الشعرُ يوحِّدنا

متابعة: أحمد فضل شبلول
عبدالعزيز البابطين يجمع ما فرقته السياسة

أنهى ملتقى الكويت الأول للشعر العربي في العراق أعماله مساء الاثنين 9/5/2005 بسهرة كويتية عراقية فنية على مسرح الشامية بالكويت، حيث أنشد مطرب المقام العراقي الفنان خالد السامرائي ـ بمشاركة فرقة الجالغي البغدادي ـ عددا من قصائد الشعراء: محمد مهدي الجواهري، وعبد العزيز سعود البابطين، ومحمد سعيد الحبوبي وجاسم درويش. ثم قدمت فرقة تلفزيون الكويت للفنون الشعبية مجموعة من الألحان والرقصات الكويتية، ليتعانق بذلك الشعر مع الموسيقى والطرب من أجل إذابة الجليد بين الشعبين العربيين في الكويت والعراق.
وكان شهود الحدث أكثر من ثلاثمائة شاعر وأديب وإعلامي جاءوا من كل صوب وحدب، فمن داخل العراق حضر أكثر من مائة شاعر وقاص وروائي وناقد وإعلامي، ومن خارجه جاء أكثر من خمسين ممن عاشوا في ديار الغربة والمنافي والمنابذ، فضلا عن عشرات الشعراء والمثقفين والإعلاميين وضيوف الكويت الذين جاءوا من شتى بقاع الوطن العربي، وأيضا من خارجه.
إنها حقا خطوة جرئية أقدمت عليها مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري من أجل تذويب المسافات بين شعراء ومثقفي الأمة العربية، وخاصة تلك المسافات التي يشوبها نوع من الترقب والحذر والحساسية والانتظار الذي طال سنوات وسنوات، وباركها بحضور الافتتاح سمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح ـ رئيس مجلس الوزراء الكويتي، ومعه الشيخ جاسم محمد الخرافي رئيس مجلس الأمة، وعدد من الوزراء والشيوخ وأعضاء السلك الدبلوماسي، والمثقفين والكتاب والمقيمين المهتمين بالكويت.
شهد حفل الافتتاح كلمة عبد العزيز سعود البابطين التي جاء فيها: إن أهمية هذا الملتقى تنبع من كونه يأتي في مفصل هام من تاريخ الأمة والمنطقة، يصل ما انقطع، ويرأب ما انصدع. ثم أضاف: ونحن في الكويت ـ ولله الحمد ـ لم يكن بيننا وبين شعب العراق العزيز ومثقفيه أي خلاف أو شقاق، وكانت الكويت وما تزال طليعة المساندين لهذا الشعب، ولثقافته وحضارته ولشعرائه وأدبائه ومثقفيه، ولم نترك للأحداث ـ التي لم يكن لنا يد فيها ـ أي فرصة لتجاهل هذا الشعب ومبدعيه، أو التأثير السلبي على المحبة والتواصل مع أبنائه، سواء على المستوى الرسمي أو الأهلي.
ثم ألقى هلال ناجي الرئيس الأسبق لاتحاد المؤلفين والكتاب العراقيين كلمة المشاركين العراقيين وجاء فيها: بعد قطيعة مرة طفحت بالآلام والأحزان، وغصت بالكوارث حتى شرقت، انبلج فجر هذا الملتقى "ملتقى الأحبة" ليعيد سفر الإخاء إلى سابق عهده، ويعمق الأخوة والتودد والتواصل بين شعراء وأدباء ومثقفي الكويت وبين شعراء وأدباء ومثقفي العراق. وبهذه الروح المعطاء لبينا دعوتكم الكريمة السمحاء، لتتصافح النفوس والقلوب، رافضة أحلام الغزاة المدانة خلقيا وعربيا ودوليا.
بعد ذلك ألقى الشاعر العراقي جواد جميل قصيدة الافتتاح وكانت بعنوان "العودة الثانية لأوديس" وجاء في مطلعها: متعبًا عدتُ فاخشعي يا دروبُ وترفقْ بخطوتي يا لهيبُ
أنا والماء نبحث الآن عن قطرة ماء خلف الرمال تغيبُ
الجلسة البحثية الأولى رأسها د. عبد الله المهنا، وفيها تحدث د. وليد محمود خالص عن رواد الإحياء في الشعر العربي في العراق من أمثال الزهاوي والرصافي والنجفي وحافظ جميل والجواهري.
وقد لاقت ورقة خالص عددا من الاعتراضات والبعض أشار إلى أنها كانت مدرسية تصلح لطلبة المدارس والجامعات، ولا تليق بجمع الأدباء والكتاب والمثقفين الحاضرين، وأنها لم تقدم جديدا في الموضوع.
