في ذكرى اغتيالهما، لماذا قتلوا الرئيس عز الدين سليم ونائبه؟

بقلم: نجاح محمد علي

في أيار العام الماضي وبعد 17 يوما فقط من تعيينه، تم اغتيال رئيس مجلس الحكم الراحل عبد الزهراء عثمان المعروف بـ عز الدين سليم، ونائبه طالب قاسم حجامي العامري، ورحلا الى حيث الجنة التي أعدت للمتقين.
ونُقل عن الاسطورة أبومصعب الزرقاوي أنه تبنى عملية الاغتيال التي تمت على مرأى ومسمع من القوات الأمريكية قرب مقر الرئاسة في بغداد بما يثير الكثير من الشكوك حول الجهة أو الجهات التي أرادت أن تتخلص من الرجل وصاحبه.
ولا أدري الى أي مدى يمكن أن نصدق خرافة الزرقاوي، و"العجز" الأمريكي الواضح في التخلص منه، بالقتل أو الاعتقال، خصوصا إذا أستذكرنا أن القوات الأمريكية نجحت في اعتقال صدام، وهو يملك في العراق "حاضنة" للاختباء، وفشلت في القضاء على الزرقاوي ..الغريب عن هذه الديار!
إن مجرد اختيار الشهيد الراحل أبي ياسين، اسما أحبه من أيام النضال الطويلة المليئة بالألم والحرمان، والغربة القاسية، وهو عز الدين سليم في طريق عمله السياسي، يعني أنه كان يريد تمرير رسالة الى الجميع عن اعتداله الذي عُرف به، وإذن فان رحيل الاعتدال عن العراق يعني أن هناك من يريد جر بلادنا الى حافة السقوط في دائرة العنف والتطرف التي لا تبقي ولا تذر.
عز الدين سليم، اسم على مسمى ويعكس غاية في نفس رجل لم يتخل عن العزة يوما ولم يسقط في أمراض التعصب والجاهلية، فقد كان يريد العزة للدين كله ولو كره المشركون، واشترط لذلك أن يكون الانسان سليما من كل أمراض الطائفية البغيضة... وهكذا كان.
أعرفُ الشهيد الراحل وصاحبه بالحق "أبا محمد العامري" رفيق دربه حتى الاستشهاد والرقاد في مكان واحد بالقرب من الامام محمد باقر الصدر – وهذه منزلة- منذ أكثر من ثلاثين عاما، وقد نشأت بيننا علاقة متميزة خاصة جدا، استمرت حتى بعد أن اختلفنا سياسيا حول طريقة اسقاط النظام السابق، وكنا- رغم ذلك - نلتقي، أونتواصل بطرق مختلفة منها الهاتف أو عن طريق الأبناء إذ كانا رحمهما الله يحرصان على أن تبقى علاقتنا أصيلة بعيدا عن تثيرات كل العواصف.
أبوياسين، وهو في بغداد عضو في مجلس الحكم، أو رئيسا له كان يرسل لي نجله البار "ياسر" ليستطلع رأيي حول أمور عدة، أو أبادر أنا الى ابلاغه برأيي مادمت مقتنعا حتى الثمالة بطهره ونزاهته واخلاصه وعزوفه عن الدنيا.
أما العامري فلم يترك عادته الطيبة وهي تفقد اسرتي في طهران عندما أغيب عنها...حتى وهو غائب.
لن أتحدث عن تواضعهما فهذا الكلام يطول شرحه،
وبالنسبة لأبي ياسين أذكر هنا أنني رافقته في البصرة بعد سقوط النظام السابق، في جولته الخاصة جدا الى مسقط رأسه الواقع عند مثلث الهوير – المدينة - الهارثة، وجُلنا معا في تلك المناطق، وقبل ذلك مررنا على جامعة البصرة، وكان ينتظرني لأنجز بعض مهامي الاعلامية، قبل مواصلة أجمل رحلة ... ولأول مرة رأيته يبكي عندما كان يلقي خطابا في الجموع الكبيرة التي احتشدت لاستقباله.

