المادة 76... والفرص الضائعة

بقلم: إسلام شمس الدين

أعترفُ بأنني كنتُ أحد الذين تسلل إليهم قبسٌ من الأمل في أن يكون تعديل المادة 76 من الدستور بداية حقيقية لإصلاح المناخ السياسي في مصر وتفعيل الممارسة السياسية الإيجابية بما يضمن مشاركة حقيقية وجادة لجميع التيارات والإتجاهات في إطار سليم، وبما يثري الحياة السياسية في مصر، ويخرجها من حالة الجمود المحيط بها على امتداد عقود طويلة. ربما هو من باب تعلق المقبل على الغرق بالقشة التي قد تنجيه إلى بر الأمان فهو على يقين من إنها مجرد قشة ربما تعبث بآماله، لكنه لايملك إلا التمسك بالأمل.
إن التعديل الدستوري للمادة 76 للسماح بانتخاب رئيس الجمهورية من بين عدة مرشحين بدلاً من نظام الاستفتاء الذي كان معمولاً به، على أهميته، إلا أنه ليس هدفاً، وإنما مجرد خطوة على طريق طويل نتطلع إلى وضع الحياة السياسية في مصر على بدايته بشكل قوي وفق أسس ثابتة تضمن لنا الاستمرار والتقدم نحو استقرار سياسي ديمقراطي.
لكن التعامل مع هذا التعديل وصياغته النهائية وردود الأفعال حوله تشير إلى أن هذه الخطوة لم تتحرك بنا كثيراً إلى الأمام، حيث جعلها الكثيرون مرادفاً للإصلاح، سواء من الأغلبية الحاكمة أو المعارضة والحركات الشعبية، وأصبح الجميع يتعامل معها باعتبارها الغاية والهدف، جاعلين نص المادة هو محور الصراع مستخدمين كل أسلحة الشعارات من رفضٍ أو تأييد أو تنديد أو موافقة أو معارضة أو تظاهر أو بيانات أو تبادل للاتهامات وصل إلى حد الشتائم، متجاهلين المكاسب الحقيقية التي كان من الممكن اغتنامها والتي من أهمها تفعيل المشاركة السياسية الإيجابية، ولو بشكل نسبي، وإعادة تفعيل دور الأغلبية الصامتة، وخاصة من المثقفين، التي أصابها اليأس والإحباط وفقدت الأمل في إمكانية حدوث أي تغيير حقيقي وغرس مبادئ ممارسة الحقوق السياسية والتمسك بها لدى جميع طبقات الشعب.
إن المنطق والشواهد وقراءة الواقع بشكل صحيح يؤدي بنا إلى استبعاد حدوث تأثير مباشر وسريع لتعديل نظام انتخاب رئيس الجمهورية في هذه المرحلة، إلا أن هذا لا يعني تفويت الفرصة لمحاولة تحريك الركود السياسي الذي أصاب الشارع المصري، على أن يكون هذا التحريك في الإتجاه الصحيح والإيجابي بعيداً عن الصراعات السياسية والحزبية، وبعيداً عن مجرد إطلاق الشعارات والبيانات التي ما عاد الشارع يهتم كثيراً بمضمونها. وهو ما لم تأبه به أي من القوى السياسية انشغالاً منها باغتنام أكبر قدر من المكاسب الذاتية وشغل أكبر مساحة من الصورة المسلطة حالياً على ردود الأفعال حول المادة 76 وما صاحبها من تحركات سياسية.
لقد تم مناقشة التعديل ووضع صياغته النهائية بعيداً عن مشاركة القوى والتيارات السياسية والشعبية متجاهلة المطالب والمقترحات المرجوة، مما يعني تفريغ التعديل من أهدافه الأساسية وهي تعميق المشاركة الديمقراطية واحتواء جميع الرؤى والاتجاهات السياسية، مما أدى إلى الوصول إلى صياغة موجهة نحو اختيار أوحد.
