين حول قلوب وعقول الجماعات المدنية. وأنه يتوجب على الغرب أن يساعد في تقوية الجانب الديمقراطي بزيادة دعمه بشكل مؤثر للمنظمات غير الحكومية المحلية العاملة على إيجاد مصادر القوة والمنشآت لعدل أكبر، ولمجتمعات حرة وديمقراطية.
ثانياً، يعتقدان أنه على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين المساعدة في إيجاد البيئة الخارجية والمناخ الجيو ـ سياسي والذي يمكن للتغير الديمقراطي فيه أن يحدث بسهولة أكبر، ذلك أن تاريخ القرن الأخير في أوروبا يظهر أن التهيئة الأمنية أساسية في رعاية التطوير الديمقراطي. اليوم، لا يوجد هناك جوار أكثر عدائية من الشرق الأوسط الكبير.وهذا الوضع المؤسف ينبغي في نظرهما أن يتغير. إن الخطوة الأولى لإنشاء هذا السياق ستكون بمساعدة تركيا على تحويل نفسها إلى دولة ديمقراطية كاملة مؤهلة لعضوية الاتحاد الأوروبي وإظهار أن الغرب مستعد لتقبل دولة ديمقراطية مسلمة. إذا كان الغرب لا يستطيع التعامل مع تركيا بشكل صحيح، فمن المؤكد أنه لن يستطيع حل المشاكل الأخرى الأكثر تعقيداً في المنطقة.
ويؤكدان أن إحلال السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين سيسارع بشكل كبير من عملية التغيير السياسي في المنطقة. وهذا هو السبب الذي على واشنطن من أجله أن تنهي تجاهلها الحالي وأن تعيد انخراطها في عملية السلام. "إن فلسطين ديمقراطية لن تكون رداً على إرهابي هجمات 11/9، بل كابوسهم الأشد سوء. لن يتمكن الحكام المستبدون العرب من تفادي الضغوط من أجل التغيير بالاختباء وراء هذا النزاع." شراء الديمقراطية الحقيقة أنه إذا كانت الاستراتيجية غائبة، كما يقول الباحثان المذكوران أعلاه، فإن الدعم المادي الغربي تدفق مرتبطا بنفس المشروع. ونجد بعض مظاهر هذا الدعم مرصودة في بحث نشره (ميدل ايست جورنال العدد 3، صيف 2002) بقلم السيدة شايلا كارابيشو، حيث تقول انه في العقد الأخير من القرن العشرين، قامت منظمات غربية ودولية بتمويل المئات من المشروعات بغرض المساعدة في إضفاء الطابع الديمقراطي على السياسات العربية معتمدة على تطبيق استراتيجية تهدف إلى التأثير في عمليات التحرير ما يسمى اللبررة السياسي والتحولات الحادثة عقب سقوط الشيوعية في مختلف أنحاء المعمورة.
وتختلف مشروعات دعم الديمقراطية المصممة لدعم وتقوية المسئولية التشريعية والقضائية والمدنية عن برامج المساعدات التقليدية الناقلة للخدمات في ارتفاع نسبة الجزء الممنوح من مكوناتها وفى قنوات التمويل من خلال الفرع التنفيذي الحكومي وفى المخرجات الناتجة عن هذه العملية من أفكار ومعلومات، كما تلاحظ الباحثة.
إن برامج المساعدات في زمن الحرب الباردة نادرا ما كانت تتعدى مشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية إلى الشئون السياسية، لذا أصبح الحكم الجيد قطاعا جديدا للمانحين التقليديين للمساعدات، حيث تهدف معظم وكالات المساعدة التنموية إلى دعم الديمقراطية وحكم القانون ومشروعات المجتمع المدني إلى جانب القروض والمنح في مجالات المساعدات التقليدية مثل الزراعة والاتصالات والصحة. وكانت أكبر جهتين مانحتين للتنمية هما USAID وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية، والبنك الدولى، وقد قاما بتوسيع نشاطاتهما لتشمل قطاع الديمقراطية، وكذلك فعلت CID وكالة التنمية الدولية الكندية ونظراؤها الاسكندنافيون ووزارتا الخارجية الهولندية والبريطانية. كما قام الأمين العام للأمم المتحدة السابق الدكتور بطرس غالي بإصــــدار "الأجندة لنشر الديمقراطية" في حين صرح خليفته في المنصب كوفى عنان إن دعم نشر الديمقراطية أصبح واحدا من أكبر اهتمامات المنظمة. ومنذ أن قاموا بتوزيع القروض والمساعدات الفنية بناء على قاعدة ما بين الحكومات، عمل المانحون سواء بالشكل الثنائي أو متعدد الأطراف من خلال التعاقد مع الحكومات مما جعل ذلك يعنى مزيداً من سلطات تنفيذية مركزية.
