الخرطوم وواشنطن: علاقات متطورة أمنيا، متعثرة رسميا

بقلم: حسن الحسن

بالرغم من صدي مشروع القرار الذي دفع به عدد من أعضاء الكونغرس تحت عنوان "قانون محاسبة دارفور" في أروقة النظام السوداني والذي ينص على عقوبات قاسية ضد حكومة الفريق عمر البشير بسبب تدهور الأوضاع في إقليم دارفور وهو ما تعتبره العديد من المنظمات الدولية انتهاكات صريحة لحقوق الإنسان في هذا الإقليم ترتقي الى مستوى الإبادة الجماعية إلا أن العلاقات في مجال مكافحة الإرهاب بين الخرطوم وواشنطن تسير بخطوات حثيثة الى الأمام حيث صاغت إدارة الرئيس بوش شراكة استخباراتية وثيقة مع الحكومة السودانية التي كانت تتباهي فى مطلع التسعينات بأنها تقدم ملاذات آمنة للجماعات الأصولية المتطرفة باعتبارها خط الدفاع الأول عن الإسلام وخط المواجهة الأول مع أميركا. الخرطوم تستضيف كارلوس وبن لادن في عام 1989 وبعد الانقلاب العسكري الذي حمل الرئيس السوداني عمر البشير الى السلطة في السودان أعلن السودان أنه يفتح أراضيه لكل مسلم دون قيود وبدأت الخرطوم تستقبل جماعات إسلامية متشددة وأخرى قومية وعدد من المنظمات الفلسطينية الرافضة وشخصيات إرهابية مطلوبة دوليا حيث كان من أهم هذه الشخصيات إليتش رامير يز سانشيز المعروف بـ كارلوس.
وقد عاش كارلوس حياة عادية في الخرطوم حتى تم تسليمه من خلال صفقة بين الحكومة السودانية والمخابرات الفرنسية عام 1994 ليعتقل ويحاكم في فرنسا.
ويعتبر وجود زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وشبكته في السودان من أهم معالم ضلوع النظام السوداني في رعاية ودعم الجماعات التي تصنف دوليا بالإرهابية.
ففي مطلع التسعينات حول بن لادن استثماراته وأنشطته الى السودان بعد تصاعد المواجهة بينه وبين السلطات السعودية التي سحبت منه الجنسية السعودية بعد ثلاث سنوات من إقامته في السودان وقد منحت الحكومة السودانية تسهيلات كبيرة لبن لادن في تلك الفترة.
ومع تفاقم التوتر بين السودان وجيرانه تصاعد نشاط الجماعات المتطرفة في السودان والذي بلغ ذروته بتأسيس المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي الذي اختير الدكتور حسن الترابي أمينا عاما له كما اختيرت الخرطوم مقرا رئيسيا للمؤتمر الذي ضم في عضويته معظم قيادات حركات الرفض الفلسطينية والحركات الإسلامية المتشددة في العالمين العربي والإسلامي والعديد من الجماعات التي تتخذ مقارا أخري في بلدان أوروبية.
في عام 1993 وبعد أن أصبح السودان يشكل مصدر إزعاج لجيرانه والعالم وضعت إدارة الرئيس بيل كلينتون السودان في قائمة الدول التي ترعى الإرهاب معلنة أن السودان له علاقات مزعجة مع قطاع واسع من المتطرفين والإرهابيين المطلوبين في بلدانهم الأصلية وأكدت أن النظام السوداني يدعم الجماعات الإرهابية بما في ذلك التدريبات العسكرية والتوجيه العقائدي ووثائق السفر والأموال وتوفير ملاذات آمنة لأنشطتها.
السودان وقرابين التطبيع لقد أدى تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية على السودان الى بروز اتجاه داخل النظام الحاكم يدعو الى فتح قنوات الحوار مع الإدارة الأميركية للمحافظة على استمرار النظام الذي أصبح يعاني من مهددات داخلية وخارجية فيما اقترحت بعض الشخصيات الأمنية المتنفذة تقديم قرابين لفتح شهية الأميركيين وجرهم الى حوار مباشر مع الحكومة السودانية، وبالفعل فقد قدم النظام السوداني، الذي يصنفه العديد من السودانيين بالبراغماتية الانتهازية، عرضا للأميركيين والسعوديين بتسليم أسامة بن لادن لهما إلا أن الحكومة السودانية لم تجد إجابة شافية فيما نصحت أطراف متعاطفة داخل النظام السوداني بن لادن بمغادرة السودان. وبالفعل عمل بن لادن على تحويل أنشطته الى أفغانستان. وقد كشف بن لادن من خلال احدى خطاباته المصورة التي بثتها قناة الجزيرة محاولات إبعاده من السودان بشتى السبل متهما الحكومة السودانية بالغدر به والاستيلاء على بعض من أمواله المودعة في بنك الشمال السوداني.
ويبرر تيم كارني وهو آخر سفير أميركي لدى السودان تجاهل إدارة الرئيس كلينتون للعرض السوداني بقوله "إن هدف السياسة الأميركية في ذلك الوقت كان يبدو كسب التعاون مع نظام البشير لكن الأجندة الحقيقية هي إسقاط النظام وربما كان هذا هو السبب في عدم تجاوب الإدارة مع مبادرات السودان لاسيما في موضوع تسليم بن لادن."
