الزين الحداد: الأغنية الأصيلة تعود للساحة من جديد

تونس ـ من إيهاب سلطان
أنا مسئوليتي أغني

عرفه الجمهور التونسي مطربا أصيلا وصوتا رخيما عندما أطل في إحدى حفلات التليفزيون الوطني عام 1980 برائعة "العالم بيضحك والدنيا تغني"، ثم توالت أعماله التي استطاع بها أن يتربع في قلوب الجمهور التونسي مطربا متميزا وصوتا قويا، إنه الفنان والمطرب الأصيل الزين الحداد الذي التقته ميدل إيست أونلاين وكان هذا الحوار. في البداية من هو الزيني الحداد؟ أنا أصيل مدينة القيروان وهي المدينة الأثرية المتميزة التي جمعت بين الحضارة بآثارها الفريدة وبين الفن بألوانه المختلفة، حيث نمى وترعرع فيها الشعراء والرسامون والفنانون التشكيليون والموسيقيون والمطربون كافة مدارس الاختصاص الفني الفريد، وفيها كانت بدايتي كهاو، ثم انتقلت إلى تونس لدراسة الموسيقى في معهد الراشدية، وفي الغناء الفردي بفرقة المعهد جاءت الفرصة لأطل على الجمهور التونسي في مناسبة لتقديم أغاني تراثية في يوم 28 إبريل عام 1980، وكان يوما تاريخيا بالنسبة إلي حيث نقل التليفزيون التونسي الحفل مباشرة، واكشفني الجمهور كصوت جديد بأغنية " العالم بيضحك والدنيا تغني" وهي رائعة المطرب الكبير الراحل على الرياحي، وبعد ذلك حاولت أن أقدم أغاني في نطاق الحفلات الشهرية التي كان ينظمها المعهد.
وجاءت فرصة أخرى مع فرقة المعهد، حيث سافرنا إلى سوريا في نطاق سياحي في مارس 1982 وقدمت مع الفرقة مجموعة من الحفلات، ثم تواصل نشاطي في تونس خاصة في العروض الخاصة بمهرجان المدينة الذي يقام في رمضان الذي يقدم كل ما هو ثقافي وفني، وأيضا قدمت العديد من الأغاني الخاصة بي والمنوعات التليفزيونية والسهرات الإذاعية، وأيضا تمثيل تونس في المهرجانات الدولية والسهرات العربية.
وعلى المستوى الشخصي أنا مدير وكالة للتأمين في تونس، ويبقى الفن بالنسبة لي هواية حتى الآن، حيث أمارس الفن لإشباع هوايتي وبروح الهواية وأخلاقيات الاحتراف، بمعنى روح الممارسة وتبقى طريقة التعامل مع الفن طريقة المحترف سواء في معاملاتي مع رجال الأعمال أو التعريف بنفسي والانضباط وغيرها.
كما أنني زوج ولي ابنان، إحداهما ـ زياد ـ يكمل دراسة الماجستير في الدراسات العليا التجارية، والثاني ـ محمد ـ في البكالوريا. ما تزال الأغنية التونسية لا تعبر الحدود، ما سبب وراء ذلك؟ الأسباب عديدة من بينها عدم وجود مؤسسات إعلامية وتجارية خاصة تأخذ على عاتقها اكتشاف الفنانين ودفع الأغنية التونسية خارج الحدود، وتعريف الجمهور العربي به وبالأغنية التونسية، فالمستثمر التونسي لا يريد استثمار أمواله في الفن، وأيضا هناك سبب آخر، وأقولها بكل صراحة، فالفنان التونسي عندما يقدم الفن التونسي خارج الوطن يغني أغاني خليجية ومصرية وشرقية وبالتالي لا يوجد تعريف بالأغنية التونسية وإن تواجد فهو ضئيل جدا.
والسبب الأخر هو أن الإعلام العربي لا يتحمل على عاتقه مسئولية نشر الأغاني العربية بكافة لهجاتها، فالمحطات التلفزيونية العربية لا يوجد بها سهرة غنائية تونسية، ولا تنتج سهرة تونسية، وبالتالي فهي لا تساهم في تعريف الجمهور العربي بالأغنية التونسية، وكم أتمنى أن يهتم الاتحاد العام لإذاعات الدول العربية بكل الإنتاج العربي ويعمل على نشره على مستوى الدول العربية لإعطاء فرصة للجمهور العربي أن ليكتشف ويتعرف على الألوان المختلفة للغناء العربي والمطربين العرب، وتجسدت هذه الفكرة في دار الأوبرا المصرية عندما نظمت حفلات عربية في رمضان بحيث تقدم كل دولة فنها ومطربيها على مسرح الأوبرا.
