الديمقراطية

بقلم: معقل زهور عدي

يجد بعض المثقفين السوريين أن ثمة تقاطعا بين حملة الولايات المتحدة من أجل "نشر الديمقراطية" في المنطقة العربية وبين الحاجة التاريخية للخلاص من الاستبداد المزمن الذي يشبه بحق العصر الجليدي بمنعه تفتح المجتمعات العربية.
لكن ما ينساه أولئك المثقفين هو التفكير في ماهية تلك الديمقراطية التي تسوق لها واشنطن، وحين تتضح الصورة ربما يتبين أنهم قد وقعوا ضحية سوء فهم أو عملية خداع.
لنترك التنظيرات ولنأخذ تجربة واقعية حتى لانتهم بالتحيز والمواقف المسبقة، في العراق قامت الولايات المتحدة بتدمير الدولة العراقية، وأعلنت عن مشروعها لتأسيس ديمقراطية عراقية تكون نموذجا يحتذى للمنطقة العربية فكيف سارت الأمور حتى الآن؟
ما نشاهده على أرض الواقع هو ديمقراطية –طائفية تعطي لكل طائفة عددا محددا من النواب والمناصب الأخرى أي أننا أمام شكل لبناني أعيد إنتاجه وفق المقاييس العراقية.
يعلم الكثيرون أن الديمقراطية – الطائفية تكرس انقسام المجتمع وتقف حجر عثرة كأداء أمام الاندماج الوطني وبناء الدولة الحديثة، وتفرز أزمات دورية تنتج العنف والحروب الأهلية وتسمح لأكثر فئات المجتمع تخلفا وتعصبا بالظهور كأنبياء ومخلصين.
هكذا فرض الاحتلال الأمريكي في العراق ديمقراطيته الطائفية عن سابق وعي وإصرار، بينما لم يكن هناك ما يمنع من تشكيل مجلس نيابي عل أساس الانتخاب الحر للمواطنين المتساوين بغض النظر عن الدين أو المذهب أو العرق كما هو الحال في الدول الديمقراطية.
ماذا يعني ذلك؟
يعني ببساطة أن الخيار الأمريكي ما يزال استخدام الانقسامات العمودية في المجتمعات العربية لتفتيت تلك المجتمعات وتكبيلها بقيود ثقيلة تتيح فرض الهيمنة الخارجية وسلب إرادة التحرر، وتلك هي اللعبة القديمة للإمبريالية البريطانية والفرنسية في المشرق العربي، من أجل ذلك يقترح السيد توماس فريدمان منح جائزة نوبل للسيد السيستاني الذي لولاه لمنيت السياسة الأمريكية في العراق بهزيمة كبرى، بل يذهب فريدمان إلى أبعد من ذلك في الوضوح حين يقول "إذا اتحد السنة والشيعة انتهت اللعبة the game is over".
وللأسف فان البعض لا ينتبه إلى أن تلك السياسة تتناقض بصورة صارخة مع فكرة الديمقراطية والحرية بالمعنى الحقيقي والأوسع.
وتزداد الصورة قتامة بافتقاد الديمقراطية – الطائفية لمبدأ العدالة حيث تفرض النسب والحصص بصورة مسبقة وبدون إحصاء سكاني وفقا لأجنده سياسية تتوافق مع مصلحة السياسة الأمريكية، فيجري تهميش الفئات الاجتماعية التي لاتظهر الاستعداد الكافي للتعاطف مع الاحتلال، وتدفع للمقدمة فئات أخرى وهكذا يتم تعميق الشرخ بين الطوائف وهدم الروح الوطنية.
وإذا كانت تلك هي الديمقراطية التي تسعى الولايات المتحدة لنشرها في المنطقة العربية يصبح أي حديث عن التقاطع بين أهداف السياسة الأمريكية في هذه المرحلة وحاجة المجتمعات العربية لإنهاء الاستبداد ونشر الديمقراطية حديثا غير ذي صلة.
وبالعودة إلى لبنان مهد الديمقراطية – الطائفية الأول يتملك المرء الشعور بالحزن والإحباط حين يسمع بيان المطارنة الموارنة بخصوص قانون الانتخابات و الذي تمت صياغته بروح طائفية تتوهم أنها خرجت منتصرة، وأن تحالفها مع القوى الدولية يسمح لها اليوم بفرض رؤيتها المتعصبة.
هكذا يتم اغتيال حلم ملايين الشباب اللبناني في التحرر من الطائفية وبناء دولة حديثة، وتتم إعادتهم إلى كهوف العصبية الطائفية وتكبيلهم بقيودها الثقيلة.
الولايات المتحدة التي استقبل رئيسها بوش المطران صفير في واشنطن لعدة ساعات كرئيس دولة وليس كرجل دين كما لم يفعل مع أي سياسي لبناني آخر لا تبدو متحمسة لأي تغيير في الديمقراطية- الطائفية في لبنان.
من العراق إلى لبنان يتم توضيب وتعليب الديمقراطية الطائفية من أجل تصديرها، وبدون شك فان أنظار الإدارة الأمريكية تتجه أولا إلى السوق السورية.
ابتلاع الطعم الأمريكي من قبل بعض المثقفين السوريين يعني بصورة موضوعية (بغض النظر عن الأوهام والنوايا) التمهيد لاستيراد الديمقراطية الطائفية التي تمت إعادة إنتاجها في العراق بعد لبنان.
لايمكن تفادي مصير بائس كهذا بدون وعي آليات مشروع الهيمنة الأمريكي على المنطقة وترابط أجزاء ذلك المشروع وضرورة مواجهته بمشروع بديل للتحرر يسحب من يد الولايات المتحدة أثمن أوراقها (شعار الديمقراطية) ويميز بين الديمقراطية – الطائفية المعدة للتصدير انطلاقا من العراق وبين الديمقراطية الوطنية التي تضع الأساس لتعميق الاندماج الوطني وتفتح الآفاق أمام الاندماج العربي أيضا.
كلا لا نريد ديمقراطية طائفية بل ديمقراطية وطنية وشعبنا قادر على إنتاجها وتصديرها أيضا بدل استيراد ديمقراطية ملغومة أنتجت في العراق تحت قصف طائرات الـF16 وعلى أنقاض المدن المدمرة وأشلاء القتلى وفي مصانع أبو غريب. معقل زهور عدي