هل سيقود بشار الأسد الثورة البيضاء و'كفاية' السورية بنفسه؟

بقلم: سمير عبيد

ذكرت مجلة وثيقة "كيفونيم" الإسرائيلية وهي الناطقة باسم المنظمة اليهودية العالمية عام 1882، وترجمها البروفيسورالاسرائيلي الراحل إسرائيل شاحاك من اللغة العبرية إلى العربية، حيث تتحدث الوثيقة عن أهمية تفتيت الأقطار العربية عامة والكبيرة نسبيا منها، وخاصة مصر والعراق وسوريا، لأن هو الأساس لقيام إسرائيل الكبرى، حيث تقول الوثيقة "يراد لسوريا التفتيت على أساس تنوعها الطائفي وكذلك العراق"، وهو مربط الفرس كما يقولون، وهو لب المشروع الأميركي الصهيوني القديم الجديد والذي يراد تصديره من العراق نحو سوريا والأقطار العربية الأخرى، والذي يغطون عليه بالكلام عن الديموقراطية والحرية ومساعدة الشعوب المغلوبة على أمرها، علما إن الولايات المتحدة شجعت وحمت وساندت الانقلابات العسكرية، والنظم الشمولية ولمدة خمسين عاما في المنطقة العربية والإسلامية، وشاركت في قمع الثورات الوطنية والشعبية وخير مثال ثورة الدكتور مصدق في إيران، وأفشلت جميع الثورات والخطط التي حدثت ضد نظام صدام حسين، وهناك عشرات الأمثلة.
يعلم كل متابع وخبير إن الولايات المتحدة هي الخاسر من الحرب على العراق، وعلى الأقل الآن وفي المستقبل المنظور، وأن الرابح الأكبر هي إسرائيل التي دخلت للعراق وغنمت ما تريده من العراق، ولازالت تصول وتجول في العراق، وعلى حساب الولايات المتحدة، ودون إن تعطي أية خسائر تُذكر، ولازالت تطمح بالمزيد في العراق، بل تريد الوصول إلى سوريا ولبنان أيضا، كي تتفرغ إلى مصر بعد أن غزت السودان، وأصبحت قريبة من الخاصرة المصرية، لتعود إلى منطقة الخليج العربي والسعودية، كي تكون المنطقة على صفيح ساخن وسط التناحر الطائفي والعرقي، وحتى المناطقي والحزبي، ويبدو هي سمة القرن الحالي، كي تكون الدولة المتكاملة والقادرة على قيادة هذه الكيانات هي إسرائيل.
وسنقترب من السذاجة لو تيقنا إن الهدف الوحيد هو التفتيت والهيمنة، بل هناك أهداف كبيرة أخرى. فإسرائيل لن ترتاح وهناك توأمة بين العروبة والإسلام، ولن ترتاح وهناك توأمة بين القرآن والسنة (أي السنة المتمثلة بأقوال الرسول ص والصحابة رض)، بل تريد فصل العروبة عن الإسلام من خلال الحملات الإعلامية والبرامج الثقافية العملاقة والتي جندت بها ولها ذوي النفوس الضعيفة من العرب والمسلمين لينهشوا بالعروبة والدين الإسلامي، ومن أجل ذلك انفقت ولازالت تنفق ملايين الدولارات على تلك البرامج، كما تريد إسرائيل فصل القرآن عن أحاديث الرسول (ص) ليكون قالبا يفسرونه على هواهم، وهناك برنامج ضخم قام به ويريد تطبيقه أحد المعاهد الأميركية في المنطقة العربية، وهو برئاسة الأميركية زوجة السفير الأميركي في أفغانستان، والمرشح للانتقال إلى بغداد ليكون سفيرا هناك هو السيد خليل زلماي زاده.