في المساء ـ وعلى مسرح الشامية ـ قدم الشاعر والناقد د. محمد مصطفى أبو شوارب الأمسية الشعرية الأولى التي اقتصرت على الشعراء العراقيين الذين عبروا عن رؤاهم وأحلامهم وأبحروا في آلامهم ومصائبهم، فأنشد كل من مدين الموسوي، وبلقيس حميد حسن، وحسين عنبر الركابي، وصبري الزبيدي، وقصي الشيخ عسكر، ومحمود محمد الدليمي، وهلال ناجي، ووحيد خيون، وموفق محمد. وقد استطاع أبو شوارب بحنكته وخبرته في إدارة الأمسيات والجلسات أن ينقذ الأمسية من جدل قد ينشأ بين الحاضرين بسبب ما تركته قصائد موفق محمد من ردود أفعال.
في اليوم التالي من أيام الملتقى رأست الكاتبة الكويتية ليلى العثمان الجلسة التي قدم فيها د. عبد الواحد لؤلؤة بحثا حول "رواد التجديد في الشعر العراقي المعاصر ـ السياب ورفاقه"، وقد قال لؤلؤة في بداية حديثه: يجب ألا يوحي عنوان البحث بأن التجديد كان حكرا على شعراء العراق، وأنه شخصيا يفضل كلمة "التجدد" على "التجديد" لأن الكلمة الثانية توحي بأن التجديد عملية مفروضة من خارج الشعر، دخيلة عليه، لكن "التجدد" توحي بأنها عملية نمو ونضج تأتي من داخل الشعر. ثم واصل لؤلؤة حديثه عن جهود نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وعاتكة وهبي الخزرجي، ولميعة عباس عمارة، وعبد الرزاق عبد الواحد، وشاذل طاقة، ويوسف الصائغ، وعبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري.
ونظرا لكثرة عدد الشعراء العراقيين من الداخل والخارج، فقد أضيف أصبوحة شعرية في ثاني أيام الملتقى بقاعة الثريا التي تحتل الدور السادس عشر من فندق جي دبليو ماريوت، وهو الفندق الذي أقام فيه ضيوف الكويت من العراقيين والعرب، وقد بدأت هذه الأصبوحة التي قدمها الشاعر سيدي ولد الأمجاد، بقصيدة الشاعر سبتي الهيتي، ثم شارك كل من الشعراء: رعد مطشر، وإبراهيم الخياط، ود. عبد اللطيف بندر أوغلو، ورنا جعفر ياسين، وعدنان الصائغ، وفائدة الياسين، وكلاله النوري، وحسين القاصد.
الأمسية الشعرية الثالثة والأخيرة شارك فيها أيضا شعراء عراقيون، إلى جانب بعض الشعراء العرب الضيوف، وفيها أنشد فيها قصائده كل من: د. الشيخ مخلص الجدة (لبنان) وسامي القريني (الكويت) وعلي الشلاه (العراق) ومحمد التهامي (مصر) وعبد العزيز سعود البابطين (الكويت) وعز الدين ميهوبي (الجزائر) ود. لويزا بولبرس (المغرب) وجنة القريني (الكويت) ونجاة عبد الله (العراق) ومازن مصطفى العليوي (سوريا) وجواد الزلفى (العراق) ولم يسعف الوقت عددا آخر من الشعراء العرب لإنشاد قصائدهم، فاعتذر لهم الكاتب المسرحي عبد العزيز السريع ـ أمين عام المؤسسة ـ وقبلوا الاعتذار برحابة صدر، ومنهم: د. منصور الحازمي و عبد الله بن حمد الحقيل (السعودية) وأحمد فضل شبلول وفؤاد طمان (مصر) وعبد السلام لصيلع (تونس) وغيرهم .
وكان غياب د. سلمى الخضراء الجيوسي عن الملتقى، وعدم قراءة بحثها عن شاعرات العراق: نازك وأترابها، سببا لأن يتوجه ضيوف الكويت لزيارة المركز العلمي لمشاهدة
أحواض الأحياء المائية (أكواريوم) والقبة السماوية التي عرض فيها الفيلم العلمي "رحلة داخل جسم الإنسان"، ومدته 45 دقيقة. وقبلها زاروا مجلس الأمة الكويتي، وحضروا إحدى جلسات المجلس التي نوقشت فيها الميزانية العامة للدولة بحضور وزير المالية الكويتي ومحافظ البنك الكويتي المركزي، ورحب نواب الشعب الكويتي بالزائرين وبالأخوة العراقيين والعرب الذين يشاهدون ويستمعون إلى ما يدور في هذه الجلسة العلنية.
كما زار المشاركون في الملتقى مكتبة البابطين المركزية ـ وقد تم الانتهاء من إنجاز المبنى الخاص بها بشارع الخليج العربي ـ وهي تعد أحد أهم الأجنحة الجديدة لمؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، ويشرف على إدارتها السيدة سعاد عبد الله العتيقي، والمكتبة تعد من المكتبات النادرة في هذا التخصص، ومن المستهدف أن تحتوي على كل ما كتب عن التراث الشعري العربي من دراسات تاريخية ونقدية ودواوين ومخطوطات ودوريات شعرية، فضلا عن استهدافها لمائة ألف عنوان على الأقل من مختلف أوعية المعلومات الخاصة بالشعر العربي، وأن تضم عددا من المكتبات الخاصة الضخمة التي ستوضع في قاعات خاصة، بالإضافة إلى قسم خاص بالمخطوطات، وجاري تجهيز المكتبة بأحدث ما توصلت إليه تقنيات علوم المكتبات والاتصال، بحيث تحتوي على قسم خاص مزود بأحدث التجهيزات للمطبوعات الإلكترونية.
