معركة القائم: المقاومة العراقية أرادتها درسا ونجحت والاحتلال يريدها طريقا نحو دمشق!

بقلم: سمير عبيد

قال عقيد في الجيش العراقي السابق ومن مكان سري، وهو مقاوم في أرض العراق ضد الاحتلال رافضا الكشف عن أسمه "لن تفشل إستراتيجيتنا الجديدة كما يتوقع البعض، فدعهم يبنون القواعد والتي ستكون لنا قريبا..فقاعدة الموصل اخترقناها من قبل، وقاعدة القائم استولينا عليها لبضع ساعات والقادم أعظم!"
بهكذا عبارات جسّد لنا هذا الرجل الموقف العسكري والعملياتي للمقاومة العراقية في العراق، فبعد إستراتيجية التثوير المناطقي، وأسلوب الكر والفر، وزرع المتفجرات على جوانب الطرق الرئيسية ضد آليات القوات المحتلة للعراق، والتي كانت سمة عام 2004، انتقل المقاومون العراقيون إلى إستراتيجية القذائف الطائرة عن بعد، ومن خلال المدافع التي تم تصنيعها أو تطوير مدياتها من قبل رجال المقاومة، وكذلك من خلال قذائف مدافع الهاون التي جمعتها المقاومة العراقية من بقايا ترسانة الجيش العراقي الذي تم حلّه بنصيحة إسرائيلية حسب تصريحات الحاكم المدني السابق للعراق بول بريمر والتي كانت ولا زالت تنطلق باتجاه مقرات وقواعد الاحتلال في العراق، وكانت سمة الأشهر الأولى لعام 2005.
أما اليوم فيبدو جاء دور إستراتيجية المواجهة مع قوات الاحتلال في عقر مقراته ومراكز تجمعاته و قواعده التي تم إنشائها في الأرضي العراقية، ومن خلال معارك حقيقية تدرب عليها المقاومون في شارع حيفا، وفي قواعد وهمية في مناطق ما في العراق وغايتها الاستيلاء على القواعد الأميركية ولو وقتيا، وذلك لتكبيد قوات الاحتلال الخسائر الكبيرة في الأرواح والمعدات، ومن ثم لكسر الحاجز النفسي بين المقاومة والاحتلال، ولتحطيم معنويات جنود الاحتلال، ولرفع التجريح الذي يأتي من عملاء الاحتلال وبعض الحناجر التي لا تفقه شيئا في فن المقاومة وإعادة الكرامة للشعوب والأوطان على أن المقاومة العراقية عاجزة من الوصول إلى قوات الاحتلال لهذا هي تقتل بأفراد الحرس الوطني والتجمعات المدنية (والمقاومة من هذه الأعمال الأخيرة براء، لأنها أعمال مشينة تقوم بها خلايا الاحتلال والمرتزقة، وبعض خلايا الأحزاب العراقية من أجل ترسيخ بقاء الاحتلال، وتشويه المقاومة العراقية، ومن اجل الهروب من الاستحقاقات وأولها الأعمار وترسيخ القانون)، والهدف الآخر من الإستراتيجية الجديدة هو من أجل كسر التعتيم الإعلامي المفروض على أعمال المقاومة العراقية والعراق من قبل وسائل الإعلام العربية والغربية، ولقد نجحت المقاومة في هذا خصوصا عندما أخذت زمام الأمور في معركة "القائم" التي لابد وأن يكتب عنها التاريخ بأنصاف، حيث كانت "الرارنجية" الجديدة، تلك المنطقة العراقية التي تقع قرب مدينة بابل و التي أبيد بها الجيش الإنجليزي أثناء ثورة عام 1920 من القرن المنصرم، بفعل همة القبائل العراقية والشرائح الأخرى من النسيج العراقي آنذاك.
وما المعركة التي دارت رحاها في مدينة القائم العراقية بين المقاومة وقوات الاحتلال ما هي إلا تمرين لاقتحام قواعد أميركية أخرى تمهيدا للسيطرة عليها. فلقد حيّر المقاومون العراقيون أميركا وقواتها وقادتها يوم فجروا قاعدة الموصل الحصينة قبل أقل من عام، وهاهم اليوم يستحلون قاعدة القائم بعملية جريئة قل نظيرها، والغاية هي تشتيت العدو ومن ثم احتلال القواعد الأميركية والوصول إلى السيطرة على العاصمة بغداد، وتطويق القطعات الأميركية ومن معها داخل العاصمة وجعلها أمام الأمر الواقع للتفاوض من أجل الانسحاب. ومن يظن أن معركة القائم مجرد مناوشات أو بضع قذائف فهو واهم، فلقد كانت معركة قل نظيرها من ناحية التخطيط والتوقيت وقوة الإصابة في قطعات الاحتلال.
