انزلاقات غير مرغوبة في العراق

بقلم: هشام القروي

يواجه الفلسطينيون المقيمون في العراق ما وصفته بعض التقارير بعبارة "حملة معادية" منذ وقت وجيز، مما يفيد أن بعض القوي والجهات السياسية تتهمهم بالتورط في أعمال العنف المنتشرة في المدن العراقية وخاصة في العاصمة بغداد.
وصل الأمر الى حد أن الجالية الفلسطينية في العراق وجهت رسالة إلى المجلس التشريعي الفلسطيني تستعرض المخاطر المحدقة بها وتطلب النجدة.
قالت الجالية في رسالتها إنّ اللاجئين الفلسطينيين في العراق يعيشون حالةً من الخوف والرعب بعد أنْ تمّ اعتقال أربعةٍ منهم بتهمة التفجير في منطقة بغداد الجديدة.وبعد ظهور المتّهمين على شاشة التلفزيون العراقية، واتهام الفلسطينيّين بأنّهم همْ خلف هذه الأحداث سادت منطقة البلديات حالةٌ من الخوف والقلق على حياتهم.
وجاء في الرسالة أنّه في اليوم التالي لحادثة الانفجار 15/5/2005 تمّ اغتيال المدرّس كريم القاروط في منطقة اللطيفية، وبعدها قامت قوّةٌ من الشرطة العراقية والحرس الوطني التابعة للواء بدر الشيعيّ بإطلاق النار على التجمّع الفلسطينيّ في منطقة البلديات، واضطر الفلسطينيون لطلب الحماية للحيّ الذي يقطن فيه حوالي 15 ألف فلسطينيّ، وهو ما أمنته لهم أخيرا القوات الأمريكية. و رغم ذلك ما زالت حالة الخوف والترقّب وعدم تمكّن المواطنين من مغادرة منازلهم أو الطلاب إلى مدارسهم، وكذلك تمّ إغلاق كافة المحلات التجارية والمساجد في المنطقة.
ويذكر أن مصدرا في وزارة الداخلية سبق وأن أعلن أن إلقاء القبض علي الفلسطينيين الأربعة المتهمين بالتورط في عملية تفجير السيارة المفخخة وسط سوق شعبي، جاء بناء علي معلومات قدمت إلي وزارة الداخلية من قبل منظمة بدر وهي الذراع العسكري للمجلس الأعلي للثورة الإسلامية الذي يرأس أحد كوادره وهو بيان جبر صولاغ وزارة الداخلية، وتعتبر هذه المنظمة أحد مصادر المعلومات الأساسية التي تعتمد عليها الوزارة في الحصول علي المعلومات عن المشتبه بهم بالمشاركة في أعمال العنف المسلح أو المقاومة، كما لوحظ أن الفلسطينيين الأربعة الذين ظهروا علي شاشة التلفزيون وهم يدلون باعترافاتهم قد بدت عليهم علامات الخوف وظهرت عين أحدهم وهو عدنان عبد الله متورمة مما يخلق انطباعاً بتعرضهم لضغوط أجبرتهم علي الاعتراف.
وأدى اعترافهم بالتورط مع أحد العراقيين في تنفيذ تلك العملية وأنهم قاموا بها بتكليف من الفلسطيني سيد ابراهيم عيدي المقيم معهم في العمارات السكنية في البلديات وبدفع من سورية، إلي تفجر حملة منظمة قامت بها جماعات مسلحة تنتمي إلي بعض الأحزاب والتنظيمات الطائفية المشاركة في الحكومة الحالية ضد الفلسطينيين المقيمين في بعض مناطق بغداد، حيث قامت مجموعة غاضبة بإحراق محل الحلاقة العائد لأحد الفلسطينيين الأربعة المعتقلين والموجود في منطقة بغداد الجديدة، وقامت مجموعة مسلحة أخري بإطلاق النار عشوائياً علي مجمع العمارات السكنية المخصصة للفلسطينيين في منطقة البلديات القريبة من مدينة الصدر كما قُتل المدرس الفلسطيني يوسف ابراهيم القارور أمام المدرسة التي يعمل فيها علي يد مسلحين مجهولين في منطقة العبيدي، إضافة إلي مجموعة من المضايقات التي يتعرض لها باقي أبناء الجالية الفلسطينية المقيمة في العراق منذ الأربعينات من القرن الماضي والذين يصل عددهم إلي 20 ألف شخص تقريباً يتركز معظمهم في العاصمة. وتأتي تلك المضايقات بالرغم من نفي السفارة والجالية الفلسطينية لمزاعم تورط الفلسطينيين الأربعة وهم الأخوة عامر وعدنان وفرج عبد الله ومسعود نور الدين محمد في أية أعمال عنف مسلح في العراق كونهم أناسا فقراء لا هم لهم سوي السعي لتأمين المعيشة لهم ولعائلاتهم، ومع إعلان هيئة علماء المسلمين وديوان الوقف السني عن ثقتهم بعدم مشاركة المذكورين في تلك العملية وبراءتهم من تلك المزاعم وإدانتهم لتصرفات بعض الجهات الجاهلة والحاقدة علي أبناء الأمة العربية والساعية لعزل العراق عن محيطه العربي.
ولدينا بعض الملاحظات على طريقة التعامل مع هذه القضية:
أولا، لا نعتقد أن عرض متهمين بأي جرم على شاشة التلفزيون، لكي "يدلوا باعترافاتهم"، هو طريقة حضارية وديمقراطية. فالمتهم له حقوق ينبغي احترامها، وفي البلدان الديمقراطية، يكفل له القانون الحماية من هذه الأساليب، وتسجل اعترافاته بحضور محاميه ولا دخل للتلفزيون ووسائل الاعلام في هذه المسألة اطلاقا، حتى يوم المحاكمة. فافرض أن المحكمة تبرئ ساحته، كيف يعالج التشويه الذي أحدثه الاعلام ؟ ليس من المعقول بالتالي أن يبدأ النظام العراقي الجديد هذا العهد الذي يمهد للديمقراطية كما يفترض بتقليد الأنظمة الأوتوقراطية التي تضع وسائل الاعلام في خدمة وزارة الداخلية.
ثانيا، في الوضع الحالي السائد في العراق، ينبغي أن ينتبه المسؤولون الحريصون على توجيه البلاد نحو الديمقراطية الصحيحة الى وجود أحقاد متراكمة ورغبات ثأرية تنتظر الفرصة لتتحقق. فإذا أرادوا سيادة القانون، ينبغي أن يسارعوا بإغلاق باب "الفتنة" المتسللة عبر التحريض عن طريق التلفزيون ووسائل الاعلام وأن يضعوا حدا لتشويه سمعة الناس قبل أن تستمع اليهم المحاكم وتقول فيهم كلمتها. فمواصلة السير على هذه الطريق قد يفقد النظام الجديد أية مصداقية، ويجعله شبيها بالنظام الذي حاربه وأسقطه.
ثالثا، حماية الجاليات الأجنبية والأقليات في الأوقات العصيبة يعتبر على رأس أولويات الدولة، وتأمين الحماية للفلسطينيين وغيرهم واجب لا يمكن تركه للميليشيات، وانما تتولاه قوات الشرطة. وليس هناك دولة ديمقراطية واحدة تعتبر الميليشيات مصدرا موثوقا للمعلومات، التي يبنى على أساسها ملف عدلي. هشام القروي