إلا أن جون براندر غاست الذي عمل في مجلس الأمن القومي إبان إدارة الرئيس كلينتون الثانية
والملم بالملف السوداني يرى أن نظام البشير سيظل دوما ملتزما لمشروع الإسلام الأصولي مما يصعب تصديقه واصفا الحكومة السودانية بالانتهازية والمراوغة. إدارة الرئيس بوش ونقلة في العلاقات بين البلدين مع تولي إدارة الرئيس بوش لمهامها اتخذت خطوات هامة لتحسين العلاقات مع الخرطوم حيث عرض السودان في منتصف عام 2000 ضمن محاولات جديدة للتقرب من الإدارة الأميركية تسليم اثنين من المشتبه في تورطهما في أحداث تفجير سفارتي الولايات المتحدة في شرق أفريقيا عام 1998.
ففي عام 2001 التقى والتر كونشتاينر مساعد وزير الخارجية لشؤون شرق أفريقيا مع وزير الخارجية السوداني في كينيا ثم تبع ذلك لقاء آخر في لندن ضم كونشتاينر ونائب رئس المخابرات السوداني حيث تم استعراض أوجه التعاون المطلوب في مجال مكافحة الإرهاب. ورغم أن الاجتماع لم يحقق نتائج ملموسة إلا أن وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر و تداعيات تلك الأحداث على سائر دول المنطقة لاسيما السودان جعلت الحكومة السودانية أكثر استعدادا للتعاون مع واشنطن لتفادي أي إجراءات ضد السودان ضمن رد فعل الولايات المتحدة على تلك الأحداث حيث عقد اجتماع آخر في لندن أنجز ما عرف بالصفقة في مجال التعاون الأمني بين البلدين.
في نوفمبر 2001 تطورت العلاقات الأمنية حيث أصبح لجهاز المخابرات الأميركية محطة نشطة في الخرطوم وذلك بعد تقديم السودان لأكثر من 180 ملفا أمنيا وهي الملفات التي وصفتها السي آي إيه بالمهمة والمفيدة والتي أعطت معلومات تفصيلية عن شبكة القاعدة والعديد من الجماعات المتشددة الأخرى تم الحصول عليها من بعض أعضاء هذه الجماعات أثناء وجودهم وإقامتهم في الخرطوم وهو التطور الذي فتح الباب لشراكة أكبر بين الخرطوم وواشنطن في مجال مكافحة الإرهاب.
ويصف مسؤول سابق في المخابرات السودانية ملامح هذا التعاون عبر طائفة من الأنشطة شملت مراقبة عدد من المشتبهين الأجانب وتبادل المعلومات وتسليم مضبوطات لمتها المخابرات السودانية للإستخبارات الأميركية شملت تأشيرات سفر متقنة التزوير وجوازات سفر خالية من البيانات من دول عربية مختلفة فضلا عن إتاحة تحقيقات مباشرة مع عدد من أعضاء تنظيم القاعدة الذين آثروا البقاء في الخرطوم بعد اعتزالهم القاعدة.
هذا ما أكده حسب لوس انجلوس تايمز مسؤول الأمن القومي الأميركي السابق جون براندر غاست بقوله "لقد زود السودان أميركا بمعلومات قيمة حول إرهابيين مشتبه فيهم خاصة وأنهم يعرفون الألقاب والخلفيات المهنية وبياناتهم المصرفية وغيرها لأنهم غارقون في هذا المجال".
في ضوء هذه الخلفية من التعاون الأمني بين الولايات المتحدة والحكومة السودانية اتجهت الإدارتان الأمنيتان الى تعزيز شراكة أمنية في مجال مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات حيث أجري مدير المخابرات السودانية محادثات في واشنطن بدعوة خاصة من الاستخبارات الأميركية وصفت بأنها تؤسس لشراكة حقيقية وقد وصف مدير المخابرات السودانية هذه الشراكة لصحيفة التايمز اللندنية بقوله "أصبح لنا شراكة قوية مع الاستخبارات الأميركية والمعلومات التي وفرناها كانت ذات فائدة كبيرة للولايات المتحدة".
فيما أشار مسؤول سوداني أمني رفيع آخر في مقابلة أجرتها معه صحيفة لوس انجلوس تايمز في الخرطوم بقوله "إن المخابرات ألأميركية تعتبرنا أصدقاء وان السودان بلغ مستوي التطبيع الكامل في علاقاته مع المخابرات الأميركية الخارجية". العلاقات الرسمية المؤجلة وإزاء هذه الغبطة السودانية بالعلاقات الأمنية مع واشنطن اعتبر مسؤول رفيع في الاستخبارات الأميركية أن الشراكة مع السودان هي شراكة في طابق واحد من مبنى العلاقات الأميركية السودانية.
ويظل الوضع المتفاقم في دارفور وضغوط دول الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي على النظام السوداني بسبب سجله في مجال حقوق الإنسان فضلا عن تلويح أعضاء في الكونغرس بمشروع محاسبة دارفور بكل ما يحمله من عقوبات يظل عقبة كأداء أمام الحكومة السودانية في سعيها لحذف اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب رغم ما قدمته من قرابين كما يظل أيضا حجر عثرة أما تطبيع رسمي كامل الأوجه وتبقي العلاقات الأميركية السودانية تراوح مكانها بين تطور في المجال الأمني وتعثر في المجالات الرسمية الى حين إشعار آخر. حسن احمد الحسن
صحافي سوداني مقيم في واشنطن