لهذا لن نستغرب الحملة على سوريا العربية والقومية، فالمثلث النابض بالعروبة هو "العراق ــ سوريا ــ لبنان" فعندما حطموا أحد أضلاع ذلك المثلث وهو العراق (ولا نعني نظام صدام )، وحسب كذبة أسلحة الدمار الشامل، جاء الدور على الضلعين المتبقيين وهما سوريا ولبنان، ففي لبنان طبقوا نبوءة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شيمون بيريز عندما قال في كتابه عن الشرق الأوسط "لقد انتهت معارك الثكنات وبدأت معارك الجامعات" وهو تجسيد حي للمظاهرات التي حدثت ولازالت، والتي قام بها الطلبة الجامعيين في لبنان، أما سوريا فسنّوا ضدها قرار مجلس الأمن المرقم 1559 وقبله سنّوا قانون محاسبة سوريا والذي جُدّد قبل أيام لعام آخر، والغاية هي ليست إخراج سوريا من لبنان والذي تأخر قليلا وكان المفروض أن يحدث منذ عام 2000 أي خروج سوريا من لبنان، بل الأهداف هي أكبر من ذلك، وتصل إلى حد إسقاط النظام في سوريا، والتدخل في الشؤون السورية كما فعلوا في العراق، أي بمعنى التغلغل الإسرائيلي في سوريا كما حصل ويحصل في العراق، وبالتالي يريدون لسوريا مجرد "ترانزيت" لمرور النفط المسروق من العراق والخليج نحو إسرائيل والولايات المتحدة، ومن ثم ترانزيت لمرور الماء المسروق من العراق، ولمرور الرساميل الضخمة والقادمة من العراق ومنطقة الخليج العربي، كي تبدأ هيمنة الشركات العملاقة، والتي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل تحل محل الدولة و البرلمان، وتكون هي المانح لحياة المواطنين ومستقبل السياسيين، وبالتالي سيتحول المواطن السوري والعراقي واللبناني إلى أجير في بلده ولدى الشركات العملاقة التي ستدير حتى توزيع المياه والخبز وإدارة المواصلات وغيرها، وهكذا سينتقل الأمر نحو مصر والسودان ودول الخليج العربي.
وهنا نحذّر من اتهامنا بأننا مع الأنظمة العربية وضد الحركات الإصلاحية التي بدأت في مصر وبيروت وغيرها من الأقطار العربية، بالعكس فهذه نعمة تأخرت كثيرا، ولكننا نتوجس من استغلال تلك الحناجر وتلك الجماهير الطيبة للوصول إلى تسهيل التدخل الأميركي والإسرائيلي في تلك الدول، وذلك من خلال تجنيد بعض العناصر القيادية في تلك الحركات والتجمعات للوصول إلى حد الاتكال على أميركا وإسرائيل المستترة في جوفها.
لذا فحركة "كفاية" في مصر جاءت كردة فعل للتعنت الحكومي والهيمنة الحكومية في مصر، ويتحمل النظام الحاكم في مصر المسؤولية الكاملة لما ستؤول لها الأمور، وجاءت كفاية المصرية من أجل تصحيح الأمور، وإلغاء حالة الطوارئ، وتغيير فقرات قانون الأحزاب والانتخاب وغيرها. كما إن حركة "كفاية الأردنية" جاءت كي توقف قطار الوجوه المتكرر منذ عشرات السنين، وتطالب بوجوه جديدة ونزيهة، أما المسيرات الضخمة في لبنان فلازالت عاطفية وغير موجهة، بل تم استغلالها من قبل تجار "الشنطة" وأصحاب المواقف المتقلبة، مما افقدوا عذرية ونزاهة تلك المظاهرات الشبابية، وكان المفروض أن تكون تلك المظاهرات من أجل الدفاع عن ديموقراطية لبنان الرائعة والتي تفوق ديموقراطية أميركا في الشرق، وليست للتبشير بديموقراطية أميركا التي تستند على الدم والتدمير وعدم الاحترام، وما يحدث في العراق لهو خير دليل على ديموقراطية أميركا.