لقد تحدثت عنها صحيفة الواشنطن بوست وبتقرير من مراسلها هناك عن "أنها معركة ضارية.. ولقد تعرض جميع أفراد الفرقة التي اشتركت في المعركة للقتل أو الإصابة، وهي الفرقة التي تعتبر جزءاً هاما من تكوين الوحدة الأولى من كتيبة ــ ليما ــ والوحدة الثالثة من الكتيبة ــ الخامسة والعشرين، ولقد تكبدت كتيبة ــ ليما ــ من الخسائر التي تصل إلى 60% وهذا يعني انتهائها كقوة قتالية فاعلة." وتوضح الصحيفة بعض الملامح لهذه الوحدة العسكرية ــ ليما ــ فتقول "أنها الوحدة التي كونت نفسها من خلال استدعاء قوات مارينز احتياطية من ولاية أوهايو للمشاركة في صراعات العراق."
ألم تكن هذه الشهادة كافية لحجم قوة وتأثير المقاومة العراقية، وألم تكن هذه الشهادة بمثابة ناقوس الخطر في مكتب رامسفيلد وسيده بوش مما قرر الأخير أيفاد وزيرته ــ رايس ــ إلى العراق على عجل وبشكل سري لتتوسل المفاوضات مع قادة المقاومة، ولتطلب من رئيس الوزراء الانتقالي الجعفري إرضاء السنة، وجعلهم في أماكن أكثر أهمية، ومن توسيع تمثيلهم في لجان كتابة الدستور العراقي المقبل والهدف هو كي تضعف المقاومة العراقية، ولكن المعلومات تؤكد أن المقاتلين هم خليط من الشيعة والسنة والكرد والتركمان وغيرهم!. المقاومة العراقية كانت ترصد تكثيف قوات الاحتلال قرب الحدود السورية! تعتبر المقاومة العراقية الوحيدة في العالم التي تعتمد على ذاتها وإمكانياتها، والمقاومة الوحيدة التي ليست بحاجة إلى السلاح والعتاد والذخائر والإمداد، وهي الوحيدة التي ليس لها غطاء دولي بل هي التي تفرض نفسها على الساحة المحلية والإقليمية والدولية، وتعتبر المقاومة الأولى في العالم من حيث عدم حاجتها إلى المدربين والبرامج التدريبية، حيث أن الشعب العراقي وبنسبة 80% يجيد استعمال معظم أنواع الأسلحة، وذلك من خلال الحروب التي خاضها الجيش العراقي، ومن خلال البرامج التدريبية التي كان يطبقها النظام السابق بشدة في العراق، حيث أمر بتدريب الشعب العراقي إجباريا من عمر 14 ــ 60 عاما، ولقد تحول ذلك الجهد إلى خير وطني للدفاع عن العراق (رب ضارة نافعة)، فلهذا تمتلك المقاومة العراقية البنية التحتية ــ البشرية ــ لجميع الصنوف والعلوم، وأولها الصنف الإستخباري الذي حيّر قوات الاحتلال وكبار ضباط البنتاغون، ولهذا كانت ترصد المقاومة العراقية عملية تدحرج الجيش الأميركي نحو الحدود السورية العراقية منذ زمن ولديها معلومات شبه تفصيلية عن المغزى من ذلك، لأن تلك القوات كانت تغطي على عمليات تسلل رجال الاستخبارات الأميركية نحو الأراضي السورية من جهة، وتغطي على عمليات نصب أجهزة التنصت والتجسس الأميركية والإسرائيلية قرب وربما داخل الأراضي السورية، ولقد نشرت المنار في 7/10/2004 ومن مصادر خاصة من بغداد.. "أن (إسرائيل) أقامت محطة تنصت إستخبارية بالقرب من الحدود السورية العراقية، وافتتحت عددا من مكاتب تجنيد العملاء تحت يافطات التنمية والأعمار، وأن المسئول عن هذه المكاتب والمحطة ضابط أمن إسرائيلي من أصل كردي ويقيم في بيت تحت حراسة مشددة في مدينة أربيل شمال العراق، وهو المسئول عن ترتيب اللقاءات بين القادة الأكراد والمسئولين الإسرائيليين."
