فيدرالية للجنوب .. ولكن!

بقلم: نجاح محمد علي

يكثرُ الحديث هذه الأيام عن فيدرالية الجنوب التي يريدها البعض بنية صادقة، وأخرون ربما تمهيدا لفصل الجنوب العراقي ومن ثم تقسيم العراق الى دويلات عدة استنادا الى قانون إدارة الدولة الذي أعد برعاية الحاكم المدني السابق بول بريمر.
ومن الطبيعي جدا أن ترتفع مثل هذه الدعوات بعد سقوط النظام السابق، خصوصا عندما يرى سكانُ الجنوب أنهم ظُلوا بعيدين عن ممارسة حقهم كما يجب وكما ينبغي أن يكون، فيما البصرة وباقي مدن الجنوب، تحتضن خيرات الله من النفط والماء وما حبته عناية الرحمن.
حتى في الأحزاب والتنظيمات (أيام المعارضة) كان سكان الجنوب، يشعرون أنهم لا يعاملون كما يجب، في الوقت الذي تُستغلُ امكانياتهم لصالح بروز زعماء! يتربع معظمهم اليوم على سدة الحكم في العراق الجديد.
لا أريد أن أنكأ الجراح، ولن أعمل على تفكيك الجهد العراقي الموحد لبناء عراق مسقل قوي يملك إرادته ويُعملُ سيادته على كامل أراضيه، الا أنني أجد نفسي أتعاطف اليوم مع الجزء الصالح من أبناء الجنوب الذين يفكرون بالفيدرالية كحل نهائي للحصول على حقوقهم.
صحيح إن تخفيف قبضة سلطة المركز والسماح للولايات أو الأقاليم بالانطلاق في مهمة إعادة الاعمار، يُسارع في التنمية الاقتصادية والسياسية والثقافية وحتى الاجتماعية، لكنني لا أستطيع أن أُخفي مخاوفي من ذلك الجزء غير الصالح من أصحاب النوايا غير سليمة فيما يتعلق الأمر بالدعوة الى فيدرالية اقليم الجنوب.
وفي هذا الواقع تتحدث أنباء عن تمويل خارجي لمؤتمر سيعقد أواخر هذا الشهر لتبرير المطالبة بفيدرالية الجنوب في ضوء نية بعض الأطراف عقد مؤتمر في البصرة نهاية الشهر الحالي لإعلان "إقليم الجنوب" الذي سيرتبط صورياً بالحكومة المركزية ،ولكن ليس على غرار الاقليم الكردي في شمال العراق.
وقيل في هذا الصدد إن أوساطاً عديدة منها التيار الصدري في محافظات البصرة والناصرية والعمارة يرفضون هذه النزعة التي يسمونها "انفصالية" ويشككون في أغراض أصحابها، ويرددون إن جهات خارجية تغطيها مالياً وسياسياً تحت عناوين "مساعدات إنسانية وإغاثية" في الوقت الذي تنشط فيه مراكز بث الدعاية للترويج الى أن البصرة وباقي مدن الاقليم، ستتحول إلى هونغ كونغ الخليج عند فصلها عن الدولة العراقية المركزية.
ولن أجزم بصحة هذه الأنباء ، لكنني لا أستطيع أن أتجاهلها خصوصا وأن المصادر تتحدث عن رصد مبلغ كبير خصص لتغطية احتياجات مؤتمر البصرة الاقليمي الذي قاطعه التيار الصدري والسُّنة الذين يشكلون نسبة كبيرة من سكان البصرة، إضافة إلى العشائر والبيوت الأصيلة فيها والمسيحيين، وأعلن هؤلاء أن أغلب المشاركين في المؤتمر سيمثلون أنفسهم فقط، كما أن هناك شكوكا بأن يشترك نائب رئيس الوزراء أحمد الجلبي في أعمال المؤتمر بعد أن كان من أكثر المتحمسين له.
أقول: إّاذا كان من حق الكرد الحصول على فيدرالية في كردستان، بشرط أن تتوضح صورة هذه الفيدرالية بما يبدد مخاوف الانفصال، فان الأمر يختلف تماما في الجنوب، لأن مثل هذه الفيدرالية يجب أن تكون إداريةً، لضمان حقوق جميع مكونات "الاقليم"، وإن الحديث عن فيدرالية للجنوب على قياس فيدرالية كردستان القائمة على أساس عرقي قومي، ينطوي على مخاطر جدية، فسكان الجنوب العراقي عرب فيهم الشيعة وفيهم الُّسنة، وفيهم الصابئة والمسيحيون، وقلة من الكرد، بما يجعل من المستحيل مقارنة فيدراليتهم المنشودة، مع ما يُرادُ لها في كردستان.
هؤلاء الذين أسسوا منظمات ودعوا الى ندوات وهم يتراكضون هذه الأيام نحو الفيدرالية كأن في أرجلهم اجنحة، وينوون عقد المؤتمر الفيدرالي الأول في البصرة، ربما لا يدركون حجم هذه المخاطرٍ عندما يريدون فيدرالية لن تكون الا إدارية، فيما الكرد سيحصلون على أخرى قومية.
وهل يمكن الحديث عن فيدرالية إدارية للجنوب رفضها الكرد في الشمال قبل الانتهاء من إعداد الدستور؟
صحيح إن قانون إدارة الدولة هو ما ستتم صياغة الدستور القادم على أساسه،ولكن يظل السؤال الأزلي قائما: البيضة أولا ام الدجاجة؟ نجاح محمد علي