الفتنة الطائفية حريق يلتهم الجميع

بقلم: نجاح محمد علي

قبل كل شيء، يجب أن نضع حدا لكل التصريحات والكتابات التي تُساهم في تفجير فتنة طائفية من العيار الثقيل، في عراق يبحث عن هوية جديدة بعد انهيار نظام صدام.
هذه الفتنة لن يشعلها الشيخ حارث الضاري، ولن تفتعلها منظمة بدر، ولا أي من العراقيين المخلصين لأنها ببساطة، فتنة يخطط لها بدقة خارج الحدود، ليلتهم حريقُها العراق والمنطقة وقد تعم لتشمل الجميع.
في اللطيفية ومناطق أخرى من العاصمة بغداد، ومدن أخرى، جرت وتجري حملات تطهير طائفية ودينية منظمة تستهدف الشيعة، وبعضها المسيحيين، وفي البصرة وأماكن أخرى، يُستهدف السنة بين تعرضهم لاغتيالات منظمة، واعتقالات والى ضغوط مختلفة، لاجبارهم على ترك مناطقهم..كل ذلك بذرائع واهية.
وقد حصلت منذ سقوط النظام السابق، حوادثُ اغتيال مريبة استهدفت أطباء وصيادلة من سنة وشيعة، ومن بين الصابئة المندائيين والمسيحيين، أدت الى هجرة قسم كبير الى اقليم كوردستان، والى الخارج خصوصا المسيحيين الى سوريا واميركا ودول أخرى.
بين السُّنة رجال يروجون لنهج غريب يعتبر الشيعة كفارا يجب قتلهم. وبين الشيعة أناس جهلة أو مشبوهون ينادون هذه الأيام بطرد السُّنة من العراق.
وقد تأكد في الحوادث الموثقة التي راح ضحيتها أبرياء، أن محسوبين على السُّنة باتوا "ينتعشون" بقتلهم الشيعة، فيما يمارس بعضٌ من الشيعة المشكوك بولائهم، وبـ"هدوء"، القتل السري لسنة بذريعة أنهم بعثيون أو متعاونون مع النظام السابق، أو للانتقام.
كما تنتشر هذه الأيام في بعضُ المواقع الأنترنيتية العراقية كتاباتٌ صفراء تحث على القتل والكراهية بين العراقيين. وكتب البعض ممن وضع نفسه قسرا في خانة الكتّاب، يدعو علنا الى قتل الشيخ الضاري، ووصفه بكلمات قاسية، فيما طالب آخرون باقامة جدار عازل بين السنة العراقيين واخوانهم الشيعة في المناطق التي تكثر فيها عمليات قتل الشيعة، وهم بذلك يمضون على خطى شارون العنصري.
لنرسم المشهد الذي سيكون عليه العراق، إذا اندلعت الحرب الطائفية، وهل ستنحصر هذه الحرب داخل حدود العراق الجغرافية، أم انها ستنفجر في عموم المنطقة لتوقظ بركانا سيُلقي بحممه بعنف في كل اتجاه ولن يوفر أحدا، مسببا خسائر واسعة ،وربما يصل الى السلم العالمي، من واقع أن السٌّنة والشيعة منتشرون في البقاع؟
وإذا كان البعض من الشيعة، يزعم أنه يرفض الفكر التكفيري القادم من وراء الحدود،ويدعّي أن من يمارس القتل العشوائي اليومي الذي تختلط فيه دماء الشيعي بالسني، يصطف مع "الارهابيين"، فكيف يسوغ له استمرار أعمال الارهاب التي لا تفرق بين عراقي وآخر، وبين دولة وآخرى، العمل على جر البلاد الى حرب طائفية ستلد بالتأكيد حروبا أخرى ليس في العراق وحسب، وانما في كل المنطقة والعالم؟
لنعترف أن الكثير من القضايا القابلة للتفجير كل لحظة، تسيطر الآن على العراق، ومنها الفيدرالية، وكركوك والنفط، ويعرف العراقيون انه من المستحيل وضع حلول سريعة لكل هذه القضايا إذا استمر التفجير الأمني بما يؤدي الى الحرب الأهلية،وعليهم إذن أن يحلوا مشاكلهم بوعي وبصيرة ورؤية مستقبلية تستفيد من تجارب الآخرين، مستذكرين فخ اللبننة أو الأفغنة أو البلقنة.
ويمكن القول في ضوء التصعيد الخطير الذي يشارك فيه الكثير عمدا أو جهلا، إن الشكوك بدأت تتكاثر عن الجهات التي تريد الاحتراب بين العراقيين من سُّنة وشيعة واكراد وغيرهم لدفعهم الى تدمير العراق ونقل حممه البركانية الى الآخرين.
