فئران موزمبيق تحارب الألغام القاتلة

استخدام الفئران يعد اقل تكلفة من الكلاب والمعدات الالكترونية

فيلنكولو (موزمبيق) - رغم السمعة السيئة التي تتمتع بها الفئران بسبب شكلها المقزز وخطورتها في بعض الاحيان إلا أنها قد تساهم في إنقاذ حياة البشر وهو أمر لا يعلمه إلا القليل من المختصين ويتحقق بالفعل حاليا في أفريقيا وتحديدا في موزمبيق.
في ساعات الصباح الاولى بمدينة فيلنكولو الصغيرة التي تبعد نحو 800 كيلومتر شمال العاصمة مابوتو وبعد 15 دقيقة تقطعها السيارة بعيدا عن قلب المدينة يظهر حقل ألغام لم يجر تطهيره بعد وأمامه أربعة من الفئران الكبيرة قابعة في أقفاصها الصغيرة على ألواح خشبية دون أن يزعجها الاصوات من حولها.
ومع انطلاق أول شعاع للشمس يخرج المدرب الفأر "روتا" من قفصه واضعا حزاما صغيرا حول الفأر وتبدأ المسيرة بالتحرك في الاتجاه المحدد لمكان العمل لتطهير حقل الالغام بمعدل عشرة أمتار في كل مرة.
المنظر غريب بالفعل فهناك اثنان من خبراء تطهير الالغام يرتدون الملابس الواقية من الالغام يثبت أحدهم حبلا بطول متر مربع واحد على الساق اليسرى وبدون تردد يتعلق الفأر بالحبل ويسير في اتجاه الخبير الاخر الذي يبعد عشرة أمتار مشتما أثناء ذلك الارض بتركيز كامل مستديرا ومتقدما واضعا انفه في العشب وفجأة يقف الفأر ويبدأ في خربشة الارض ومحاولة حفرها وهنا يعرف المدرب أن الفأر "روتا" اكتشف لغما أرضيا بالفعل وعلى الفور يحدد شخص ثالث علامة حول الموضع بحيث يمكن إخراجه لاحقا بواسطة جهاز تطهير الالغام ونزع فتيله بعد ذلك. وهكذا تستمر العملية باستخدام الحبل بمسافة نصف متر في كل مرة.
وتعد عمليات تطهير الالغام من أصعب وأخطر المهام وأكثرها كلفة وتكرس فيها الجهود ابتداء من المختصين إلى الكلاب والماكينات.
وفي الوقت الذي يصلح فيه استخدام ماكينات الرصد والتطهير فوق الاراضي المسطحة فقط ظهرت الفئران وبنجاح عظيم في الفترة الاخيرة كعنصر فعال في الكشف عن الالغام الارضية.
ويرجع الفضل في هذا الموضوع إلى المهندس البلجيكي "بارت فيتجنز" المتخصص في تصميم المنتجات والذي لم يعجبه عمله بين المكاتب ففضل تغيير مسار حياته معتمدا على تعوده منذ كان صغيرا على تربية الفئران.
وعندما شاهد "فيتجنز" الامريكان وهم يجرون التجارب على الفئران الصحراوية المنغولية للتعرف على الالغام الارضية من خلال حاسة الشم بوضع إلكترود في مخ الفأر فكر المهندس البلجيكي في تطوير التجربة وبدون استخدام أو زرع أي شيء في رأس الفار.
وعلى الفور استقال "فيتجنز" من عمله وبدأ سلسلة من الابحاث استغرقت أعواما وظل يعيش معتمدا على معونات الشئون الاجتماعية حتى استطاع من خلال مساعدة خبراء علوم الاحياء تطوير طريقة نجحت في تدريب نوع من فئران جاميبيا الضخمة.