كما يمكن أن تعبر الأغنية التونسية الحدود بما يتناسب مع تاريخها وعراقتها إذا دعم الإعلام العربي الأغنية التونسية وتنويع الإنتاج العربي وسيحدث حينئذ قفزة فنية كبيرة للأغنية العربية بصفة عامة والأغنية التونسية بصفة خاصة. ما اللون الغنائي الذي يميل إليه الزيني الحداد أكثر من غيره؟ أنا مطرب تونسي، وأحاول أن أعرف الجمهور العربي الأغنية التونسية بقدر الإمكان، وأحاول أن أخدم الأغنية التونسية سواء على مستوى المحلي أو المستوى العربي والعالمي بما يحافظ على خصوصية الأغنية التونسية، ولهذا أميل للطرب الأصيل الكلاسيكي، وقد غنيت لمحمد عبد الوهاب وكارم محمود وإبراهيم حمودة وغيرهم من كبار المطربين. أنت مطرب الجوائز ورغم ذلك لم تحقق انتشارا في الوطن العربي؟ لقد حصلت على جائزتين، الأولى في مهرجان الفيديو كليب بمدينة شرم الشيخ المصرية، بعنوان "اش تيه الدنيا بلاش أنت" عام 2002 ـ ومعناها ماذا تساوي الدنيا بدونك ـ والجائزة الثانية لأغنية دينية عن الحج بعنوان "تشويق الحج" والتي تحكي عن شوق الحاج لزيارة بيت الله الحرام، وذلك في مهرجان الأغنية و الصورة في تونس عام2003.
وبالنسبة لانتشاري، فأنا مسئوليتي أغني وانتج أيضا الألبومات الغنائية الخاصة بي، وليس دوري تسويق وتوزيع تلك الألبومات، فهناك مؤسسات مختصة في التوزيع والتسويق، وأطراف أخرى متخصصة في انتشار الفنان من أهمها شركات الإنتاج الخاصة، وهنا يعرض لي التليفزيون التونسي، ولعلها فرصة عظيمة أن أقدم له الشكر والامتنان بعض الكليبات الخاصة بي وعددها ست كليبات، وأيضا يحرص التلفزيون على عرض الأغنية التونسية للعديد من الفنانين التونسيين وكان لي الشرف أن أكون واحدا منهم، كما تساهم وزارة الثقافة التونسية في إنتاج البومات العديد من المطربين التونسيين وتدعمهم. هل هناك رجوع للأغنية الأصيلة اليوم؟ هناك رجوع كبير إلى الأصالة في الغناء واللحن والكلمات، وما يسر له حاليا أن فئة هامة من الجمهور يحاول البحث عن شيء مفقود، وهو النمط الموسيقي الأصيل المفقود الذي يدغدغ الأحاسيس، خاصة عندما تعرف أن النمط الغنائي الصاخب والراقص ما هو إلا سحاب يمر ولا يترك ورائه أثر، والجمهور قد مل من هذا النمط بعد أن انتشر بشراسة في كافة وسائل الإعلام. العري بات سمة من سمات الفيديو كليب العربي، ما رأيك في هذا؟ أنا لا أسميه فيدو كليب، وإنما هو شريط إباحي قصير، فالكليب يجب أن يحمل في مضمونه هدفا، ورسالة، ويعكس الأغنية بكل تفاصيلها، وهو ما تفتقده الكثير من الأغاني المصورة فيديو كليب، وتتميز غالبيتها بالعري الفاضح ونشاهد مطربة تغني بقميص النوم وتدعي انه فن. الغريب أن الأغاني المتدنية تحقق ملايين من الأرباح على عكس الأغاني الأصيلة. فما هو سبب ذلك؟ النجاح في الألبومات التجارية هو نجاح مادي بحت وليس نجاح فني وهو ما يفسره تحقيق الملايين من ورائه البعض، بينما هناك آخر يعرف بالنجاح الفني والتجاري وهو الطرب الأصيل، حيث يحقق نجاحا تجاريا كبيرا وأيضا نجاح للأغنية، والمثل على ذلك نجاح البومات عبد الحليم حافظ، وعبد الوهاب، ووردة وأم كلثوم والتي ستبقى إلى آخر الزمان. وماذا عن رحلتك إلى مصر؟ سافرت إلى مصر لتمثيل تونس في حفلة التي أعدتها دار الأوبرا المصرية في رمضان قبل الماضي تحت عنوان سهرات عربية، وكان في كل ليلة تشارك دولة عربية في إحياء سهرة غنائية، وقد قدمت كافة الأعمال التونسية وألوان الموسيقى التونسية، وقد أتقنت الاستعداد جيدا لهذا الحفل من خلال طبع برنامج للسهرة الذي ضمت وصلة من المالوف التونسي ـ الموشحات ـ وأنا أحرص كل الحرص على تقديم هذا اللون من الغناء، كما قدمت مجموعة من أغاني الخاصة بي، وأيضا أغاني من التراث التونسي.