وما يزيد في اشعال نار الفتنة ولايساهم في تهدئتها، دخول الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى على الخط بطريقة خاطئة عندما أعرب عن "قلقه البالغ" ازاء عمليات القتل التي حدد أنها استهدفت رجال دين سُّنة في العراق، ما يجعله في موقع لانستطيع أن نصفه بالحيادي، أو أنه على الأقل فقد هذه الحيادية وهي صفة لازمة لكل من يريد أن يقوم بدور الوسيط.
وكان الأحرى بموسى أن لايتدخل الآن خصوصا وأنه صمت طويلا أمام قتل الشيعة، لكي لاتعطي تصريحاته، الذريعة لتدخل مرجعيات من خارج العراق بحجة الدفاع عن الشيعة.
يجب القول أيضا إن الشيخ حارث الضاري قد يكون أخطا في إعلان اتهامه الصريح لبدر بالوقف وراء قتل أئمة مساجد وحراسهم من السنة، بدلا من أن يضغط سرا وبوسائل أخرى على الفاعليات الدينية والسياسية للتدخل وكشف ملابسات تلك الحوادث الغريبة. وفي المقابل يجب التحذير من جهات معينة تريد توريط بدر في الفتنة وهي التي تعرض عدد من قادتها ورموزها الى الاغتيال، مع العلم أن في منظمة بدر التابعة للمجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق، رجالا وطنيين، قاتلوا نظام صدام حسين على مدى عقود وقدموا التضحيات الجسام، ولايكفي أنهم كانوا في ايران ردحا من الزمن، لاتهامهم بالعمل لصالحها،وملاحظة أن ايران أخفقت عبر ممارسات خاطئة، في خطب ود معظم العراقين الذين لجأوا اليها (ومنهم معظم عناصر بدر)، وحولتهم عبر ممارسات خاطئة الى سفراء كراهية لها، وهذا ما يجب أن يدفع الى احتوائهم بدلا من الاستمرار في ربطهم قسرا بايران ولو معنويا.
ومهما يكن، فإنَّ على الذين ينظرون بعين الشك الى ولاء منظمة بدر، وعموم الشيعة العراقيين، أن يلحظوا الفروقات الكبيرة ضمن الطوائف الشيعية المختلفة. فالشيعة العراقيون قريبون ثقافياً من السنّة العراقيين أكثر من قربهم من شيعة إيران وهم أبعد الناس رغبة باندلاع العنف الطائفي، ولاتجيز أدبياتهم الفقهية قتل الآخرين لمجرد أنهم لاينتمون الى طائفتهم لأن الفكر التكفيري غريب عن منهجهم.
والسنّة الذين لم يكن نظام صدام يمثلهم يوما، لن يفكروا أبدا باشعال الحرب الطائفية التي لاتنسجم مع رغبتهم في البحث عن هوية جديدة خارج نسخة النظام السابق ونموذج طالبان.
صحيح أن الشيعة في العراق الذين عاشوا فترات طويلة من القهر والاقصاء، يعيشون اليوم حالة زهو وانتعاش ديني بعد فوزهم في الانتخابات التي جرت بغياب متعمد من السّنة، لكنهم يجب أن يبتعدوا وهم يعملون على كتابة الدستور، عن دمج الدين في الهوية والسياسة للنظام الجديد، لكي لايخلق هذا بينهم وبين الفئات الأخرى فضاءات شاسعة، لا تملأها سوى الصراعات المفتعلة.
وبكلمة: إن أولئك الذين يعتقدون أن فكرة تقسيم العراق، على أسس عرقية – طائفية، سيجنب البلاد الدخول في مأزق الحرب الأهلية، لايمكنهم الا أن يكونوا مخطئين، على الأقل في ما يشهده العراق اليوم من اصطفافات خطيرة.
إن تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات، شيعية، وكردية، وسنيّة، قد يؤدّي إلى فوضى هائلة خاصة وان التركمان يفتشون لهم على مقعد حول الطاولة، وهذا ما يغري بتدخل القوى الإقليمية، مثل إيران وتركيا ودول أخرى.
واما الحل فهو أن يضع الجميع مصالحهم في بوتقة العراق الموحد، ويبدأوا بحل أزمة المحاصصة على أساس من التفاهم والتوافق بعيدا عن تحديد سقف مسبق للمطالب، والتعاطي بواقعية لاتطرد السنّة إلى خارج المعادلة، وبادخال الشيعة والأكراد إليها، بعد أن كانوا خارجها في عهد صدام. نجاح محمد علي