ومن هنا تولدت معلومات من مصادر قريبة من المخابرات العراقية الجديدة تؤكد إن عمليات المداهمات لشقق الرعايا السوريين في شارع حيفا بالعاصمة بغداد هي من أجل اعتقال الرجال والشباب وحتى بعض النساء من أجل إجبارهم أن يكونوا عملاء لهذه المحطات، والقبول في التغلغل داخل المجتمع السوري، كما حصل اتجاه العراق قبل الحرب بعام أو أكثر عندما تم تجنيد العشرات من العملاء والجواسيس لصالح وكالة المخابرات الأميركية (سي أي أيه) والذين تم تزويدهم بالتقنيات والأجهزة الخاصة والدقيقة والتي لم تتأثر بالتقلبات الجوية والمناخية، وتم زرعهم داخل نسيج القبائل والحزب ودوائر الدولة والجامعات في العراق، وكانوا يرسلون تقاريرهم من داخل العراق وبوجود صدام ونظامه!
لهذا كان رجال المقاومة على علم عندما تحركت قوات مشاة البحرية الأميركية (المارينز) وأفراد الحرس الوطني، وتحت حجة مراقبة الحدود بين العراق وسوريا في 21/7/2004 ، وحينها قالت مصادر قوات الاحتلال الأميركي في العراق "إن آلاف من الجنود الأميركيين وعناصر الحرس الوطني العراقي انتشروا على الحدود بين العراق وسوريا، ونفذوا عملية تفتيش ومراقبة شملت مئات الأميال بهدف منع عمليات التسلل"، ولهذا فالقلق السوري قلقا مشروعا عندما أبدت مصادر سورية قلقها الكبير من الحرب الدائرة أخيرا قرب الحدود العراقية ــ السورية بحجة استهداف وحدات المقاومة العراقية في مدينة القائم الحدودية ،واستشعرت تلك المصادر خطر هذه القوات عندما قالت "ربما هي مقدمة لتمركز قوات أميركية ضخمة على الحدود السورية ، للضغط على حكومة دمشق ، وربما الاستعداد لتنفيذ أي خطة هجوم في المستقبل، وجاءت تلك التصريحات عبر صحيفة القدس العربي في 12.5.2005". انتظروا.. سيقولون هرب الزرقاوي نحو سوريا! صرّح رئيس أركان الجيوش الأميركية الجنرال مايرز من قبل وقال "أحتمال حدوث حرب أهلية بعد الانتخابات العراقية". وعاد ليصرح هذه الأيام ويقول "إن القوات الأميركية في العراق تحتاج للبقاء من 3 ــ 9 سنوات كي يتم تأهيل القوات الأمنية في العراق، وتستطيع القضاء على المتمردين في العراق". وهذا يعني إنها بدايات لسيناريوهات معدلة، وأخرى ربما مستحدثة، ناهيك عن البعد النفسي في تلك التصريحات، سواء باتجاه المقاومة أو باتجاه الشعب العراقي والعربي.
ولكن لا ندري ماذا سيصرح الجنرال مايرز بعد معركة القائم التي تكبدت فيها القوات الأميركية الخسائر التي أربكت حتى البيت الأبيض نفسه، فمصارع الثيران (ماتادور) وهو الاسم الذي أطلقوه على عمليتهم العسكرية في مدينة القائم، والتي أعادوا بها قاعدتهم التي استولى عليها المقاومون العراقيون لـ 16 ساعة متواصلة حسب شهود العيان، وتصريحات الضابط المذكور في بداية المقال، فلقد تحولت المعركة ضدهم وكما خطط رجال المقاومة العراقية، حيث هم الذين أصبحوا في نهايتها ثورا نازفا من شدة الطعنات التي وجهتها المقاومة العراقية لقواتهم، ولهذا غطوا عليها بخبر مفبرك له أبعاد نفسية استراتيجية وعسكرية عندما قالوا "أن هناك طبيبا في مستشفى الرمادي عالج ــ أبو مصعب الزرقاوي ــ من جروح خطيرة بعد أن نقله أنصاره إلى المستشفى، وحسب صحيفة الصنداي تايمز التي نشرت الخبر في 04.5.2005"، والحقيقة يراد من ذلك ذر الرماد في عيون الشعب الأميركي وذوي الضحايا، ومن ثم ليقولوا للعالم أنها معركة (تستحق) من أجل القبض على الزرقاوي، والذي بنظرنا وبنظر جميع العقلاء أنه وهميا، وأن كان موجودا فهو ليس في العراق والأميركان يعرفون ذلك جيدا، والهدف الثاني كي يرسخون أن زمن ومكان فقدان الزرقاوي هو مدينة القائم العراقية، حيث الحدود السورية العراقية.
