الموت يراقص حرية الرأي والمصير

بقلم: خالد عيسى طه

يروى أن امرأة عجوز أستفحل فيها القلق على حفيد لها أراد أن يتحدى طبيعة الشتاء القاسية وراهن أصدقاءه على قطع النهر الثلجي. وجدت الجدة أن لا حيلة لها ولا قوة لمساعدة هذا الحفيد المجنون فهداها تفكيرها أن تخرج معه في غسق النهار وتصاحبه الى النهر حاملة معها بعض الحطب ومستلزمات أيقاد النار، ولما قفز الحفيد في الماء الثلجي أشعلت الجدة على شاطئ ذلك النهر النار وكلها أمل أن تمنع هذه النار عنه البرد حتى لا يموت هذا الشاب المجنون ليعطيه الدفئ اللازم!
أن شعوبا وشعوب أفرادها ينوون القفز الى المجهول رعبا من سياسة أمريكية رعناء وهجمة شرسة من يمين هذا التيار الجديد.
هذا العهد جاء به مسيحيون جدد تزاوجت فكرتهم مع النسق الصهيوني فأخذوا يروجون لفكرة ظهور المسيح بعد تصفية شوائب الشعوب المتأخرة والمقاومين لهذه النزعة اليمينية التي يبشر بها بوش وزمرته.
نجد أن في كل أجتماع يعقد في دهاليز واشنطن يخرج الاعلام بضوء خافت يشير أن هناك تحشيد طاقات لعقد مؤتمر في البرازيل بحيث يستطيع المؤتمرون أن يجدوا فسحة من الحرية وبعدا عن الارهاب الامريكي بحيث يفسرون المقاومة الفلسطينية حقا مكتسبا لشعب ثار بصدور عارية وأيادٍ طرية تحملها طفولة وثابة بريئة لتحقيق نصرا على قوى أحتلال أسرائيلية. مثل هذه الوثبة هي من سلسلة وثبات وثورات شعوب ضد مغتصبيها واخرها المقاومة الوطنية في العراق.
يخرج وعاض السلاطين مفسرين أن أي أنسان يطالب بالمقاومة وجلاء الاحتلال ما هو الا أرهابي أبن أرهابي. وأنا أسطر هذه السطور أراقب أحد الناطقين بأسم قائمة الائتلاف في حوار له على فضائية الشرقية، أني وأنا أسمع له هذه الحوارات أستطيع أن أتصور أن مثل هذا الكلام المنمق الذي يعلن ما لا يبطن ويحمل الكلمة أكثر من معنى ويجعل من السجع والترادف والبيان ما يعتقد أن هو هذا فن الحوار وهذا فن السياسة الحديثة والتعامل بها ناسيا أن مثل هذه المراوغة السياسية التي كانت شعار معاوية بن أبي سفيان مع أمير المؤمنين في واقعة صفين التي حولت التاريخ الاسلامي وجعلت أمير المؤمنين يكتفي بصدق القول والتقرب الى الله تعالى حيث أعلن موسى الاشعري في جمع من المسلمين أرادوا الاقتتال وهم يحملون مصاحف يقرؤونها معا ويصلون في اتجاه قبلة واحدة وهذا كان قبل ظهور الخلاف بين الشيعة والسنة بل كان خلاف طمع معاوية على السلطة وتحديه لامير المؤمنين.
نعم وقد أعلن الامام علي عزوفه عن السلطة والخلافة.
هذا الحس الديني الذي جعل أمير المؤمنين يضحي بالخلافة وجعل أبي الشهداء الحسين يقتل ظمآن ما كان الا الحذلقة في الحوار. فنحن لا نريد من يتشيع مع أمير المؤمنين ويتمذهب مع معاوية... ومن خلال حديث الناطق باسم الائتلاف أتمنى أن يكون حوارا جديا مع الذين يختلفون معه في طروحاته السياسية ليصار الى الاحتكام الى الناس والشعب.
أني أشبه الشعب العراقي في رجل يرمى في حفرة فيها أسد جائع مفترس كما كان يفعل نيرون في عهد الامبراطورية الرومانية حيث كان يرمي من يدعون الى عبادة المسيح الى حفر فيها حيوانات جائعة ويتلذذ بطريقة البطش بأعدائه.