ومن هنا يبدأ السؤال المهم، وهو الغاية من هذا المقال: هل سيقود الرئيس الدكتور بشار الأسد كفاية السورية بنفسه؟ خصوصا ولدينا معلومات سرية، ومن مصادر أوربية إن الولايات المتحدة عازمة على تغيير النظام في سوريا، ولكن دون إيذاء الرئيس السوري بشار الأسد، والذين جاءوا معه، كونه لم يرتكب إثما بل قام بتغييرات جوهرية، ومنها محاربته للفساد والفاسدين، وتنظيف السجون السورية من السجناء السياسيين، وفتح حرية الصحافة، وشيئا من الانفتاح السياسي والذي للأسف لم يتبلور كما تمنى الرئيس بشار الأسد. كما نشّط الثورة المعلوماتية، والعلاقات مع الدول الأوربية وتركيا، ثم قام بالقرار الشجاع عندما قرر سحب الجيش السوري من لبنان، وبما إن القرارات الأميركية ليست منزلة، وليست قرارات مسلطة على الشعوب والأوطان الحرة، لهذا على السوريين استغلال الوقت المتبقي من أجل سحب البساط من تحت الذين يريدون الشر بسوريا، وخصوصا مجموعة المحافظين الجدد في البيت الأبيض والتي تضغط على الرئيس الأميركي بوش من أجل التصعيد، لهذا على السوريين إخراج الرئيس الأميركي بوش من ضغط المحافظين الجُدد، ومن ضغط اللوبي اليهودي في أميركا، وذلك من خلال ثورة تصحيحية في كل شيء داخل سوريا، ومن حق السوريين تعيين ثوابتهم التي لا يمكن القفز عليها وهم الأعرف بها، وبنفس الوقت على الحرس السوري القديم (من السياسيين والحزبيين والعسكريين ورجال المخابرات والأجهزة الأخرى) المبادرة بفسح المجال إلى العناصر الشابة، ومساعدة الرئيس بشار الأسد في الإصلاح، ولأجل سوريا والشعب السوري ومستقبل الأجيال السورية الزحزحة قليلا، كي لا يكونوا حجة تلوح بها أميركا، وتيار المحافظين واللوبي اليهودي من أجل التدخل في الشؤون السورية، كما حصل في العراق عندما أعلنوا القبض على 55 شخصية سياسية وعسكرية وحزبية، فالوقت من ذهب والمصلحة العليا للوطن والشعب تحتم اتخاذ القرارات الصعبة لأن القادم أصعب!.
فأمام الرئيس بشار الأسد فرصة تاريخية لإنقاذ سوريا والشعب السوري بالإصلاح وليس بالانبطاح، فهناك مطلب شعبي لتغيير المسار السياسي، وليس له علاقة بالمطلب الدولي الذي يريد الإصلاح السياسي حسب المزاج الدولي الذي قد يبيح تفتيش القصور والبيوت، كما حدث في العراق وتحت كذبة أسلحة الدمار الشامل، والتي تلوح بها أميركا ضد سوريا أيضا.
فهل سيقود الرئيس بشار الأسد ثورته البيضاء يوم السادس من حزيران/ يونيو المقبل، وذلك من خلال المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث الحاكم في سورية، والذي سيشارك به 1200 شخصية منها 800 شخصية مدنية بينها 90 عضوا من البرلمان السوري؟
إنها الفرصة العظمى نحو التجديد والإفلات من المخاطر، وهي الفرصة لولادة ديموقراطية تنتصر على ديموقراطية الدم التي يتباهى به بوش في العراق، والتي يريد تصديرها إلى الأقطار العربية، فليس عيبا ولا مستحيلا أن تكون سوريا رائدة الإصلاح العربي العربي، وهي أمنية جميع الشعوب العربية، حيث يكون الإصلاح من العرب أنفسهم، وليس من قبل واشنطن وتل أبيب ومن خلال لأباتشي والدبابة كما حصل ويحصل في العراق.
لذا فجميع المؤشرات والتسريبات من الساحة السورية تبشر بخير، ويتوقع قسم من المحللين ستكون في سوريا ديموقراطية واعدة لو أحسن السوريون إدارة مؤتمرهم القطري القادم، فلحد الآن هناك تسريبات تقول هناك نية لبحث الملفات التالية:

1. سيتم مناقشة قانون الأحزاب والذي سيفسح المجال لتسجيل وإنشاء الأحزاب السياسية.
