آفاق الصراع السياسي في أوزبكستان وآسيا الوسطى

بقلم: حسن الحسن

تُطِلُّ أوزبكستان القادمة من أعماق التاريخ الإسلامي بثقلٍ لا يمكن تجاهله على المشهد السياسي العالمي في هذه الأيام. وتربط حواضر هذه الدولة كطشقند وسمرقند وبخارى ذاكرة الأمة الإسلامية بعصرها الذهبي، حيث كان يخاطب الخليفة العباسي هارون الرشيد الغمام السائح في السماء، سترتعُ مهما غربت أو شرقت في أرض الإسلام، وسيعود ريعك إلى بيت مال المسلمين.
لم تكن أحداث أنديجان الأخيرة، كبرى مدن وادي فرغانة وعاصمة شرق أوزبكستان سوى قمة جبل الجليد التي طفت على السطح، ويرجع ذلك إلى سخونة الصراع الدولي القائم في جمهوريات آسيا الوسطى، إضافة إلى تراكم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية وتفاقمها إلى حدّ ينذر بانفجار المنطقة كلها وتحولها إلى بركان ثائر.
فمن جهة ترى الولايات المتحدة في ظل تفردها كقوة عظمى بلا منافس ولا منازع حقيقي، أن الفرصة قد سنحت لها لتحجيم الدب الروسي والحجر عليه في قفص محكم الإغلاق بعد أن دفعته إلى التقهقر والانسحاب من أفغانستان. بينما تحاول روسيا استعادة عزّ القياصرة والحفاظ على بعض إرث الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو الذي تفكك وتساقط تباعاً كقطع الدومينو بعد انهيار جدار برلين في المانيا الشرقية.
ولكن من جهة أخرى وتحت وطأة الأحداث المتعاقبة في العالم وانهيار المبدأ الاشتراكي، بدأ سكان وسط آسيا يترسمون طريقهم لتحديد طبيعة انتمائهم، وفي سرعة البرق استعادوا هويتهم الإسلامية التي طالما عُمِلَ على سحقها إبّان الحكم الشيوعي.
في تلك اللحظات العابرة من التاريخ، تواجد شباب حزب التحرير في المنطقة، وبدؤوا الاتصال الفاعل مع المسلمين هناك لتشكيل خلايا ترتبط بفكرة الخلافة وتعمل لها، وما هي إلا أعوامٌ قلائل حتى أنبتت الأرض الخصبة آلافاً من حملة الدعوة المرتبطين تنظيمياً وفكرياً بالحزب، إضافة لمناصرته بشكلٍ جماهيريٍ لافت.
هكذا تشكلت جبهات الصراع السياسي في آسيا الوسطى، بين أميركا وروسيا من ناحية، وبينهما وبين إسلام سياسي ينظم عقده حزب التحرير الذي ينشد إقامة دولة الخلافة الإسلامية التي تبتغي توحيد تلك الجمهوريات مع غيرها في كيان سياسي واحد من ناحية أخرى، مما يهدد مصالح ونفوذ كلٍّ من الدولتين.
وبوضع المجهر على ما يحصل في المنطقة نجد أن أميركا قد وضعت أقدامها فيها منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث نشرت قواعد عسكرية ضخمة فيها، وحاولت كسب ولاء حكام تلك الجمهوريات بأساليب كثيرة، غاضة النظر عن سياساتهم القائمة على الاستبداد والطغيان والفساد والإفساد، لأن جل همها كان منصرفاً إلى إزاحة النفوذ الروسي وإحلال نفوذها مكانه.
لقد أغرى الولايات المتحدة ضعف روسيا وغرقها في أوحال المستنقع الشيشاني وتفاقم أزماتها الاقتصادية والسياسية، فقامت بضرب نفوذها في شرق أوروبا، ونجحت بإيصال بعض الموالين لها إلى كرسي السلطة في عدد من الدول اللصيقة بروسيا كما حدث في جورجيا وأوكرانيا تحت شعارات الثورات الجماهيرية الملونة.
