محمد سناجلة يمزج بين الرواية الإلكترونية وخطوط السرد

بقلم: هيا صالح
سناجلة: بين الأدبي (المتخيل)، والتاريخي (الواقع)

في "التوضيح" الذي استهل به روايته "ظلال الواحد" يؤكد الروائي الأردني محمد سناجلة أنه تردد "كثيراً في نشر هذه الرواية ككتاب ورقي مطبوع"، موضحاً أنه قام بكتابة الرواية لتنشر على شكل كتاب إلكتروني، من خلال تقنيات الوصلات (links) ، والـ(tags) أو نص الهايبرتكست المستخدمتين في الكتابة الإلكترونية، وفي بناء شبكة الإنترنت، ويضيف: "إلا أن هذا النشر لم يحقق ما كنت أطمح إليه.. ولم يعد أمامي سوى الخيار الأصعب، وهو إعادة نشر الرواية على شكل كتاب ورقي مطبوع.. وقد اضطررت إلى أن أحذف بعض أجزاء الرواية، وأن أعيد كتابة أجزاء أخرى لتتماشى مع القدرة المتواضعة التي يقدمها الكتاب الورقي" [ص9-10].
على الرغم من هذه المقدمة "التوضيحية"، التي تتضمن أيضاً نصيحة موجهة من السناجلة للقارئ، يبين فيها الكيفية المناسبة لقراءة الرواية: "حين يبدأ خط سردي بالتشظي والتفرع إلى وصلات مع تشظي وتفرّع الشخصية الرئيسية"، فإن الكاتب أخرج روايته في النهاية على شكل كتاب ورقي، ولا بدّ أنه لم يكن ليفعل ذلك لولا اقتناعه بأن الرواية، على هذا الشكل، سوف تصل إلى القارئ، وسوف تحقق غايتها، لذلك فإن قراءتي للرواية ستقتصر على ما بين يديّ من كتاب ورقي، وسأحاول غض النظر عن كونها نشرت ككتاب إلكتروني؛ لأن ذلك يحتاج إلى قراءة أخرى، مختلفة ومغايرة بالتأكيد.
لا تتخذ "ظلال الواحد" خطاً سردياً واحداً، بل تتشكّل من خطوط سردية متعددة، لكلٍّ منها أحداثه، وشخوصه، وأزمنته، وأمكنته، حتى ليبدو أننا نسير من خلال قراءة الرواية في طريق متعرجة تفضي إلى كثير من التفرعات، إذا ما سلكنا واحدةً منها، فإننا سنرى أشياء مختلفة تماماً، عما يمكن أن نراه حين نسلك غيرها، لكن المدهش هنا، هو أن التفرعات تتضافر وتلتقي في النهاية في الطريق نفسها التي انبثقت عنها، وإن كان التقاؤها يتخذ في ختام الرواية شكل الهذيانات التي لا ينظمها ناظم، سوى أنها تنسال من ذهن الراوي، كالحمم البركانية أو الطوفان.
ولا بدّ من الإشارة هنا إلى وجود خيوط وقنوات بين الخطوط السردية تصلها ببعضها بعضاً -رغم استقلالية كل منها عن غيرها في الوقت نفسه- وتتحرك عناصر الرواية فيها بشكل دوراني.
تتفرع الأحداث وتتشابك الأزمنة في الرواية عبر تقنيات من أبرزها الاسترجاع الذي يكثر استخدامه في حديث الراوي (بضمير الأنا) عن محبوبته التي كان وجودها في حياته سببَ ما يعانيه من ألم وتشظٍ وانكسار، وانتهى ذلك الوجود مادياً حين أقدم الراوي على قتلها، لكنها بقيت تعشش في وجدانه وتحرقه بذكراها: "كانت تجلس عند تلك النافذة تحدق في البعيد وتغرق في حزنها.. حزنها الذي ليس كمثله حزن، حزن كئيب، صامت، شاحب، يخترقك بصمته.. ماتت عشيقتي ومات قلبي معها، فاسكر معي يا سيدي واعطني بدل العشق موتاً" [ص16 – 17].