وللفئران مميزات كبيرة في مجال الكشف عن الالغام تفوق بكثير الكلاب المدربة فهي من ناحية تتمتع بحاسة شم على نفس مستوى الكلاب وربما تفوقه ومن ناحية أخرى تقلل تكاليف الاستخدام عشر مرات تقريبا عن تلك التي تحتاجها الكلاب فهي تأكل أقل وتتوالد بسرعة ويسهل نقلها ورعايتها بالاضافة إلى تكيفها مع البيئة المحيطة وعدم تعودها على مدرب واحد فقط كما أن وزنها يحول دون انفجار اللغم.
يبلغ وزن الفأر الواحد نحو 1.5 كيلوجرام ويبدو في حجم القطة الصغيرة ويمكنه تخزين الطعام بداخله لفترة طويلة ويلفت النظر بذيله نصف الابيض وبطنه ذات اللون الفاتح.
ويحصل الفأر على مكافأة عند اكتشافه للغم وهي عبارة عن بعض قطع الموز والفول السوداني وأثبتت التجارب أن جوع الفئران يجعلها تركز تماما على عملها وأنها تحتاج لنحو ثلاثين دقيقة لفحص كل مئة متر مربع.
وللتأكد من عدم إغفال الفأر لمكان وجود اللغم الارضي يترك المدربون فأرين أو ثلاثة على نفس المسافة لمراجعة الموقف مرة أخرى.
وحتى الان حققت الفئران نجاحا منقطع النظير في اكتشاف الالغام خاصة إذا علمنا أن أجهزة رصد الالغام تصدر إنذارا فور اكتشافها لاي جسم معدني ولو صغير مما يصعب من عملية التطهير في ظل انتشار الشظايا المعدنية تحت الارض.
وأطلق المهندس البلجيكي وزملائه اسم "أبوبو" على منظمته وهو اختصار معناه "تطوير وسائل تطهير ومكافحة الالغام المضادة للافراد" وتتلقى المنظمة دعما من الحكومة البلجيكية والاتحاد الاوروبي وجهات مانحة أخرى وتتعاون بشكل كبير مع جامعة تنزانيا حيث بدأت التجارب على تدريب الفئران هناك ومن المخطط قريبا أن تستخدم هذه الفئران في السودان أيضا.
وتنتمي موزمبيق إلى مجموعة الدول التي تحتاج لعشرات السنين للبحث عن الالغام الارضية حيث يقدر الخبراء أعداد الالغام الارضية التي زرعت أثناء الحرب الاهلية التي استمرت 16 عاما وانتهت في عام 1992 بنحو مليوني لغم وراح ضحيتها حتى الان آلاف القتلى والجرحى المشوهين ولكن منذ أن بدأت أعمال البحث في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بمدينة فيلنكولو الصغيرة توفي أحد الباحثين عن الالغام عندما انفجر فيه أحد الالغام.
وتشير الاحصائيات الرسمية إلى أن الفترة من عام 1997 حتى 2003 شهدت نزع نحو 30 ألف لغم طهرت بها مساحة تبلغ 35.6 مليون متر مربع من الاراضي وهي مساحة قليلة إذا علمنا أنه ما يزال هناك ألغام مزروعة على امتداد 346 مليون متر مربع يعيش بالقرب منها نحو مليون موزمبيقي من بين عدد السكان الذي يبلغ 19 مليون نسمة.
طموحات المهندس البلجيكي مع فئرانه لا تتوقف فهو يعتقد قدرة الفئران على اكتشاف بكتريا مرض السل الذي يذهب ضحيته مليوني شخص سنويا.
ويقول المهندس الطموح أن التجارب أثبتت عدم قدرة أي خبير معمل على فحص أكثر من 20 عينة لعاب يوميا في الوقت الذي ينجز فيه الفأر نحو 150 عينة في ثلاثين دقيقة فقط وهذا يؤدي إلى رخص تكاليف التشخيص لمرض السل وهو أمر يفيد الدول الفقيرة على وجه الخصوص.