2. سيتم إلغاء عقوبة الإعدام (علما إن هذه العقوبة غائبة منذ زمن بعيد في سوريا) والتي صدرت ضد الإخوان المسلمين، أي تعديل قانون 49 لعام 1980.
3. سيتم تناول المسألة المهمة وهي علاقة الأجهزة الأمنية والفروع بالمواطنين، والتي يريدها الرئيس بشار أن تكون علاقة وطنية تخلوا من أي تعدي وتعسف.
4. مناقشة اقتصاد السوق والذي سيقود إلى الاقتصاد الحر المنضبط وليس الفوضوي.
5. سيتم تعديل قانون الجمعيات والنقابات في سورية
6. سيتم البحث في النقطة التي هي مصدر خلاف دائم، وهي الخاصة بـ"قانون الطوارىء" أي سيتم تعديلها والتي لازالت جارية منذ الستينات.
7. ستتخذ قرارات تتيح الحرية السياسية والاقتصادية وفتح السوق السوري نحو العالمية.
8. وهناك نيّة لدى البعض أن يتم تغيير أسم حزب البعث العربي الاشتراكي ليبتعد من الاشتراكية نحو الديموقراطية، والقضية ليست معجزة فهناك سوابق حدثت في دول كثيرة، ومنها حزب العمال البريطاني الذي غير مساره أيضا وثبت نجاحه، لذا ليس معجزة أن يتغير اسم حزب البعث من خلال إضافة (الديموقراطي) والذي يجب أن يكون شعار المرحلة والحزب.
9. وهناك قضايا كثيرة ومثيرة سيتم بحثها حسب أقوال مصدر حزبي مقرب من التنظيمات الحزبية في سوريا.

فهل سيكون هناك نصرا بين نكستين، وفرحة بين حزنين، حيث انعقاد المؤتمر سيكون في السادس من حزيران/ يونيو، وهناك الخامس من حزيران وهو ذكرى يوم النكسة المشئوم، وفي العاشر من حزيران/ يونيو هو ذكرى وفاة الزعيم الراحل حافظ الأسد، فيا ترى هل ستهدى الإصلاحات الموعودة ونتائج الثورة ــ البيضاء ــ التصحيحية إلى روح الرئيس الراحل حافظ الأسد، وهل سيكون رفاق المرحوم الأسد أوفياء له حيث يرفعون الإيثار شعارا من أجل سوريا والشعب السوري، ودعما لنجله الدكتور بشار الأسد، فإنها معركة الوفاء، وكشف حساب الوطنية، ففي السادس من حزيران/ يونيو القادم سيتبيّن معدن الرجال، وسيُكشف حساب الوطنية ونقد الذات، وسيُعرف من هو الذي سيضع مصلحة سوريا فوق مصالحه الشخصية والحزبية، فتحية إعجاب لجميع المسئولين والضباط والحزبيين القدماء الذين سيفسحون المجال إلى التجديد والإصلاح والى الدماء الشابة، وعلى الرئيس الشاب الدكتور بشار الأسد تكريمهم على مواقفهم التي سنسمعها أن شاء الله يوم السادس من حزيران/ يونيو المقبل.
لذا فجميع العرب وكل شرفاء العالم ينتظرون بشوق إلى نتائج المؤتمر القطري العاشر، فهل سينقذ سوريا والشعب السوري من الخطر، وهل سيكون بمثابة الثورة البيضاء بقيادة الرئيس الشاب الدكتور بشار الأسد، وهل سيُسحب البساط من تحت أقدام الذين يريدون الشر لسوريا؟
وفق الله الجميع من أجل سوريا وشعبها... ووفق الله كل مسئول وضابط ينتقد نفسه وذاته ومسيرته من أجل المصلحة العليا للوطن. سمير عبيد
كاتب ومحلل سياسي عراقي يقيم في أوروبا samiroff@hotmail.com