شالوم في مطار ذي الكفل الدولي!

بقلم: سمير عبيد

فرح النجفيون والكوفيون وتقريبا الكربلائيون على إنجاز السلطة المدنية في محافظة النجف الأشرف، وحكومة علاوي المؤقتة حول التعجيل في تأسيس وتدشين مطار النجف، ولقد كثر الحديث عن هذا الإنجاز في الجلسات الخاصة ووسائل الإعلام، و الذي لا يرتبط مع الواقع المرير للمواطن ولمدينة النجف وللعراق أجمع، حيث الجريمة والفساد وانتشار المخدرات والبطالة، وطلاق المسئولين الذي غرروا بالشعب أبان الانتخابات الأميركية العراقية مع المواطن العراقي، وبدلا من تحسين وضع المواطن المعاشي والأمني تراهم يهدمون بمدينة النجف الأشرف، والتي يعود تاريخها لأكثر من ألف عام، وخصوصا المنطقة المحيطة بالصحن العلوي الشريف دون اكتراث إلى تراث وهوية وتاريخ هذه المدينة، ودون حتى إشارة أو إعلام إلى منظمة اليونسكو التي لابد من إعلامها كونها الجهة الدولية التي تُعنى بهذا الأمر، بل باشروا وبأوامر من الحيتان والديناصورات (المافيا) البرجوازية السياسية والدينية من أجل بناء وتشييد المطاعم والعمارات والفنادق والذي بدأ بأشراف الشركات الكويتية والإيرانية وبعض الشركات الخاصة المدعومة من إسرائيل، وحتما ستتحول هذه الفنادق إلى مواخير ليلية بحجة العمران وتحسين المدينة، ولكن الهدف هو طمس هوية المدينة في المستقبل وتحويلها إلى منتجع لا ترى بها غير لعبة السوق والبازار والقمار، والذي حتما يقابله طمس هوية النجف الدينية والتاريخية والاجتماعية، لذا نحذر من كارثة أخلاقية وتاريخية وقيّمية، وأن وراء ذلك مطامع إيرانية لتكون مدينة "قم" هي المنار الشيعي وليس النجف، ومن ثم هي مطامع إسرائيلية لتفكيك وتفتيت الرموز الدينية والتاريخية في العراق، ناهيك عن الهدف الذي هو برأس المايسترو الأميركي والإنجليزي ــ البريطاني ــ البغيض، والذي من خلاله يطلب الأخير مدينة النجف ثأرا تاريخيا يوم قاد رجال الدين والقبائل في هذه المدينة ثورة العراق أي ثورة العشرين من القرن المنصرم والتي طُرد من خلالها المستعمر الإنجليزي من العراق شر طردة، وهناك قول يُنسب إلى أحد القادة الإنجليز، ويقال هو "تشرشل" حيث قال "العراق أفعى ورأسها النجف!" أي أن جميع الثورات والانتفاضات ضد المستعمر والمنحل تخطط في هذه المدينة لموقعها الديني والاجتماعي المؤثر.
ولكن اليوم يبدو انتهى دورها بفعل المداهنة الشنيعة التي أبداها بعض رجال الدين والسياسة والقبائل مع المحتل هناك، وهو (سوء العاقبة والعياذ بالله) بحجة إعطاء الوقت الكافي للمحتل، وهو تبرير ساذج لا يُقنع حتى الأطفال، فالمحتل هو المحتل، والوطن هو الوطن، والشجاعة هي الشجاعة، والجبن هو الجبن، والعميل هو العميل، والوطني هو الوطني.. ولكن حتما بقي الشرفاء في تلك المدينة والمدن الأخرى، والذين يبغضون الاحتلال والمحتل وهم ذخر العراق والأمة!.
يحاول المسئولون في المدينة والمنطقة الخضراء ترسيخ أسم النجف على المطار الذي يزعمون إنه من إنجازهم هروبا من الحقيقة، ولكن الحقيقة هو مطار "ذي الكفل" وليس النجف الأشرف، وهو من فكرة وتخطيط وتمويل رجال أعمال من اليهود ومعهم رجال أعمال من العراقيين والإيرانيين، ومنهم من يسكن لندن والمانيا وعمان والكويت، والغاية هي لتعجيل قدوم "الحجاج اليهود" من إسرائيل إلى مدينة الكفل الذي يرقد بها أحد أنبياء إسرائيل أو كبار رجالهم المسمى "ذي الكفل" وبشكل مباشر، ولمن لا يعرف مدينة الكفل فهي ناحية تابعة إلى محافظة بابل (الحلة) إداريا وجغرافيا، ولكنها تقع بين مدينة الكوفة والحلة، وإن المطار المزعوم (الإسرائيلي طبعا) يقع ضمن جغرافية ناحية الكفل وبعض الأمتار من حدود مدينة النجف الأشرف.