لقد نجح بامتياز وسطاء الديمقراطية العاملون خارج قيود التحويلات ما بين الحكومات ممثلين في المؤسسات السياسية والحزبية الناشئ معظمها في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، فالمؤسسة الألمانية المرتبطة بالأحزاب السياسية تعتبر نموذجا للمنظمات الموجودة في واشنطن ولندن واوتاوا. وهكذا في أوائل الثمانينيات قام الكونجرس الأمريكى بإنشاء مؤسسة الوقف القومي للديمقراطية NED بالإضافة إلى مؤسستين أمريكيتين أخريين مرتبطتين بالأحزاب هما المعهد الديمقراطى القومى للشؤون الدولية NDI والمعهد الجمهوري الدولي IRI فضلا عن المؤسسات الأخرى التي تمثل رجال الأعمال والعمال. ومنذ عام 1988 قامت الحكومة الكندية بإنشاء وقف للمركز الدولى لحقوق الإنسان والتنمية والديمقراطية ICHRDD كمؤسسة غير حزبية مستقلة، وفى عام 1992 انشأ البرلمان البريطانى مؤسسة ويستمنستر للديمقراطية كوحدة عامة مستقلة غير حزبية تهدف لتقديم المساعدة في بناء وتقوية المؤسسات الديمقراطية عبر البحار. وفى عام 1993 بدأت المؤسسات الأمريكية والكندية والبريطانية والألمانية - وتحت رعاية عدد من الشخصيات السياسية البارزة - عقد قمة الديمقراطية الدولية بصورة سنوية. أيضا في أماكن أخرى في أوروبا قامت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية بإنشاء مؤسسات مشابهة. ففى فرنسا انشـــأ الحزب الاشتراكى الفرنسى مؤسسة جان جورى JAURES، وفي السويد مركز OLOF PALME الدولى التابع لحزب العمال السويـدى، وفي النمسا ملتقـــى برونو كرايسكي BRUNO KREITSKY. كل هذه المؤسسات السابقة عملت في العالم العربي منذ أواخر التسعينيات.
لقد جعلت مشروعات كل من هيئة USAID وهيئة NED والمؤسسات التابعة لهما بالإضافة إلى مشروعات المؤسسات الخاصة من الولايات المتحدة أكبر المانحين لتمويل عمليات الدمقرطة في المنطقة، ولكن الاتحاد الأوروبى لم يبق في المؤخرة. فطموحه في تكوين منطقة تأثير حول حوض البحر المتوسط شبيهة بمنطقة نفوذ أمريكا في الكاريبى، جعل برامجه في تزايد وخاصة المبادرة الاورو- متوسطية التي تم تدشينها في مؤتمر برشلونه في عام 1995، وتضمنت مجموعة من البرامج الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، كما شملت عقد مؤتمرات سياسية منتظمة وبرامج للديمقراطية وقروضا للتنمية الاقتصادية بالإضافة لعقد الندوات الأكاديمية البحثية في الآداب والبيئة وغيرها، هذا دون ذكر أكثر من 170 من المشروعات المنفصلة تحت ما يعرف بمبادرة MEDA-DEMOCRACY، وأيضا ساعدت البرامج ثنائية الأطراف لدول الاتحاد الأوروبى في زيادة النفوذ الأوروبى في المنطقة. خبراء ووسطاء وكان من نتائج هذا النشاط وتدفق الموارد والمنح من كل تلك المؤسسات و اللجان الاوروبية والامريكية أن انفتحت أبواب العمل أمام الجماعات البحثية – من أكاديميين ومراكز دراسات- لتلعب دور الخبير والوسيط من أجل الديمقراطية، مع العلم أن أغلبها هي جماعات غير ربحية أو تنتمي لمنظمات كانت الى حد ذلك الوقت تعمل بمنح حكومية. ويمكن في هذا المجال التذكير بمنظمات أخرى مثل اتحاد المحامين الأمريكيين والمجلس القومى للمرأة الزنجية والمؤسسة الخيريــــة العالمية CARE وهيئة أمـــــــيد ست AMIDEAST والمؤسسة الدولية للنظم الانتخابية IFES التي أنشئت في أوائل التسعينيات بمنحة من USAID، كما عمل عدد من الوكالات الحكومية الأمريكية مثل مكتبة الكونجرس في مشروعات الدمقرطة في مصر وفلسطين وبعض المناطق الأخرى.