أن الكثير من العراقيين الذين ربطوا مصالحهم في دولاب المحتل، قريبي الشبه بالطاغية نيرون الروماني يريدون التمتع بطريقة افتراس الاسد لضحيته وتزداد نشوتهم عندما يبدأ الاسد بافتراس ضحاياه في مدينة الصدر وانتقل منها الى أشرف بقعة في الارض ما جرأ أنسان بتدنيسها وهو يحترم نفسه.. تلك البقعة التي تضم رفاة أمير المؤمنين ثم أنتقل الى مدينة المآذن الفلوجة وأخذت جحافل الاسود الجائعة وطائراتها القاذفة ومجنزراتها الهادرة وجنودها المدربين على الفتك والقتل العشوائي لا يفرقون بين طفل رضيع وجنين في بطن أمه أو أمرأة الكل في الافتراس سواء.
أسد لا يقف عند حدود المعقول واللامعقول يريد أن يسيطر على ثروات العراق المعدنية ويشرب آخر قطرة من نفطه ثم يتجشىء ويقول لنفسه (عوافي).
ما أشد المي عندما أرى أفراد شعبي يؤكلون بولائم أفتراسية وتحت سمع وبصر الشعوب الخيرة وجمعيات حقوق الانسان ويزداد المي عندما أرى وأسمع بعضا منا ومن أهلنا من يقذف بكلام مزروق مبطن يصيغها كحبات اللؤلؤ حتى يقدمها الى الاستعمار ليبرر هذه المجازر التي يقدم العراق فيها آلاف الضحايا وكانت حكومة علاوي من أحسن القوالين لذلك.
من منا يشك أن الصقر له عيون ترى أبعد مما يستطيع غيره. والشعوب المبتلاة بالاحتلال لها عيون الصقر فالعراق له عيون الصقر وأفغانستان لها نفس العيون والشعب الفلسطيني له تصور وبعد نظر بما عليه أن يفعل من أجل طرد الاحتلال. هذه الشعوب تصل الى درجة أن ترى عينها الصقرية الثاقبة الى حقيقة أن ما من شعب قهره أستعمال القوة المفرطة على الرضوخ مؤقتا وتستطيع أن تنهيه من الوجود النضالي وأمثلة ذلك كثيرة ومتنوعة فهذا الشعب الايرلندي والآخر هو الفيتنامي ولا زالت حركة الباسك في أسبانيا واستطاعت حركة نضال نلسن مانديلا البطل الاسطورة الى غاياتها وكوبا وغيرها وغيرها بالعشرات وطريق النضال واحد يوصلنا الى طريق الحرية وأن تخضب بدماء الشهداء... مهما وجدنا أن عدد الفدائيين الاستشهاديين يتساقط على المذبح المشترك للحرية فأن هذا يعزز الزخم النضالي ويقوي عزم المقاومين للاحتلال.
نعم...أن الاحتلال يشجع الارهاب بعضا ويغمض العين ويتراخى في تعامله لقمعه حتى لو أتت من الزرقاوي... بل بعضهم يضن أن الكثير من التفخيخ والقتل تعود الى منظمات ارهابية تدار بأيدي أجنبية وهي معروفة الهوية!
يصر المتعاونون مع الاحتلال بقولهم أن الارهاب والمسألة برأينا هي مسألة خلط للاوراق في هذا القول. فتعريف الارهاب شيء وتعريف المقاومة شيء آخر وهم بذاتهم يعرفون الفرق ويتغاضون ويتغابون عن فهمه.
سنرى على الساحة العراقية رموزا تأتي وتذهب حسب الظروف ولكن سيبقى العراق خالدا وسيبقى رمزا للنضال وأمثولة لكل الشعوب التي تحفر خندق لحريتها بأيديها حتى ولو كانت عارية. المحامي خالد عيسى طه
رئيس منظمة محامين بلا حدود
ونائب رئيس جمعية المحامين البريطانية العراقية tahaet@yahoo.co.uk