ما سر قوة المرأة التونسية؟

تونس ـ من إيهاب سلطان
المرأة على علاقة متوازنة مع الحداثة والتقاليد

لعل أكثر السمات التي تدفعك إلى التأمل في شخصية المرأة التونسية هي قوة الإرادة، فهي تنفرد عن مثيلاتها العربيات بصفات عديدة في مقدمتها الإرادة القوية التي تعكس الدعم السياسي والاقتصادي وكافة أشكال المساندة التي مكنتها من الانطلاق نحو الأمام، وإلى تطوير قدراتها وتأهيلها للاندماج في الحياة الاقتصادية، ومواكبة مقتضيات الاقتصاد الجديد ومهن الغد.
وتحظى المرأة التونسية اليوم، بفضل التوجيه الواضح، بموقع أساسي في المجتمع الذي يرتقي بالعلاقات بين الجنسين إلى مستوى الشراكة. فهي متعلمة، متكافئة مع الرجل، تتحمل المسئوليات في ميدان العمل وفي الحياة الأسرية والعامة.
كما تساهم المرأة التونسية بشكل واضح ومؤثر في الإبداع والابتكار والإنتاج الثقافي، وتساهم بقوة في موقع المواطن الشريك في نشر القيم السامية، ودعم الثوابت الحضارية بين الأجيال.
ومن جانبنا، حاولنا معرفة سر قوة الإرادة عند المرأة التونسية، حيث أرجعت القانونية نادرة بن عرفة السبب إلى القوانين والثقافة والمستوى التعليمي، وأيضا التشريعات المتجددة التي تمنح للمرأة سنويا لدعمها ودفعها نحو المشاركة بفاعلية داخل المجتمع.
وقالت نادرة "أن المرأة التونسية مدعومة بالقانون في الأسرة والمجتمع ككل، وأصبحت تشارك بقوة في كافة مجالات الحياة، فهي تقود الحافلات والتاكسي، وتخدم في الجيش ولم يقتصر دورها في المجتمع على مجال معين بل تشارك في كافة مجالات الحياة بلا استثناء".
وأضافت أن "المرأة التونسية لا تتعدى حق الرجل، فهي تعرف جيدا المسئولية التي على عاتقها، وتتحملها، وتثبت كل يوم وفي كافة المجالات أنها جديرة بهذه المسئولية، ولهذا فهي اكتسحت كل المجالات وتفوقت واستبقت الرجل في العديد من المجالات لأن معايير النجاح في المجتمع للعمل هي العمل والتفوق ولا شيء غيرهما."
وأشارت نادرة بن عرفة أنه لا فرق بين المرأة التونسية ومثيلاتها في أوروبا إلا في شيء واحد وهو تمسكها بثقافتها وعاداتها وتجهر بذلك في الشارع من خلال لبسها وسلوكها، وبما يعكس احترامها للثقافة العربية والإسلامية فلا تتعدى هذه الثقافة التي أصبحت جزء منها مهما نالت من حقوق، ولا تمارس الحرية المطلقة بدافع ذاتي وقناعة شخصية على عكس المرأة الأوربية.
ويرى نزار نويرة (طالب يدرس في ألمانيا) أن الحرية التي منحها الرئيس زين العابدين بن علي للمرأة أثمرت هذه قوة إرادتها، ودعمه لحقوقها جعل منها امرأة متميزة في شمال أفريقيا بصفة خاصة وفي العالم العربي بصفة عامة.
وأضاف نويرة "المرأة التونسية لا تختلف كثيرا عن المرأة الألمانية، حيث تتساوى معها في ممارسة الحقوق والواجبات مثل الحق الانتخابي و حق التعبير و العمل في كافة المجالات والدراسة و مشاركة الرجل في مجالات الحياة دون قيد أو شرط، والاختلاف الوحيد بينهما هو أن حرية المرأة التونسية تنطلق من ثوابت عميقة في ثقافتها وعقيدتها واحترام كامل للعادات والتقاليد الأصيلة وهو ما يعكس مدى حضارة الثقافة العربية والإسلامية على عكس الألمانية التي تمارس الحرية الكاملة دون قيود كجزء من ثقافتها."
ويرى علي بو عوني (موظف) أن المرأة التونسية قوية لأنها استطاعت وبجدارة أن تثبت للجميع قدراتها على التعاون المثمر مع الرجل في دفع عجلة التنمية في البلاد، وأيضا قدرتها على احتواء الأسرة وتلبية احتياجات أسرتها.

