كيف استقبل الاميركيون 'مملكة السماء'؟

بقلم: يحيى عبد المبدي محمد
محاولة للخروج من النمطية في التعامل بين المسلمين والمسيحيين

"قرأت العشرات من المراجعات والنقاشات حول فيلم مملكة السماء Kingdom of Heaven للمخرج العالمي ريدلي سكوت. وادهشني ما قرأت عن رؤية الفيلم المعتدلة وغير المنحازة للحروب الصليبية. الأمر الذي جعلني اترقب بفارغ الصبر مشاهدة الفيلم في الليلية الأولى من عرضه للجمهور."
هكذا بدأ كرستوفر هولمان حديثه معي أمام إحدى دور العرض في حي روزلين Roslyn القريب من العاصمة الأمريكية واشنطن. كرستوفر وزوجته ديبرا هولمان توقعا أن يثير الفيلم جدلا واسعا في الأوساط الأميركية ليس فقط لرؤيته المعتدلة والمتوازنة للعرب والمسلمين وحقبة الحروب الصليبية عموما، ولكن لما يحمله من إسقاطات من صراع الماضي على تفاصيل الحاضر وآفاق المستقبل للعلاقة المتوترة بين الغرب " الولايات المتحدة" والمسلمين.
تستوحى أحداث ودراما فيلم "مملكة السماء" من فترة الحملة الصليبية الثالثة في القرن الثاني عشر الميلادي وبعد مرور مئة عام على بدء أول حملة صليبية من خلال قصة الفارس الفرنسي باليان الذي يشرع في رحلة إيمانية إلى بيت المقدس للمساهمة في الحروب الصليبية. ولكنه يكتشف خلال رحلته أن التعايش بين الأديان والثقافات المختلفة بسلام في القدس "مملكة السماء" ليس بالأمر المستحيل.
ينقض الفصيل المتشدد من الصلبيين الهدنة القائمة بين ملك القدس بلدوين الرابع والقائد المسلم صلاح الدين. ويقوم هذا الفصيل بمهاجمة قافلة من الحجاج المسلمين بصورة وحشية مما دفع صلاح الدين إلى إنهاء الهدنة ومواصلة القتال.
ينذر باليان حياته للدفاع عن المدنيين المحاصرين خلف أسوار مدينة القدس وذلك بعد هزيمة الصلبيين في معركة حطين وتدور معارك طاحنة على أبواب المدينة يسقط فيها الآلاف من الطرفين.
يتوجه باليان إلى صلاح الدين بطلب الصلح وتأمين خروج الصلبيين من المدينة دون إزهاق المزيد من الأرواح في مقابل تسليم المدينة لصلاح الدين.
يشارك في الفيلم الذي تكلف انتاجه 130 مليون دولار وبلغ طوله 135 دقيقة ثلاثة من الممثلين العرب هم السوري مسعود غسان الذي قام بأداء شخصية صلاح الدين والمصري خالد النبوي والسوداني البريطاني الكسندر صديق. رسالة الفيلم الرسالة الرئيسية التي سعى الفيلم إلى التأكيد عليها هي إمكانية التعايش السلمي والتعاوني بين أبناء الديانات السماوية الثلاثة انطلاقا من أهمية قيمة الانسان على قيمة المكان مهما بلغت قدسية هذا المكان. وهو المعنى الذي كرره بطل الفيلم الفارس بليان في أكثر من موقف. ذلك فضلا عن نبذ الحروب والصراعات الدموية الي يسعى إلى إشعالها غلاة المتشددين في المعسكرين (فرسان المعبد بقيادة غاي دي لوزينيان خليفة الملك بلدوين الرابع ورينو حاكم الكرك في معسكر الصلبيين. ورجل الدين المسلم الذي يحرض صلاح الدين على القتال ويذكره بالعهد الذي قطعه على نفسه باستعادة القدس في معسكر المسلمين). وكانت مشاهد الموت والدمار التي خلفتها المعارك الحربية والتي تفنن المخرج في إبرازها كفيلة بإيصال رسالة عدم جدوى الحروب وبشاعة خسائرها. ارتياح داخل المؤسسات العربية والإسلامية الأميركية حرص مخرج الفيلم على دعوة المنظمات التي تدافع عن الحقوق المدنية للعرب والمسلمين في الولايات المتحدة إلى مشاهدة الفيلم في جلسات خاصة قبل عرضه على الجمهور. وأبدت تلك المنظمات ارتياحا كبيرا في اعقاب مشاهدة للفيلم. فقد وصف مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية كير CAIR الفيلم بأنه متوازن في تناوله لفترة الحروب الصليبية وأن الفيلم لم يظهر المسلمين بالصورة النمطية التي اعتادت هوليود على تقديمها.