وبموازاة الاسترجاع، يلجأ السناجلة إلى التداعي، حيث الراوي يلقي ما يعتلج في صدره من آلام ويتركها تنساب عبر الكلمات، حتى تفقد الأحداث أحياناً ترابطها، وتبدو الأفكار مشظاة ومجزأة لا يربطها سوى ذلك الكم الهائل من الحزن والكآبة اللذين يسيطران على الراوي ويسمان عالمه بالخراب والدمار: "أحس بأنني انتهيت، تكسرت وتلاشت شظاياي في غبار الصمت الأبيض، لا أملك أية رغبة في فعل أي شيء، أمضي الساعات الطويلة جالساً في مقعدي الكئيب، كأس العرق يذوي في يدي ثم تشتعل شياطينه إذ تندلق في جوفي لأزداد مواتاً" [ص24].
وقد استخدم الكاتب التقنيات بحسب ما يتطلبه كل خط سردي، ومثال ذلك استدعاء شخصية عباس بن فرناس، المشهورة في التاريخ العربي، وعقد حوار بينه وبين الراوي نكشف من خلاله أن غوايةً تعرض عباس لها من قبل امرأة، أغرته بألوان المتعة، وجعلته يحلق في سمائها، كانت السبب في موته، حيث وجد نفسه معلقاً في منتصف الطريق بين السماء والأرض فتكسر جناحاه الوهميان، وسقط: "صنعت جناحين ثم حلقت وراءها، سماء تشيلها وسماء تحطها وأنا خلفها مثل الغراب الأسود، فجأة لم تعد جناحاي تقويان على حملي، لم أعد أقدر على حمل جناحيّ.. رأيتهما وهما يتشظيان ويتناثران في الغول الأثيري المترامي الأبعاد بينما يتردد صوت ضحكتها في جنبات السموات السبع، ذهبت وتركتني وحيداً في العتمة وهويت.. هويت.. هويت" [ص27 – 28].
أفاد السناجلة في روايته من أجواء الحكاية الشعبية، وخصوصاً ما يرتبط منها بـ"الغول" المخيف الذي يسيطر على العناكب والحشرات. وتم توظيف الحكاية على شكل حلم لا ينتهي بمجرد أن يفتح الراوي عينيه، بل يستمر حضوره ليمتزج مع الواقع بصورة سحرية، إذ يذكره الحلم بدماء حبيبته التي أقدم على قتلها، ومن بين تلك الدماء تخرج العناكب والحشرات تنفيذاً لأوامر الغول، ليتوازى الراوي بفعله المتوحش وسلوكه الإجرامي مع الغول الذي يرتبط بالذاكرة الشعبية بالجبروت والقسوة واللارحمة: "هجم الغول على قلعة السقف الحصينة فاحتلها، ثم أخذ يصرخ في عتم الوحشة فركعت العناكب والحشرات على وجوهها مرتعبة مطيعة... تسلل عنكب صغير من بين خصلات شعري ودخل في عيني. صرخت.. لكن لم يخرج صوت.. دماء حبيبتي تتناثر في الأرجاء" [ص43].
كما مزج الكاتب بين الأسطورة والواقع، فاستدعى أسطورة التنين "لوتيان"، الذي قام بقتل والد الراوي ما دفع الراوي إلى السعي للانتقام لوالده وقتل التنين، وحين تحاول حبيبته "يوها" ثنيه عما ينوي فعله، لا يستمع لها، ويقرر مواصلة البحث عن التنين لأخذ ثأره : "قلت لها: لست مجنوناً.
فصرخت: لا أحد يقدر على التنين لوتيان، إنه ابن إله.
قلت لها: ومع ذلك سأقتله" [ص88]. وعلى الرغم من أحداث المعركة الدامية التي دارت بين الراوي والتنين إلا أننا لا نعرف إن كان الراوي تمكن من قتل التنين أم لا، لأن الراوي تبتلعه الأرض، فينتقل إلى حياة أخرى تتمظهر من خلال حضوره في خط سردي آخر غير الذي كان فيه.