كما أصدرت كتيبا يتضمن كلمات الأغاني، وأيضا سي دي ضم مجموعة من الأغاني الخاصة بي وتم توزيعها على الجمهور لننفذ إلى قلوب الجمهور وتسهل عليهم استماع الأغاني ومعرفة معانيها. اللهجة التونسية تحد من انتشار الأغنية التونسية، ما رأيك في ذلك؟ اللهجة التونسية ما تزال عائقا في انتشار الأغنية عربيا، ولكن ليس عائق كبير فمن السهل أن تنفذ إلى الجمهور العربي من المحيط إلى الخليج من خلال الإعلام والبث الفضائي المتكرر، وإعطاء الفرص لتكرار الأغنية والإنتاج الفني التونسي على الشاشات العربية. الجمهور التونسي، يتذوق الفن، ويعرف بالجمهور السميع وهو ما يجعله يلفظ الأغاني الهابطة ما رأيك في ذلك؟ نعم الجمهور التونسي سميع، لأنه تربى على أعمال تونسية وشرقية أصيلة، وقد شهدت له السيدة أم كلثوم والتي كانت بمثابة الترمومتر لمعرفة طبيعة الجمهور التونسي وتذوقه الكبير للفن وللطرب الأصيل. هل حدث اليوم تراجع نسبي في الذوق العام للأغنية؟ نعم حدث تراجع نسبي في الذوق العام للأغنية، ولكن عندما تقدم للجمهور التونسي فن دسم فهو يقبل عليه، والمثل على ذلك الإقبال الكبير على حفلات هاني شاكر، وكاظم الساهر،ونجاة الصغيرة وهي حفلات راسخة ومحفوظة في الذاكرة التونسية، وهناك مثل تونسي يقول " لا يبقى في الوادي إلا حجره". هناك تراجع في الأغنية العربية، ما سبب ذلك؟ الأعمال الفنية أصبحت تخضع لمقاييس تجارية وليست لمقاييس الفن والإحساس، وزاد من تراجعها دخول المادة في رواجها فاصبح كل شيء يباع ويشترى، كما أن الظروف التي كانت تحيط بالأغنية العربية اختلفت الآن بمعنى كان يوجد صالونات فنية ومناسبات التي تخلق أعمال وسهرات غنائية متميزة وهي تراجعت بصورة ملحوظة في العالم العربي.
والسبب الآخر هو أن الأغنية كانت ذات مضمون ورسالة وتجسد المشاعر الدافئة والحب، ولا تخاطب الغرائز، وتخضع لمعايير التسويق تحت شعار "الجمهور عاوز كده" ولكن المادة تفقد العمل الفني قيمته فكان هذا التراجع الفني. هل ساعدتك وزارة الثقافة التونسية في إنتاج البوماتك الغنائية؟ كان لي نصيب في أن تدعمني وزارة الثقافة التونسية، وتساهم في تكاليف إنتاج الألبوم، كما ساهمت مع العديد من الفنانين لتعريف الجمهور بهم، والأخذ بيدهم، ومساعدتهم على إنتاج أعمالهم في إطار فني ثقافي، وقد دعمتني في شريطي الثالث. إلى أي مدى ساهمت المهرجان الفنية الغنائية في تعريف الجمهور بالفن التونسي؟ المهرجانات مناسبة وعرس فني، ولكن يبقى تأثيرها في حدود مدة المهرجان، وأنا لم أسمع بأعمال شاركت او توجت في مهرجان وأخذت فرصتها الحقيقية في الانتشار والتعريف بها سواء كان من خلال البث التلفزيوني أو المشاركة في الحفلات العامة. ما الجديد الذي سيقدمه الزين الحداد؟ أعد الآن ألبوما جديدا تحت عنوان "ولديه وجيلهما"يضم خمس أغنيات رومانسية، وعاطفية، وتشمل على خمس روائع من الأعمال التونسية، وقد أردت أن يحمل هذا الألبوم رسالة إلى جمهور الشباب وهي أن يتعرف على ما أنتجه المبدعون التونسيون، واكتشاف الروائع التونسية وتسليح الشباب بالأعمال والفن التونسي الخالد.