وهذه الضوابط التي أقرها مجلسا الشعب والشورى تكاد تشبه العرف الرياضي الذي يمنح فريق الدولة المنظمة لأي بطولة رياضية الحق في اختيار منافسه في مباراة الافتتاح، لكن الفارق أن الفريق يختار منافسه فقط في المباراة الافتتاحية، لكن ما فعلته الصياغة النهائية للمادة 76 من الدستور أنها منحت مرشحها الحق في اختيار منافسيه في البطولة بأكملها، ووضع العوائق والعقبات أمام أي منافس. وما يزيد الأمر سوءاً أنه لا يوجد في الأصل من الكوادر السياسية الموجودة على الساحة من هو قادر على استقطاب ثقة جماهيرية تؤهله لخوض انتخابات رئاسية، كما لا يوجد لدى أي من القوى السياسية برنامج سياسي محدد أو رؤية مستقبلية واضحة.
إننا على قناعة بضرورة وضع ضوابط عادلة لتنظيم الترشيح لانتخابات الرئاسة، حتى لا يتحول الأمر إلى لعبة "هزلية"، لكن الشروط "التعجيزية" التي أقرتها الهيئة التشريعية، ووفقاً لواقع الحياة السياسية في مصر، تجعل من التعديل مجرد مسألة شكلية لا مضمون لها ولن تحقق أي نتائج تتقدم بنا نحو إصلاح حقيقي.
إلا أن هذا لا يعد مبرراً لإسراع العديد من الأحزاب والحركات السياسية بالدعوة إلى مقاطعة الاستفتاء والانتخابات، ولا أفهم صراحة لمن توجه هذه الدعوة، إذا كانت المقاطعة الشعبية موجودة مسبقاً وبدون دعوات، ونابعة عن اقتناع من فقد الثقة في جميع القوى السياسية الموجودة على الساحة، وانعدام الثقة في إمكانية حدوث أي تغيير سياسي إيجابي على أرض الواقع.
كان أولى بالداعين إلى المقاطعة وما قد تسببه من تنامي مفهوم السلبية أن يحسنوا استغلال ما حدث من تحريك نسبي للجمود السياسي لتوجيهه نحو الاتجاه الصحيح بالدعوة إلى المشاركة الإيجابية والتوعية بأهمية ممارسة الحقوق السياسية والتمسك بها دون النظر إلى ما قد تحققه من تغيير مباشر أو عاجل.
وإذا كانت الأغلبية الحاكمة تتحمل جزءاً كبيراً من مسؤولية ما آل إليه حال الحياة السياسية من جمود، فإن الأحزاب والحركات السياسية تشارك في تحمل هذه المسؤولية بغياب الرؤية الواضحة، وتشوه العديد من المفاهيم، والتخبط في الكثير من المواقف دون دراسة أبعادها وآثارها، كما تعاني جميع القوى والأحزاب من عدم توافر الكوادر القادرة على دخول معترك الحلبة السياسية بشكل فعال. ونحن ننتظر تدارك الأحزاب والحركات السياسية المختلفة لهذا قبل الانتخابات البرلمانية القادمة فالرهان الحقيقي يكمن في وجود تمثيل حقيقي وقوي داخل المجلس الشعب لمجابهة انفراد الحزب الحاكم بمناقشة وصياغة ووضع وتمرير القوانين داخل البرلمان.
يكاد "مولد" المادة 76 ينفض بطرح التعديل للاستفتاء الشعبي في الخامس والعشرين من مايو دون تحقيق أي مكاسب حقيقية على أرض الواقع اللهم إلا التشدق بالشعارات وتبادل الاتهامات بين التيارات السياسية المختلفة لتحقيق مكاسب ذاتية لتصبح هذه الخطوة فرصة ضائعة لو أحسن استغلالها إنطلاقاً من المصلحة العامة، لربما كانت خطوة جيدة وبداية حقيقية نحو الإصلاح السياسي الذي يطمح إليه الشعب المصري.
وحتى تتاح للأغلبية الشعبية الصامتة فرصة أخرى، أظنها ستكتفي بلعب دور "المتفرج" على المسرحية الهزلية التي تؤديها بمهارة جميع القوى والحركات السياسية.

إسلام شمس الدين
مدير تحرير جريدة السفير العربي