ولقد كان مكان ذي الكفل متروكا ومهجورا طيلة السنين والعقود المنصرمة، حيث هناك فتوى أو مقولة شائعة في العراق أن هذا النبي هو الذي كفل اليهود فسمي ذي الكفل ولهذا قالوا فتواهم العتيقة في العراق "لا يُسب ولا يُحب" ويبدو حتى هذه الفتوى جاءت ربما بأوامر سرية من الحاخامات آنذاك، كي لا يُنبش هذا الأثر من قبل المسلمين وسكان المنطقة، و كي لا يُنسى ويتحول إلى حديقة أو كراج للسيارات، أو تُبنى عليه عمارة أو مؤسسة، بل بقي كما هو بل تحول إلى مكان لرمي النفايات، ولو بحثنا سر هذه الفتوى لوجدناها جاءت من رجال إيران الذين استوطنوا في النجف والعراق، وتسيدوا على هرم المرجعية الشيعية وهنا بيت القصيد، وحتما لهذه الفتوى أسرار سياسية كبيرة، خصوصا لو ربطنا الأمر بما يحدث الآن في النجف من مصائب وفنتازيا باسم الدين.
ولكن بعد احتلال العراق هرعت إلى مدينة الكفل وتحديدا مكان ذي الكفل قوة خاصة تابعة لقوات الاحتلال وتمركزت به، ومنعت السكان من الاقتراب إليه، ويقول شهود عيان لقد تم أخراج أشياء كثيرة من باطن الأرض وتم تحميلها إلى جهة مجهولة، وكذلك بدءوا بترميمه والاعتناء به ولازالوا، ولقد نشرت وسائل الإعلام في حزيران/ يونيو 2004 إن هناك مجموعات من الحاخامات ورجال التاريخ وخبراء الآثار دخلوا مدينة بابل وبعدها منع الزوار من دخول مدينة بابل وبأوامر من قوات الاحتلال، وتحديدا القوات البولندية وبقي المكان مغلقا لا يُعرف ما دار هناك من عمليات نبش وسرقات وإخفاء لمعالم كثيرة، ولهذا حرص السفير الأميركي السابق في العراق نغروبونتي أن يلتقط بعض الصور قرب أسد بابل المدمر، والغاية معروفة تماما وهي إهانة هذا الشعب وإهانة هذه الحضارة العريقة، ومن ثم هو ثأر من الملك البابلي نبوخذنصر كونه قاد السبي البابلي بحق اليهود في شارع الموكب آنذاك، ومن لا يعرف دولة بولندا فهي المعين والرافد إلى إسرائيل حيث معظم القادة في إسرائيل هم من أصول بولندية وعلى رأسهم شيمون بيريز وأيهود باراك وغيرهم، ولهذا دمرت الوحدة البولندية أثار بابل وطمست معالمها فلقد نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريرا في أيلول / سبتمبر من عام 2004 قالت فيه "أن العربات العسكرية البولندية سحقت أرصفة عمرها 2600 عام في مدينة بابل وهي التي تحتوي على أحد عجائب الدنيا السبع"، وقال التقرير "إن شظايا أثرية استخدمت لملأ أكياس الرمل، وتحولت آثار بابل إلى مهبط للمروحيات ومواقف السيارات، ولقد غطوا المنطقة بالحصى القادم من الخارج والمعالج بشكل كيمياوي" فأي حقد وتجاوز واستهتار هذا.
فأنها والله عقدة التاريخ التي تلازم أميركا وإسرائيل، فالتاريخ هو سفر وذكريات مكتوبة وآثار، وهو عمق ثقافي لأي أمة لذا فأي أمة تفقد تاريخها ستتشتت وتفقد هويتها، وهذا ما تريده إسرائيل وأميركا للعراق والعراقيين والعرب، وأن الهدف من مسح الهوية العراقية هو كون العراق أختزل الهوية العربية، ولهذا فمسح الهوية العراقية يعني تسهيل أو مسح الهوية العربية من خلال العراق، فلو نظرنا إلى مسيرة الإسلام فلقد بدأ في مكة وتحرك ونمى في المدينة لكنه تفاعل في العراق، حيث حدثت التغيرات والتلاقحات الفكرية مما تولد اتجاهات فكرية في أرض العراق، لذا جاء الخوارج، والقرامطة، والشيعة.... الخ، وباعتقادنا لم يتوقف هؤلاء قط ولديهم أمنية الاستيلاء على التراث والتاريخ في الشام (سوريا) أيضا حيث مقر الخلافة الأموية، ومن ثم الإستيلاء على الحضارة الفرعونية في مصر وحتما سيقولون نطلب فرعون ثأرا، وهذا سر شعارهم من النيل إلى الفرات!
