القودة تنهى أكبر خصومة ثأرية عرفتها مصر

الصلح خير

سوهاج (مصر) - أنهت القودة " اكبر خصومة ثأرية عرفتها مصر حيث حمل 17 شخصا من عائلة عبد الحليم أكفانهم وقدموا أنفسهم لافراد عائلة الحناشات الذين أعلنوا عفوهم عن 17 شخصا في المصالحة الكبرى التي جرت بقرية بيت علام بمحافظة سوهاج في صعيد مصر الثلاثاء وبذلك تم إغلاق ملف مذبحة بيت علام الشهيرة التي جرت في العاشر من شهر آب/أغسطس عام 2002 أي بعد عامين و9 شهور من الحادثة التي راح ضاحيتها 22 قتيلا و3 مصابين من عائلة الحناشات في كمين نصبة لهم مجموع من أفراد عائلة عبد الحليم في إطار مسلسل الثأر الدامي بين العائلتين الذي بدأ عام 1991.
وكانت الأحداث بدأت بمقتل محمد يوسف من عائلة الحناشات واتهم بقتله أبو الفتوح عبد العال من عائلة عبد الحليم والذي قضت المحكمة ببراءته ثم مقتل همام عبد الرحيم كبير عائلة عبد الحليم واتهم بقتله حلمي احمد ومحمد السمان من عائلة الحناشات.
وفى صبيحة يوم محاكمة الاثنين أعدت عائلة عبد الحليم كمينا لـ 25 شخصا من عائلة الحناشات حيث قتل منهم 22 وأصيب 3 آخرون .وقضت محكمة جنايات سوهاج على أثرها بإعدام 6 والأشغال الشاقة لعشرة آخرين من عائلة عبد الحليم .
حضر المصالحة فضيلة الإمام شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوى ومحافظ سوهاج اللواء سعيد البلتاجى واللواء جمال الجوهري مدير الأمن .
واختلف المؤرخون حول موطن نشأة وانتشار ظاهرة الثأر التي تنتشر في بعض البلدان العربية مثل مصر واليمن فمنهم من أرجعها إلى العصر الفرعوني ومنهم من أعادها إلى موسم الهجرة العربية إلى مصر والتي جرت في أعقاب الفتح الإسلامي مشيرين إلى أن الثأر كان معروفا وسط القبائل العربية قبل الإسلام حيث كان الاقتتال ينشب بين القبائل في حال قتل شخص أو قتل ناقة كما جرى في حرب "البسوس".
وقد اعتمد المؤرخون الذين أرجعوا ظاهرة الثأر إلى عصور الفراعنة في تأكيد ذلك على أسطورة إيزيس وأوزوريس وكيف دفعت إيزيس أبنها حورس للأخذ بثأر أبيه من عمه.
وينفرد صعيد مصر عن بقية أقاليم البلاد في انتشار ظاهرة الثأر بين سكانه الذين سقط العشرات منهم ضحية لتلك الظاهرة التاريخية التي تأبى أن تغادرهم حتى اليوم والتي راح ضحيتها 22 شخصا دفعة واحدة في أحداث بيت علام الشهيرة في محافظة سوهاج.
وفي محاولة للحد من تلك الظاهرة ومواجهتها والتقليل من عدد ضحاياها فقد لجأ المصلحون ورجال الدين في الصعيد إلى إجراء المصالحات بنظام "القودة" الذي يرضي أهل القتيل ويحفظ كرامتهم بين ذويهم ويحمي القاتل وأهله وينجيهم من موت محقق.
وقد نجح رجال الدين والمصلحون والوجهاء في إتمام عشرات المصالحات الثأرية بنظام القودة في المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا والأقصر وأسوان وخاصة بعد أن وفرت لهم الأجهزة الأمنية دعما كبيرا بعد أحداث بيت علام.
والقودة لغة هي "الجودة" لكنها حرفت وصارت تنطق "قودة" حيث تقول العربية جاد..يجود..جودا والجودة يجود بها المحقوق "أي الذي عليه الحق" فيقدم نفسه حاملا كفنه لصحاب الحق الذي يجود بدوره بالعفو عن المحقوق والأجاويد من يقومون بالصلح ويتوسطون بين المتخاصمين.
وينشط الأجاويد لإتمام اتفاقيات المصالحات لإنجاز ما يسعون له من حقن لسفك الدماء ونشر المحبة والسلام بين الناس.
وللقودة أو الجودة تاريخ طويل لدى العرب وتختلف في معناها والتزاماتها من بلد إلى بلد ومن أنواع الجودة التي عرفها العرب رحيل القاتل وأهله من بلد القتيل مدة لا تقل عن دهر أي مئة عام.
وكذلك قيام القاتل بتقديم نفسه إلى أهل القتيل في جمع من الناس يتقدمهم أعيان البلد ورؤوس العائلات حتى يعفو عنه أهل القتيل تقديرا للمجلس والجمع الكريم وبذلك يكون قد احتفظ القاتل بحياته وحافظ أهل القتيل على كرامتهم وعزتهم وأكدوا قوتهم لبني قومهم وهو أمر معمول به في المصالحات الثأرية بصعيد مصر.
ويروى من تاريخ المصالحات الثأرية في صعيد مصر أن أحد الأجاويد المصلحين ويدعى الشيخ أبو القاسم الحجازي كان يقوم بمحاولة لإتمام مصالحة ثأرية بين عائلتين.
فاشترط أهل القتيل أن يقبلوا القودة ويعفو عن القاتل بشرط أن يأتي القاتل وأفراد عائلته حاملين أحذيتهم فوق رؤوسهم. ولما وجد الشيخ الحجازي أن القاتل وأهله لن يقبلوا بهذا الشرط لم يخبرهم به حتى تتم المصالحة وتحقن الدماء.
ولما حان موعد القودة واقتراب القاتل وأهله من مكان إتمام المصالحة صرخ الشيخ الحجازي فيهم قائلا "أن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يحضر المصالحة معنا.. وأن المكان صار طاهرا في تلك اللحظات ولا يجوز أن يدنس بالأحذية فما كان من القاتل وأهله إلا أن خلعوا أحذيتهم ودخلوا مكان المصالحة حفاة وتمت القودة وتصالحت العائلتان .