أما اللجنة العربية الأميركية لمكافحة التمييز ADC، فقد أصدرت بيانا قالت فيه إن الفيلم قد توخى الموضوعية في تناول أحداث تتسم بالحساسية الدينية والسياسية. وأعربت ليلى القطامي الناشطة باللجنة عن ترحيبها بجهود المخرج وشركة الانتاج الرامية لتقديم صورة عادلة وموضوعية للحقائق الثقافية والدينية التي أحاطت بتلك الحقبة. انقسام في الرأي العام الأميركي من خلال استطلاع آراء الجمهور الذي شاهد الفيلم ومن خلال العدد الكبير من المراجعات والتصريحات والمقالات التي كتبت عن مضمون الفيلم ورؤيته للحروب الصليبية في الأسبوع الأخير، يمكننا أن نلاحظ الانقسام الكبير في الرأي العام الأمريكي بين يمينيين يهاجمون الفيلم ويشككون في مصداقيته وبين ليبراليين يرحبون باعتدال مضمون الفيلم حتى وإن احتوى على احداث درامية ليس لها أصل تاريخي.
أول من هاجم الفيلم هو جوناثان ريلي سميث الأكاديمي المتخصص في تاريخ الحروب الصليبية ، إذ قال "إن مملكة السماء يتبنى رؤية أسامة بن لادن للحروب الصليبيبة من خلال تصوير المسلمين على أنهم أناس متحضرون في مواجهة صلبيين همجيين."
وفي المقابل ورغم انتمائه إلى التيار المحافظ المسيحي كتب ستيف بير في ناشونال ريفيو National Review "أن الفيلم يدعو إلى التسامح والاحترام المتبادل بين الأديان" وأضاف أنه "على الرغم من التوتر السياسي والاجتماعي والديني الراهن بين الغرب والعالم الإسلامي، فإن الفيلم كان يمكن أن يسقط في فخ التحيز لأحد وجهتي النظر لكن ذلك لم يحدث."
خالد أبو الفضل أستاذ الشريعة بجامعة كاليفورنيا انتقد رؤية ومضمون الفيلم بشدة وقال "إنه يكرس فكرة المواجهة الشاملة بين الثقافتين الإسلامية والمسيحية." وأضاف أبو الفضل في مقابلة مع نيويورك تايمز "أن هذا الفيلم يدفع إلى كراهية المسلمين. بالإضافة إلى إحتوائه على صورة نمطية للعرب والمسلمين." وهو الأمر الذي دافعت عنه وبررته إحدى المشاهدات (فضلت عدم ذكر اسمها) التي أجريت معها مقابلة أمام صالة عرض الفيلم وقالت "إن الفيلم من صناعة أميركية ونحن أحرار في تقديم الصورة التي نؤمن بها وإن الأميركيين ليسوا مسؤولين عن تكوين صورة نمطية لأحد ولكن أصحاب هذه الصورة هم الذين يكونوها عن أنفسهم."
مخرج الفيلم حرص على تكرار أنه بذل كل ما في وسعه لتقديم صورة متوازنة لا تعرف التنميط على اعتبار أن المسلمين في تلك الحقبة التاريخية كانوا بشرا كغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى ينبغي احترام معتقداتهم الدينية وهو ما ينطبق بالتالي على مسلمي اليوم. ويؤكد سكوت على أن رسالة فيلمه الرئيسية هي على إمكانية التعايش بسلام بين أصحاب الديانات والقوميات المختلفة.
وتأكيدا على نجاح المخرج في تقديم صورة معتدلة وبعيدة عن التنميط للشخصية العربية، تقول ديبرا هولمان التي شاهدت الفيلم في أول ليالي عرضه إن أحد أكثر مشاهد الفيلم رقة وتأثيرا في النفس هو مشهد صلاح الدين بعد دخوله مدينة القدس وهو يدنو ليلتقط صليبا ساقطا بين حطام غرفة مدمر من أثر المعارك ويضعه برفق على طاولة في إشارة لافتة إلى احترام رمز الديانة المسيحية. يحيى عبد المبدي محمد
كاتب مصري مقيم في واشنطن