المقاومة وتحديات العصر

بقلم: السيد نجم
مقاومة

أصبحت "المقاومة" مصطلحا حيا خلال العقود الأخيرة، وان عرف وشاع منذ زمن طويل، ربما يناهز عمر الإنسان على الأرض. يبدو أن ثورة الاتصالات الهائلة، مع مفاهيم العولمة الجديدة، جعلت من "المقاومة" وسيلة وغاية للأفراد والشعوب.
إن التحديات الجديدة التي يعيشها الجميع أبرزت قضية "الهوية"، كما كانت الأحوال مع بدايات القرن العشرين. فقد كانت بذور الاتصال الأولى مع الغرب في أواخر القرن الـ19، وما نتج عنها من قبول كامل للمعطى الأوروبي..ورفض كامل أيضا..ثم كانت فئة أخرى من المفكرين (الوسطية) بين هؤلاء وهؤلاء. وهى نفسها أحوال مثقف العالم العربي اليوم، وان بدا أشد وطأة.
فتحديات العصر الجديد..عصر المعلومات، والاتصالات، واكتشاف "الجينيوم البشري"، عصر يتسم بشدة وطأته حتى على رجل الشارع، وربما دون أن يدري.
إن كانت الزيادة السكانية تنمو على شكل متوالية هندسية، فالمعلومات تتضاعف مرة كل 18 شهرا. وان كانت شخصية "الرجل الأخضر" خيالية وبرع في رسمها أحد الخياليين في قصصه، فقد أصبحت الثورة التكنولوجية في مجال الطب مثلا، أوسع خيالا بعد كشف أسرار الخلية البشرية وعناصر الوراثة فيها. أما وقد سقط دور الدولة المركزي والاقتصاد الموجه، فلا حيلة أمام الجميع إلا البحث عن البدائل وقبول تحديات السوق الحرة، تلك التي لا تعترف بالاقتصاديات الصغيرة..على المستوى المحلى والدولي.
لكل ما سبق بات التخوف متعلقا بالجماعة الإنسانية وبنفس القدر على الأفراد.. هاهي الجماعات الإرهابية تنمو مع تناقض الوقائع السياسية والاقتصادية، حتى أن بعض الدول تمارس ممارسة الجماعات الصغيرة، وحتى أصبح تعريف الإرهاب (غير متفق عليه حتى الآن) قريبا من تعريف الحرب.
كما باتت الاتصالات فائقة السرعة وانتشار الإعلام للثقافات المختلفة، مع وسائل الإعلام الناقلة للعادات والقيم التي ربما تتناقض فيما بين الشعوب.. تلك الثورة وأثرها لا حيلة أمامها إلا الوعي بأبعادها وفهم خصائصها، حتى يمكن تجاوز السلبي منها والتقاط ما يمكن أن يكون ايجابيا.
وربما مفاهيم القومية التي شاعت مع الثورة الصناعية ونوقشت في القرن الـ18، تبدلت إلى مفاهيم الهوية والانتماء إلى الجماعة الأقرب (الوطن) الوطنية نوقشت في القرن الـ19، ربما بسبب اتساع التبادل التجاري في العالم أصبح مفهوم الهوية أقرب إلى الوطنية والوطن.
بالقياس ومع ظواهر العولمة الاقتصادية، لا حيلة إلا المزيد من الاقتراب من ألذات الجمعية للاحتماء بها وإبراز دورها.
لذا بدت الثقافة عموما، وثقافة المقاومة خصوصا من أهم معطيات القرن الجديد. ليس بسبب الآخر العدواني بالمعنى الشائع للعدو العسكري، بل للمعنى الأدق للعدو الثقافي والاقتصادي والاجتماعي، وأخرها العدو العسكري.
يبقى السؤال: كيف يمكننا الدخول في فعاليات العولمة وتحدياتها؟
ليس إلا بالتسلح بـ"الوعي"..سواء لملامح العصر الجديد، ومفاهيمه، وأمراضه أيضا. ليس مصادفة اكتشاف وانتشار مرض "الإيدز" خلال تلك الفترة التي تعبر في جزئية ثقافية منها عن الحرية الجنسية.. وليس مصادفة عجز المشروعات الاقتصادية الصغيرة عن مواصلة مشوار المنافسة (إلا بدعم من سلطة أعلى وأقوى كالحكومات)، وقد أعطت العولمة شكل الشركات متعددة الجنسيات التي في رأسمالها ما يفوق ميزانيات دول مجتمعة معا.
وأن التفوق التكنولوجي أعطى الإنسان الآن ميزات فاقت ما أعطته له طوال تاريخه على الأرض، كما في الزراعة (مثلا)..حيث أمكن استصلاح الأراضي وتوصيل المياه إلى الصحراء، مع غزو للبيئات المختلفة بمواد كيمائية جديدة، مع تغيير في التركيبة البيئية..فكان التخوف من الإخلال بالتوازن البيئي للكائنات على الأرض، وللطبقات العليا من الفضاء المحيط بالكرة الأرضية (كما في مشكلة ثقب الأوزون).
في البدء يكون الأطفال.. تلقين واكتساب مهارات ومعارف تتناسب مع المعطيات الجدية. ولا مقاومة واعية وحقيقية إن لم تبدأ بالطفل.
التعويل على الشخصية الثقافية المميزة للشعوب، مع البحث عن الايجابي الأصيل، وتجاوز السلبي الجامد. فليست كل الموروثات تستحق البقاء والتمسك بها.
ولا حراك اجتماعي وقبله ثقافي إلا بالوعي.. يبدو أن "أثينا" و"اسبرطة" أقرب الأمثلة لتقريب الصورة وتوصيلها. فالأولى اهتمت بالنمط الفكري العقلى للشخصية.. بينما الأخرى اهتمت بالنمط الجسدي وبالقوة كشكل لحياة ووجود الإنسان.
عموما الثقافة لا تنمو بلا تأصيل دائم ومستمر لها، ولا جديد إلا بالنظر إلى القديم. فالاهتمام بأدباء وشعراء الأمس البعيد لا يقل أهمية عن البحث على الموهبة الجادة في الشباب الجديد. ليس هذا في مجال الأدب وحده، بل على مستوى كل المجالات.
ليأتي الوعي بالتفكير العلمي ثم معالجة المستجدات من المشاكل بالطرق العلمية، هو في الحقيقة والأصل من أهم محاور المقاومة، وتحدى متغيرات وتحديات العصر الجديد.

السيد نجم Ab_negm@yahoo.com