كذلك، جرت بعض الجماعات الأوروبية والكندية والنمساوية وراء التمويل العام لمشروعات الديمقراطية في العالم العربي، حيث قامت مؤسسات كونراد أد ينــور و فريدرش ايبرت وفريدرش نومان بفتح مكاتب دائمة لها في أكثر من عاصمة عربية، كما قامت كل من منظمة "صحفيون بلا حدود" والمعهد الدولى للديمقراطية في ستراسبورج ومركز دراسات السلام النمساوى، والمعــهــد الدولي لحقوق الانسان والمنظمة الهولندية NOVIB ، والمنظمات الإيطالية غير الحكومية للتعاون الدولى للتنمية، واللجنة اليونانية للتضامن الدولي للديمقراطية، وصندوق العدالة الاجتماعية باتحاد عــمـال السيارات الكندي، ومؤسسة
THOMPSON بلندن، وغيرها من عشرات المنظمات... قامت بالمساهمة في مشروعات الدمقرطة في العالم العربي، وكذلك فعل العديد من الجماعات عابرة القوميات مثل الاتحاد الدولى للصحفيين والاتحاد البرلمانى الدولى واللجنة الدولية للقضاة.

مواجهة الراديكالية الاسلامية

وهناك وجه آخر لهذه المحاولات الناشطة في مجال الدعوة للديمقراطية، وهي تتعلق بمواجهة كل من الولايات المتحدة وأوروبا لموجة الراديكالية الاسلامية التي لا تعصف بالشرق الأوسط وحده. وفي هذا المجال، يقول جوفري كامب في "تحديات أوروبا الشرق أوسطية" (واشنطن كوارترلي عدد 1، شتاء 2004): "على الرغم من أن الخلافات في وجهات النظر والتجارب تحول دون الإنهاء التام للانقسام الحادث عبر الأطلنطى، إلا أنه يمكن تضييق هذا الخلاف أولاً وقبل كل شيء عن طريق الاعتراف بماهيته. فالأمريكيون ليسوا من المريخ ولا الأوروبيون من الزهرة، ولكن الأمريكيين من أمة واحدة على بعد 5000 ميل من الشرق الأوسط، بينما الأوروبيون تركيبة من أمم مختلفة، والجار الملازم لأكثر من 230 مليون مسلم. وكما أن للولايات المتحدة الأمريكية علاقات سياسية قوية وفريدة وموجهة مع دول أمريكا الوسطى، منفصلة عن العلاقات الأوروبية مع هذه الدول، فإن التدخل الأوروبى في الشرق الأوسط سينمو ويصبح سياسياً بدرجة كبيرة، بغض النظر عن السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة في المنطقة. فمستقبل أوروبا أكثر ارتباطاً بالشرق الأوسط من الولايات المتحدة وذلك بسبب قرب أوروبا منه، واعتمادها على الإمدادات النفطية الشرق أوسطية، إضافةً إلى تشابك العلاقات التاريخية بينهما. وهذا الأمر لا يقلل من مصالح ومخاوف الولايات المتحدة الأمريكية بشأن الاستقرار في الخليج الفارسى- العربي، كما أنه لا يقلل من الدور الأمريكى في الصراع العربي الإسرائيلى والوضع العالق في أفغانستان، ولكن كل هذه الأمور تخص أوروبا بشكل أكبر. ولهذا فمن الضرورى أن يحل الأوروبيون خلافاتهم السياسية الإقليمية، والتوجه للعمل مع الولايات المتحدة لحل المشاكل الرئيسية."
ويذهب باحث آخر، وهو روهان غوناراتنا الذي كتب عن "الوجه الجديد لتنظيم القاعدة بعد مدريد" (واشنطن كوارترلي عدد 3، صيف )2004، الى أنه كلما ازدادت الأزمة في العراق سوءاً كلما شعر المسلمون الذين يعيشون في أوروبا بالحزن والظلم. وهو يرى أن "غضب المسلمين وعزمهم سوف يخلق الظروف للخلايا الداعمة والعملياتية للنمو وأداء وظيفتها بصورة أكثر سهولة في أوروبا، كما حدث تماماً عندما ذهب مسلمو أوروبا للتدريب والقتال في أفغانستان والبوسنة والشيشان بينما اشتركت نسبة صغيرة مباشرة في عمليات إرهابية بعد عودتهم لأوروبا."
ويرى هذا الباحث أنه نظراً لموقع العراق على عتبة أوروبا فإن المصالح الأوروبية طويلة الأمد تتطلب أن تلعب أوروبا دوراً فعالاً في العراق أكثر مما فعلت هذه المصالح بالنسبة للولايات المتحدة. و يعتقد أنه على الرغم من أن غزو الولايات المتحدة للعراق كان خطأ فادحاً فإن انسحابها من هذا البلد سيكون أكثر فداحة : "إن انسحاب الولايات المتحدة من العراق وتسليم المسئولية إلى الأمم المتحدة سيؤدى فقط إلى زيادة قدرات الإرهاب عموماً وتنظيم القاعدة على الخصوص. يجب على أوروبا أن تظل مرتبطة بالعراق لأن استمرار وجود العراق في أزمة سينعكس على أمن أوروبا بل والأضرار به."