ومن الجانب التاريخي فلقد كان العراق يمتلك قرار العرب والمسلمين حيث هو عاصمة العرب والمسلمين في الحيرة والكوفة والبصرة، أي أمتزج العرب في زمن العباسيين والعصور التي قبلها وبعدها في العراق، لذا فتدمير هوية العراق الثقافية والأثرية والتاريخية هو تدمير لهوية الأمة العربية، لذا فعملية نهب الآثار العراقية كانت مبرمجة وكانت (تسونامي) متفق عليه سلفا وضمن أوراق الحرب، ولقد جندوا لها الرجال ولهذا دخلت المجموعات من جهة الكويت وبدعم كويتي أميركي، و بزعامة بعض الشخصيات ومنهم الآن يجلسون أعضاء في ما يسمى بالجمعية الوطنية، كي ينهبوا أثار بابل والمتحف العراقي في بغداد، وكذلك هناك مجموعة توجهت صوب مدينة الموصل قامت بنهب متحف الموصل وتهريب الآثار ومسك قسما منها في باريس وهم الآن أعضاء في ما يسمى بالجمعية الوطنية، بل هناك بعض الشخصيات التي تجلس في حكومة الجعفري الآن تورطت في عمليات نهب التراث والآثار الخاص بالعراق وحضارة وادي الرافدين، وبالاتفاق مع إسرائيل وبعض الدول مقابل امتيازات سياسية ومالية ونفعية.
لذا لو عدنا إلى صلب الموضوع وهو مطار النجف والذي هو مطار ذي الكفل لنجده مشروعا صهيونيا إسرائيليا خالصا، وليس له علاقة بتنمية محافظة النجف أو نقل الزوار للعتبات الشيعية المقدسة فهذا تحصيل حاصل وبالأجور وليس مجانا، ومادام يدر المال فالمافيا الدينية والسياسية هناك لا تمانع إطلاقا، كونها حتى علاقتها مع الصحن العلوي الشريف في النجف الأشرف هي علاقة زبون وبنك، أو مستثمر وبنك فقط، لذا فمشروع المطار هو مشروع إسرائيلي وبتمويل رجال إسرائيل من الحاخامات والسياسيين ورجال الأعمال في إسرائيل وأوروبا، والغاية هو لنقل الزائرين اليهود نحو الكفل وبابل والعزير في مدينة العمارة، ومن ثم لنقل اليهود نحو العراق، وخصوصا الذين اشتروا البيوت والبساتين والمزارع والمقاطعات والعمارات بعد احتلال العراق وبوساطة من بعض السياسيين العراقيين، وكذلك لتسهيل عودة وسفر اليهود الذين هم من أصول عراقية وبشكل مباشر دون المرور على دولة أخرى.
لهذا رغبنا توضح هذه الحقيقة كي يعرف الشعب العراقي والعربي حجم وأهداف هذه الحرب، ولكي يعرف الهدف من إنجاز هذا المطار والذي يتبجح بإنجازه بعض المسئولين في مدينة النجف يوم أعلنوا قبل أيام أنه سيكون جاهزا بغضون أسابيع أو أشهر، وأنه سيستقبل حتى الطائرات الكبيرة (أنتم غير قادرين على توفير ساعتين من الكهرباء... أيعقل أنكم قادرون على فتح مطار بهذه السرعة وهذا الحجم...اصمتوا من فضلكم!).
لذا نكرر... فالمطار من فكرة وتخطيط وتنفيذ وتشغيل وإدارة مجموعة من التجار اليهود الإسرائيليين والإيرانيين ومعهم بعض العراقيين في لندن، وهم الذين أشركوا بعض رجال الأعمال الكويتيين، ومن ثم بارك ودعم الفكرة الحاخامات والسياسيين في إسرائيل.. لذا كفى تبجحا وكفى مراوغة، أنه فعلا زمن الانحطاط وتجارة الأديان وتغيير المصطلحات، أي أصبح الاحتلال نعمة والوطنية تهمة، والعميل شريف والوطني إرهابي، ولكن عمر الكذب قصير وتراب الوطن حتما له ثارات قادمة لا محال.
شالوم في مطار ذي الكفل الدولي! سمير عبيد
كاتب عراقي samiroff@hotmail.com