وأضاف بو عوني "المناخ السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي دعم المرأة التونسية في تكوين شخصيتها سواء كان هذا الدعم في صورة قوانين أو حقوق أو حريات وهو ما أفرز تواجد قوي ومؤثر للمرأة في المجتمع وجعلها تشارك وبقوة في برامج التنمية والنهضة التي تعيشها تونس الآن بل استطاعت وبصدق أن تسبق الرجل التونسي في العديد من المجالات."
وأرجعت سلوى العايشي اللبان وزيرة شؤون المرأة والأسرة والطفولة والمسنين التونسية، سر قوة المرأة التونسية إلى قوة شخصية الرجل التونسي.
وقالت سلوى العايشي اللبان لميدل إيست أونلاين "أن المرأة التونسية متأثرة بإيمان الرجل بها، حيث تتمتع بخصوصية منذ أواخر القرن التاسع عشر، بمعنى أن قضية الرجال الأوائل كانت هي قضية المرأة وكيف تنال حقوقها، فالذين دافعوا عن المرأة هم الرجال بجانب النساء اللاتي ناضلن في فترة التحرير حتى نالت المرأة التونسية حقها وحريتها".
وأضافت أنه لا يوجد امرأة واحدة في تونس ناضلت ضد الرجل، ولكن ناضلت النساء مع الرجال من أجل الحرية ولصالح المرأة وهذه هي خصوصية تونس، فالرجل التونسي مقتنع منذ القدم بأهمية أن تنال المرأة حقها وحريتها.
وأوضحت اللبان أنه في أوائل القرن العشرين كان المصلحون من رجال التحرير في تونس باختلاف مستوياتهم مؤمنين بحتمية أن تنال المرأة حريتها، وأن حياة العبودية غير مقبولة ومنهم أسماء كثيرة من بين هؤلاء طاهر الحداد الذي عبر عن ذلك في كتابه "المرأة في الشريعة والمجتمع"، ونادى الحداد ومعه مجموعة كبيرة من المناضلين في السنوات اّلأربعين الماضية وجميعهم من خريجي جامعة الزيتونة بحرية المرأة وبضرورة أن تنال حريتها وحقوقها، وهذه هي خصوصية تونس.
كما ساند العديد من الرجال، من الجنود المجهولين في قضية تحرير المرأة ومساواتها، ساندوا طاهر الحداد، وأيدوا رؤيته وشاركوا معه في النضال من أجل حرية المرأة التونسية.
وقالت اللبان "من هنا يتبين لماذا المرأة التونسية قوية الإرادة، لأن الأجيال من النساء اللاتي أصبحن الآن أمهات، وأيضا الأباء مؤمنين إيمانا كاملا بأفكار طاهر الحداد، وأهمية تحرير المرأة وهم دفعونا للأمام بأفكارهم في أول استقلال تونس، ودفعوا المرأة التونسية نحو التعليم، والتسلح بالمعرفة والعمل".
كما أن حركة التحرير في تونس كانت في الأساس قائمة على رجال مصلحين مثل الحبيب بورقيبة ورفاقه في النضال ـ خريجي مدرسة الصادقية وهي مدرسة متفتحة ـ الذين تميزوا برؤيتهم الإصلاحية والإستشرافية والمتبصرة لأنهم أمنوا بأنه لا تقدم ولا رقي في المجتمع إلا بحرية المرأة، وأن حرية المرأة ليست منحة أو هدية تمنح للمرأة ولكن انطلاقا من رؤية واستراتيجية تخلص إلى أنه لا تقدم بدون تحرير المرأة، ومن هنا فإن قوة المرأة التونسية يرجع إلى المساندة القوية من الرجل منذ بداية الاستقلال، حيث طاهر الحداد وزملائه من المفكرين الذين ساندوا وناضلوا مع المرأة حتى نالت حقوقها.
كما أسس الحبيب بورقيبة ورفاقه الدولة الحديثة على أساس إيمان كامل بأنه لا تحرر ولا تقدم للمجتمع بدون تحرير المرأة، ثم جاء عهد الرئيس زين العابدين بن علي الذي آمن وثابر وواصل هذا المسار ودعمه انطلاقا وإيمانا بأهمية تحرير المرأة ونيل حقوقها، واستكمال وتطوير نفس الرؤية لأنه لا تقدم لبلد نصف مجتمعه مشلول.
وبصفة عامة قالت الوزيرة اللبان "على قدر ما تحرر المرأة وتعطيها قدرات وتطورها وتؤهلها على قدر ما تؤمن المجتمع وتقوية وتتقدم، وهذه هي القوة، فنحن كرجال ونساء مؤمنين بنفس القضايا، وتربينا في أسر مؤمنة بأن للمرأة دور كبير في المجتمع، ولا يوجد لدينا إشكالية أو حساسية بأن المرأة شريك أساسي، ولهذا أصبح للمرأة التونسية شخصية متميزة، وأضحت صاحبة قرار وقوية الإرادة".

وأضافت "أن أي إنسان، خاصة المرأة إن وضعتها في محيط مشجع تتقدم وتزدهر وتتفقد طاقاتها، وإن تغمها وتحاصرها وتحد من دورها لا تعطي شيء، لذلك تحيط الدولة المرأة بعناية شديدة." تونس ـ إيهاب سلطان