بيد أن المشكلة طبعا تتمثل في أن أوروبا – باستثناء بريطانيا – لم تقبل المراهنة على فكرة أنه ينبغي اسقاط النظام بالقوة في العراق لإنشاء الديمقراطية هناك. وليس هذا عائدا الى اعتقادهم بعدم امكانية ذلك اطلاقا – فتاريخ أوروبا وفي المقدمة فرنسا، شاهد على أنه يمكن بناء الديمقراطية تدريجيا على ركام الثورات -، ولكن المسألة لها علاقة بالمصالح الاقتصادية واقتسام "الكعكة النفطية".
ولم تكن فرنسا أو ألمانيا – فضلا عن روسيا – لترضى بهيمنة أمريكا على المشروع برمته. ويمكننا دائما أن نتحدث عن الديمقراطية وضروراتها، ولكن هناك حقائق مادية ملموسة أكثر، وهي التي يستند اليها في التحليل الأخير. تردد أوروبا وكما يشير الى ذلك جوفري كامب في المقال المذكور آنفا، فإن الساسة الأوروبيين إذا ما ترددوا في اتخاذ مواقف سياسية جريئة تتعلق بقضايا الشرق الأوسط، فإن ذلك غالبا ما يكون بسبب الروابط التاريخية والجغرافية والنفطية لأوروبا في المنطقة. فالموقع الجغرافى الأوروبى يختلف عن نظيره الأمريكى، حيث لا يفصل أوروبا عن الشرق الأوسط سوى البحر المتوسط وتركيا، وأدى ذلك إلى زيادة الاعتماد الأوروبى على النفط والغاز الطبيعى من المنطقة. كما أن مضيق جبل طارق، وهو أقرب نقطة بين شمال أفريقيا وأسبانيا، يبلغ عرضه حوالى 16 كيلو مترا فقط، إضافةً إلى طرق المواصلات الجيدة الممتدة من سوريا وتركيا إلى جنوب أوروبا. وهناك بالفعل خطوط أنابيب للنفط والغاز الطبيعى تصل شمال أفريقيا بأوروبا، وهناك خطط لبناء المزيد، خاصةً بعد نجاح تكنولوجيا مد خطوط الأنابيب في المياه العميقة والتى أثبتت نجاحاً ملحوظاً في البحر الأسود. وهذا التطور يجعل من الإمكان مد خطوط أنابيب تصل حقول الغاز المصرى بجنوب أوروبا.
إن ما يقرب من 40% من مجمل الإنتاج من الغاز الجزائري يرسل عبر خطوط الأنابيب عبر إيطاليا والبرتغال وأسبانيا وسلوفينيا. وليبيا هى أكبر مصدر للبترول في شمال أفريقيا حيث تبيع 90% من إنتاجها الحالي، والذي يبلغ حوالي 1.5 مليون برميل يومياً إلى الدول الأوروبية كما إنها تتطلع إلى زيادة هذا الإنتاج إلى 2 مليون برميل يومياً، الأمر الذي قد يعيدها إلى مستوى الإنتاج في السبعينات قبل أن تُفرض عليها العقوبات - التي أعاقت صادراتها - من قبل الولايات المتحدة والأمم المتحدة. وتقدر صادرات الخليج العربي إلى أوروبا الغربية في المتوسط بأكثر من 2.3 مليون برميل يومياً، فيما تستورد الولايات المتحدة أيضاً حوالى 2 مليون برميل يومياً من الشرق الأوسط، ولكن هذه الكمية تمثل نسبة أصغر بالنسبة لوارداتها الكلية حيث تستورد معظم وارداتها النفطية من كندا، المكسيك، كولومبيا، وفينزيويلا.
ثم ان الارث التاريخي لأوروبا وتجاربها مع العرب تجعلها أكثر حذرا وتحفظا في مواقفها. إلا أنها لا تزال مهتمة بتحسين الأوضاع في الشرق الأوسط، وهي تدرك جيدا أن المسألة لا تتعلق فقط بالاوضاع الاقتصادية، وإنما كذلك بالتغيرات الاجتماعية والسياسية. لذلك، فهي تنخرط في مشاريع الاصلاح وتشجعها، مع الحفاظ على مواقف أكثر استقلالية تجاه المشاريع الأمريكية.

تنشر بالاتفاق مع مجلة النور، لندن. www.hichemkaroui.com/
‏‏