أخبرني ياسر الذي رافقنا وتناوب معي في حمل الميكرفون لأبي ياسين، وأكد أنه شاهد مثلي، أباه يبكي لأول مرة أمام أهله وأحبته...فقد جبلا شامخا لم تهزه أعتى العواصف، ولم يشكو لأحد قط ما كان يمر بها من أزمات وهو سليل اسرة عرفت بالجود والكرم.
اٍسألوا أي واحد من العراقيين بصريا كان أم لا ممن عرفه وتشرف بمعرفته فلم يعشقه ولم ينم في منزله المتواضع الذي كنا نطلق عليه اسم " فندق أبي ياسين"، أو لم يأكل من على مائدته التي كان يمسحها بيده مبتسما وهو يردد: "تعلمنا في ايران نمسح السِفرة"، وأعرف أن زوجته وهي بنت الحاج الشهيد الراحل عبد الكريم الرديني ومن لايعرف هذا الرجل وكرمه وسخاوته.1
كان أبوه صديقي أيضا .. نعم (أكرر صديقي) ..كنتُ فتى يافعا أصلي في مسجد السيد طاهر ابو رغيف وكان الحاج عثمان صديق الفتيان والشبان وقريبا منهم .. يصلي معنا وكنا نلتقي في المسجد أو في منزل السيد ابو رغيف، أو في منزل الحاج أبوستار وأساله عن اخبار "ابي ياسين" فكان رحمه الله يحدثني بشوق عن نشاطاته في الكويت دون أن ينسى الدعاء له.
اتعلمون أن الحاج عثمان كان حافظا للقرآن ولنهج البلاغة ولم ينقطع يوما عن المسجد حتى في صلاة الفجر، ومنه نهل أبوياسين معنى الوفاء.
كنت أمزح كثيرا مع أبي ياسين، وأقول له أنت "شُني" أي شيعي وسني في آن، فاسمك برأي الجهلة يجمع بين نقيضين: عبد الزهراء وهذا يثير حفيظة من لايفهم معنى الاسم وحب الزهراء عليها السلام، واسم ابيك "عثمان" الخليفة الثالث رضي الله عنه.
فكان رحمه الله يبتسم ولا ينسى أن يرد بالنكتة المناسبة.
لم أعرف رجلا على الاطلاق يملك سرعة البديهية التي كان يملكها، فلكل مسألة جدية كانت لأبي ياسين "نكتة" خاصة بها، وربما ساجمعها يوما في كتاب.
أما الراحل الكبير "العامري" فكانت معرفتي به تمتد الى تلك السنوات عندما كان معتقلا في الفضيلية ببغداد وكنت أزوره، واستمرت علاقتنا ليصبح معلمي الأخلاقي، وراعيا لاسرتي ووليا لأمر أبنائي وبناتي، يحل لهم مشاكلهم ويساهم في بنائهم الروحي لكي يشعروا بمعنى كلمة "عم أو خال" في الغربة.
قبل سقوط النظام كنا نتحاور في منزل العامري حتى مطلع الفجر، وحرص هو على أن لا يقطع حبل الود المتين بيننا حتى بعد ذهابه الى بغداد وتعيينه نائبا لأبي ياسين، وكان يُطلعني على كل صغيرة وكبيرة في اجتماعات مجلس الحكم، ويبادر هو إذا جاء الى طهران، الى زيارتي واسرتي في المنزل، وبرفقته زوجته البارة بنت الراحل الكريم الحاج عطاء الله الجاسم.
علمتُ من الشهيد العامري أن أبا ياسين الذي أهتم كثيرا بتأسيس البيت الشيعي، لجمع الشمل ورص الصف، يرفض بشدة ماكان يقوم به بعض أعضاء مجلس الحكم من الذهاب علنا الى المرجع السيستاني، ليأخذوا رأيه، وكان يقول إن من شأن هذا التصرف أن يدفع بالأعضاء السُنة الى التوجه الى مرجعيات خارج الوطن، وهذا سيمزق العراق.
طبعا لم يكن أبوياسين يعارض الاستئناس برأي المرجع السيستاني وغيره من الشخصيات المهمة في العراق وخارجه، بل كان يؤمن بقوة بنظرية "لكل مقال مقال" وبأهمية أن لايشعر أهل الُسنة أنهم لا يملكون ظهيرا، ولكي يسد الذرائع أمام أي تدخل اجنبي في العراق.
ذات يوم اتصل بي من بغداد وتحدث معي حول موضوع معين، فاستثمرتها فرصة وسألته: لماذا تهاجم أمريكا وأنت تعمل معها ألا تخشى على حياتك منها؟
فأجابني ببرودة أعصابه المألوفة: دع الأمر بيني وبينك اليوم قال لي بريمر"صارت عليك 17 مرة" أي أنه كان يحصي عليه الانتقادات التي وجهها الراحل لسلطة بريمر، وأخطرها اتهامه لها بالوقوف خلف محاولات اشعال فتنة طائفية.
نقل لي الأخ والصديق ورفيق الهجرة الحاج أبو قاسم "مهدي حسن" من حركة الدعوة الاسلامية أن الراحل أرسل اليه ليعمل معه في مجلس الحكم، فذهب وعندما وصل الى بغداد قال له أبو ياسين وكان رئيسا دوريا للمجلس: "عد أدراجك ...لو كنت أملك الوضوح الذي أملكه الآن لما يجري في العراق لما وافقت على المشاركة في مجلس الحكم، وإذا مرت هذه الأيام بسلام فأسترك العمل معهم" أي أنه كان ينوي الاعتزال إذا بقي حيا فلم تمهله العاديات من الأيام.
لقد كان أبو ياسين والعامري مقياسا في الاعتدال وهما يناصران الانفتاح على الآخر... ولهذا قُتلا... لكي يعيش العراق اختناقات فكرية تؤدي الى أزمات طائفية، وأن الذين قتلوهما لايريدون للعراق أن يعيش بسلام.
كان عزالدين سليم يؤمن ببناء دولة الانسان التي من طرق بابها وجد الأمان...ولهذا قتلوه.
وكان العامري يرغب أن يرى العراق حرا موحدا مستقلا قويا لايطمع فيه الطامعون: وطنا لاطائفية فيه ولافتنة مذهبية وطنا للجميع ....ولهذا قتلوه.

جملة اعتراضية:
تألمت كثيرا وأنا أتابع مراسم انتخاب مجلس الرئاسة والحكومة العراقية الجديدة، وقد مرت المراسم دون ذكر للرئيس الراحل عبد الزهراء عثمان ونائبه طالب قاسم الحجامي العامري، عند الحديث عن شهداء العراق...لا أدري لماذا! نجاح محمد علي