وبعد ثلاثة أيام حافلة بالشعر والدراسات والزيارات حانت لحظة الختام، وقد عبرت عن تلك اللحظة بكلماتها الباحثة السعودية د. حسناء القنيعير التي قالت: إنه لشرف عظيم أن أقف بينكم اليوم لألقي كلمة ضيوف هذا الملتقى، ملتقى الكويت الأول للشعر العربي في العراق. كل البدايات جميلة، لكن أجملها ما كان الحب باعثه، والشعر الناطق الرسمي باسمه، وأمام الشعر تقف الكلمات عاجزة، فلا شيء سوى خفق القلوب ونبض العروق. وتضيف القنيعير قائلة: "تأتي هذه المناسبة تتويجا لخلاص العراقيين بعد أن نفضوا عنهم الأحزان ومسحوا دموعا فاضت بها بكائياتهم التي عبروا فيها عن معاناتهم في محنة وجودهم الحقيقية، ومع ذلك فإن قلوبهم لما تزل تخفق، وألسنتهم شعرا تلهج، فلا غرو فالقصيدة تعويذة آلامهم وأحزانهم. وتأتي هذه الاحتفالية مؤذنة بعودة العراقيين جميعا إلى أهلهم في الكويت، وفي أقطار الخليج العربي كافة، فكم هو جميل أن يكون اللقاء الأول بهم على أرض الكويت لنحتفي بالشعر وبالعشق العراقي الذي سكننا منذ أزمان".
وقد قامت مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، إلى جانب كل ما سبق، بتوزيع بعض المطبوعات المهمة على ضيوف الملتقى داخل حقيبة جيدة الصنع، ومن هذه المطبوعات: كتاب "قصائد من الشعر العربي في العراق" إعداد ماجد الحكواتي، ويضم مختارات شعرية لخمسة وعشرين شاعرا عراقيا، فضلا عن كتاب "من الشعر العربي في العراق" وهو عبارة عن مختارات لثلاثين شاعرا عراقيا اختارها وقدم لها ونقلها إلى الإنجليزية د. عبد الواحد لؤلؤة. وكتاب "موسيقى الشعر" لنازك الملائكة، وكتاب "المعلقات السبع برواية أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري من إعداد ومراجعة عبد العزيز جمعة.
بالإضافة إلى توزيع مطبوعات مركز البابطين للترجمة بالتعاون مع دار الساقي في بيروت، ومنها: هل الرأسمالية أخلاقية، لأندره كونت سبونفيل، ترجمة بسام حجار، وكتاب الخير العام ـ إشكاليات الفرد والمجتمع في العصر الحديث ـ لأميتاي إتزيوني ترجمة ندى السيد، وكتاب الإسبرين ـ قصة استثنائية لعقار أعجوبي ـ لديار مويد جيفريز ترجمة تانيا ناجيا.
وبمناسبة قضايا الترجمة وأهميتها فقد أعلن الشاعر عبد العزيز سعود البابطين قبل إلقاء قصيدتيه في الأمسية الشعرية الأخيرة، أنه وقع اتفاقا مع منظمة اليونسكو في باريس ينص على ترجمة كتاب كل شهر من العربية إلى إحدى اللغات الأجنبية، مشيرا إلى أن هذا الأمر يأتي في إطار جهد مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري لإيصال الأدب والفكر العربي إلى القارئ الأجنبي.
وقد قامت د. نورية صالح الرومي الأستاذ بكلية الآداب ـ جامعة الكويت، بإهداء مؤلفاتها للضيوف المشاركين في الملتقى، ومنها: الخطاب المسرحي في النقد الأدبي بالخليج العربي، ومحمود شوقي الأيوبي حياته وتراثه الشعري، وشعر فهد العسكر ـ دراسة نقدية وتحليلية، والحركة الشعرية في الخليج العربي بين التقليد والتطور.
إلى جانب الإهداءات المتبادلة بين الشعراء والكتاب المشاركين، الأمر الذي تحول معه ملتقى الكويت الأول للشعر العربي في العراق، إلى سوق عكاظ عصري، نتمنى أن يتكرر دوما ليس في الكويت وحدها ولكن في كل عاصمة عربية، فما أحوجنا اليوم إلى التماسك والتلاحم أكثر من ذي قبل، والشعر يستطيع أن يفعل ذلك، متى وجد من يؤمن بذلك، وأعتقد أن الشعر وجد في عبد العزيز سعود البابطين ومؤسسته العربية في الكويت المناخ الذي ينتفض فيه معلنا انتهاء زمان القطيعة، وبداية زمان الشعر، زمان الحب، زمان الود، ليس فقط بين العراق والكويت، ولكن أيضا بين شعراء العربية الآخرين على اختلاف أقطارهم العربية. أحمد فضل شبلول ـ الكويت