ويمزج الكاتب بين الأدبي (المتخيل)، والتاريخي (الواقع)، مثل ما نجده عند سرده أحداث المعركة التي نشبت بين والده وجنوده من جهة، والأدوميين والعبرانيين وحلفائهم من جهة أخرى، والتي انتهت بانتصار الأعداء وهزيمة والده الذي فر مع جنده وتحصن في قلعة كركا. وعلى مدار هذا الخط السردي العنيف درامياً، أورد السناجلة معارك، وأحداثاً تاريخية حقيقية، لكنه أضاف لها من مخيلته الكثير من التفاصيل: "تبعنا العبرانيون ومن والاهم وضربوا الحصار على القلعة. استمر الحصار أمداً طويلاً أكثر من ثلاثة أشهر ومنجنيقاتهم لا تهدأ ونيرانهم لا تنقطع، وكان رجالنا صامدين على الأسوار قد جعلوا بينهم وبين الأعداء خندقاً" .[ص55]، وبغية الإمعان في إيهام القارئ بحقيقة ما يحدث، ومزج الواقعي بالمتخيل، بحيث يصعب الفصل بينهما، ثَبّت الكاتب في الهوامش، معلومات توثيقية عن الشخصيات والأماكن التاريخية التي وظفها في الرواية.
هذه "التشكيلة" في الأحداث فرضت على الرواية مستوىً من اللغة المعجمية، والمفردات القادمة من النص الديني (القرآن نموذجاًً)، والتراكيب التراثية التي استقدمها الكاتب وأعاد إحياءها دون أن تبدو غريبة أو نشازاً في السياق الذي وضعت فيه: "فبهت أبي وبهت القوم وكأنما الطير على قلوبهم.. نهضت من مجلسي وحللت سيفي ثم ركعت أمام أبي، نظر في عيني خلته يكاد يتفطر وقد تحجر جلد وجهه" [ص64]. وكما نجد في هذا المقطع: "فصاح بي إنها الساعة يا مولاي ويوم القيامة. قد غضب الرب وحقت علينا كلمته، ثم مضى يهذي كالسكران. واقتربت غيمة الدخان فما هالني إلا وريح خفيفة قد هبت فدكت ما أمامها دكاً، فإذا الأرض كالعهن المنفوش" [ص100].
بدت المرأة /الحبيبة في الرواية مكتملة الأنوثة، ومفعمة بالرغبة، تستغل مفاتنها للإيقاع بالرجل وتدميره، وهذا التناقض بين الأنوثة الطاغية التي تكاد تكون عدوانية، وبين الجمال والرقّة، هما اللذان يجعلان الراوي يقتل حبيبته بدم بارد، ظانّاً أنه بذلك يتخلص من سيطرة الأنوثة على مخيلته ويقضي على ضعفه النابع من وجودها في محيطه: "جسدك الملعون الذي لم يمنحني السلام يوماً، عليه سلام خنجري الحاني إذ يهوي بشبقه ليخترق فجرك الذي ما جاء، ليفجر هذا الفجر" [ص22].
وفي النهاية تلتقي جميع الخطوط السردية في الرواية، كاشفة عن الدواخل المتلاطمة للشخصية المحورية، التي شكلتها الأسطورة، والحكايا الشعبية، والحروب التي شهدتها الأرض منذ وجد الإنسان عليها، تلك الشخصية التي صاغت وجدانها المرأة/ المعشوقة، التي كان إغواؤها بمثابة الشرارة التي تندلع منها الحروب، أما الراوي/ الإنسان الذي تعب من كل تلك الأحداث التي تتوالى على ذاكرته، وتكتظ بها مخيلته، فإنه لا يجد الأمان أخيراً إلا في حضن أمه، وأنفاسها الحنونة، ويغيب في الملكوت صاعداً باتجاه السماء، ليتلاشى بالتدريج إلى أن يختفي تماماً. بهذه النهاية الميلودرامية للراوي تكون نهاية الرواية: "فالتصقت بحضن أمي وحاولت الاختباء فيه لكنه انفلق إلى نصفين كبيرين ثم لفني بالحبل واختطفني إليه وأخذت أصعد وأصعد وأصعد وكلما صعدت أصغر وأصغر وأصغر حتى أصبحت بحجم حبة الفاصولياء وهو يكبر ويكبر ويكبر حتى صار بحجم الكون وغبت في نوره الوهاج حتى تلاشيت فيه وانتهيت" [ص109].

هيا صالح *** الكتاب: ظلال الواحد (رواية)
المؤلف: محمد سناجلة
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
موقع الرواية الالكتروني على شبكة الإنترنت:
Sanajlehshadows.8k.com