بدأت أميركا تعمل جاهدة على ممارسة نفس الأساليب في الجمهوريات الإسلامية في وسط آسيا كما حاولت في قيرغيزيا مؤخراً، إلا أنها لم تفلح، وذلك بسبب استيعاب روسيا الدرس، حيث قامت بالالتفاف على المعارضة، وتصدر الموالون لها التظاهرات في العاصمة بشكيك، وحيدت الجيش القيرغيزي المحسوب عليها، ومن ثم قامت بتدبير عملية نقل السلطة إليهم من عاكييف حاكم قيرغيزستان الذي أوى إلى روسيا لحمايته بشكل سلس، مما تسبب بإخفاق أميركا في محاولتها تلك.
وأما بالنسبة لأوزبكستان فقد قامت روسيا مؤخراً بإرسال خمسة آلاف جندي كقوة حماية للرئيس الأوزبكي كاريموف ولإتمام سيطرته على مقاليد الأمور، خاصة بعد أن لمس الأخير أن هناك امتعاضاً من بعض القوى الأمنية منه واستشعر الرغبة الأميركية في العمل على تغييره، إذ بات يشكل عبئا عليها وإحراجاً لها، بسبب رائحته المنتنة التي أزكمت الأنوف وطغيانه غير المألوف وفساد عائلته الحاكمة التي خلفت له بغضاً شعبياً منقطع النظير، وهي التي دأبت التغطية عليه ودعمته معنوياً وسياسياً ومادياً وغضت النظر عن جرائمه لعدة سنوات بغية كسبه وخلعه من إبط روسيا.
وعلى الرغم من ذلك الصراع السياسي الملتهب بين أميركا وروسيا، إلا أنهما متفقتان على خطر الإسلام الذي تختزنه المنطقة، خصوصاً أن حزب التحرير هو الذي يتزعمه ميدانياً هذه المرة. وهم على دراية تامة بأنه ليس بحزبٍ متلونٍ، كم أنه لا يقبل التبعية لأي منهما، بل يعتبر أن أي ارتباط سياسي بهما أو بأية قوى غريبة عن الأمة محض غباء، وانتحاراً سياسياً يقود الأمة إلى مزيد من التقوقع والتخلف والعبودية لخصومها. ويتزايد قلق الدولتين الاستعماريتين مع تزايد شعبية الحزب في أوزبكستان بشكل كبير، حيث وصل معتقلوه فقط إلى عدة آلاف بحسب تقارير لجان حقوق الإنسان وإلى عشرات الآلاف بحسب ما نقله غريغ موراي سفير بريطانيا الأسبق في طشقند عاصمة أوزبكستان.
لذلك فإن اللعبة التي تجري في منطقة آسيا الوسطى هي في منتهى الحساسية وبدأت إرهاصات انفجارها كبركانٍ ثائرٍ تتأجج أكثر يوماً بعد آخر. وفي حال وقوع ذلك فقد تنقلب الأمور رأساً على عقب حيث ستدخل المنطقة في حالة من الحروب المسلحة الطاحنة، وستتوسع دائرة القتال الدائرة في أفغانستان وكشمير، إلى أن يحسم أحد القطبين المتصارعين الأمر له.
أما إن تحقق هدف حزب التحرير وأقام دولة الخلافة التي يعمل على ايجادها بجد وهمة عالية، فعندها ستتغير قوانين اللعبة تماما، ليس في آسيا الوسطى فحسب، وإنما في العالم أجمع، لطبيعة طرحه المبدئي للإسلام الذي يتجاوز الوطن الصغير والقبيلة والقوم إلى مفهوم الأمة بل ومفهوم المسؤولية عن البشرية جمعاء. المهندس حسن الحسن
نائب ممثل حزب التحرير في المملكة المتحدة a_l_hasan@yahoo.dk