لهذا هم ربما سيعدون سيناريو خبر أن الزرقاوي دخل الأراضي السورية، ومن أجل ملاحقته سيضاف بندا جديدا ضد سوريا يطالبها بتسليم الزرقاوي، أو كي يبدأ الزرقاوي (الوهمي طبعا) مسرحيته الجديدة من داخل سوريا لصالح الاحتلال كما حصل في العراق، وحتما سيخلقون شخصا مناسبا للوضع السوري فيما بعد، فهم مبدعون بذلك، وإعلامنا جاهز للتلقف دون وعي من أجل ترسيخ كذب واشنطن ليكون حقيقة في الذهنية العربية، وبمساعدة الإعلام العربي التجاري وغير المسئول.
لذا فهم صنعوا لأفغانستان بن لادن والظواهري، ولاندونيسيا باعشيري، وللفلبين أبو سياف، وللعراق الزرقاوي، وللسودان رجال الجنجويد، وفي لبنان ربما عماد مغنية، وربما في إيران والخليج أبو غيث الكويتي وهكذا... وبالمقابل الإعلام العربي يطبّل ويضخم ويجسّد ذلك دون وعي أو خجل!
ولكن الحقيقة التي يعرفها أصحاب الخبرة والحكمة والدراية إن الولايات المتحدة في ورطة حقيقية داخل المستنقع العراقي، وأن مسألة خسارتها وهروبها من العراق كما حصل في فيتنام هي مجرد وقت، وأن تمسك رجال أميركا من العراقيين بإطارات الطائرات الأميركية الهاربة من بغداد كما حصل في فيتنام، عندما تمسك عملاء أميركا من الفيتناميين بإطارات الطائرات الأميركية الهاربة وتركوهم فريسة للثائرين في أرض المطارات، هي مجرد وقت هي الأخرى!
وأن التاريخ يُعيد نفسه، حيث لا مكان للاحتلال والمحتلين، حيث ليس هناك شعبا واحدا قبل الاحتلال، وليس هناك مقاومة واحدة خسرت النضال والمعركة، وإنما الخاسر هو المحتل وفي جميع الأزمان والأمصار. هل صمت الجعفري مبرر؟ أما مسألة صمت حكومة الجعفري فهو تجسيد إلى دور الشيطان الأخرس. وحتى الشعب العراقي أصبح لا يسأل عن مواقف الحكومات التي تُعين من قبل قوات الاحتلال، حيث أصبحت تلك الحكومات لا تردد إلا عبارة "نريد ونطالب ببقاء قوات الاحتلال في العراق" وبمناسبة وغير مناسبة، وكأنهم يتسابقون في هذا التصريح، وسيبقى السيد الجعفري مغلوبا على أمره، ولهذا لا نعتقد سيكون تصريحه مفيدا اتجاه أحداث مدينة القائم، حيث هناك الرئيس الانتقالي جلال الطالباني الذي قمع من جهة والجلبي من الجهة الأخرى، والطالباني له أجندته الخاصة ولهذا أجتمع مع المسئولين الإسرائيليين في عمان، وتحديدا مع قيادات الجيش الإسرائيلي قبل توجهه إلى مؤتمر برازليا في البرازيل، وأستلم مذكرة من شارون رد عليها الطالباني بأن الأشهر الثلاثة المقبلة ستشهد تطورا ايجابيا في العلاقات بين العراق وإسرائيل بما في ذلك تبادل الممثلين الدبلوماسيين.. حسب صحيفة معاريف الإسرائيلية في 16.5.2005 (هل من تعليق يا جماعة الائتلاف والسيستاني؟).
وسيبقى الجعفري مجرد واجهة فقط، وإن رئيس الوزراء الفعلي للعراق هو أحمد الجلبي بدليل أن وزيرة الخارجية الأميركية كوندليزا رايس قدمت له التهنئة عندما تم تعينه نائبا لرئيس الوزراء الانتقالي، حيث قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية ريتشارد باوتشر "إنه بالإضافة إلى تقديم التهاني فأن كوندليزا رايس تحدثت إلى الجلبي لمناقشة بعض المشاكل التي لازالت تواجه الحكومة ومن ثم السير قدما في التعاون"، وهي إشارة إن الجعفري ما هو إلا ممثل فقط وأن القضايا تُناقش مع الجلبي. هذا من جانب، وهي إشارة لانتهاء مسرحية خلاف الجلبي مع الإدارة الأميركية من الجانب الآخر، وما توسط السعودية، والسيد جلال الطالباني لدى الأردن إلا بإيعاز أميركي من أجل تسوية قضية بنك البتراء الأردني الشهيرة.
ولكن لا يصح إلا الصحيح يوم تقول الشعوب الحرة قولتها!

سمير عبيد
كاتب ومحلل سياسي عراقي، أوروبا samiroff@hotmail.com