بين الارهاب والمقاومة

بقلم: صلاح عمر العلي

تشهد العاصمة بغداد وبعض المدن الاخرى تصاعدا لافتا للنظر في التفجيرات التي تستهدف المدنيين وبعض المؤسسات العراقية، تزامنا مع تصاعد عمليات المقاومة الوطنية ضد قوات الاحتلال الاجنبي لبلادنا. وفي اعقاب كل عملية تفجير تستهدف مواطنينا الابرياء او مؤسساتنا المدنية او مراكز العبادة تنطلق حملة اعلامية مدبرة وجاهزة يقف وراءها كتاب وصحف ووسائل اعلام مختلفة مرئية ومسموعة تستهدف توجيه الاتهام للمقاومة الوطنية العراقية بهذه الممارسات الاجرامية، الامر الذي يثير سؤالا جادا يستلزم الاجابة عنه من قبل كافة الجهات العراقية ذات العلاقة: ما الفوائد التي تجنيها المقاومة من قتل النساء والاطفال الابرياء؟ وما الفائدة التي تجنيها من تدمير بناية او مؤسسة تقدم خدمات للمواطنين؟
من الواضح ان المقاومة الوطنية في مختلف البلدان التي خضعت للاحتلال الاجنبي ومنها بلادنا تعتمد اول ما تعتمد في نضالها ضد المحتل على مدى تعاطف ابناء الشعب معها والالتحام بها ومدها بكل اسباب الديمومة والبقاء والتطور في نضالها حتى تحقيق هدفها في التحرير والاستقلال. فبدون التفاف الشعب حولها ودعمها ومساندتها ومدها بكل ما تحتاجه من دعم مادي ومعنوي ولوجستي، لا فرصة لها في الاستمرار طويلا. ومن البديهي ان تكون علاقة المقاومة مع باقي ابناء الشعب على هذه الدرجة العالية من التلاحم والتلازم والاندماج بحيث يتحول كل مواطن في البلاد الى مقاوم على طريقته الخاصة، فالكاتب مقاوم بكتابته والفنان مقاوم بفنه والسياسي مقاوم من خلال ممارساته السياسية وهكذا.
يندرج مع الزمن معظم ابناء الشعب في اطار المقاومة سلميا او عسكريا. وبما ان هدف المقاومة في كل زمان ومكان هو طرد المحتل عن كامل التراب الوطني واسترجاع السيادة الكاملة للبلاد فلابد من ان تكون علاقة المقاومة مع المواطنين علاقة ثقة وتعاون بما يخدم ويحقق الهدف الوطني الذي تسعى من اجله مختلف طبقات الشعب. ان ثقة المواطنين بالمقاومة لا يجب ان تكون موضع تساؤل او شك لان من يسترخص دمه ويضع مصيره وحياته في خدمة قضية الحرية والاستقلال للشعب لا يهدف من ذلك الى تحقيق مغنم او مكسب خاص ولا يفكر بمستقبله الشخصي بصورة مطلقة فهو معرض للموت والاستشهاد في كل لحظة من اجل كرامة الوطن والمواطن. واذا كان هذا هو حال المقاومة فهل يجوز الخلط بينها وبين الارهاب الذي يمارس كل يوم في بلادنا ويذهب ضحيته العديد من المواطنين الابرياء من كل القوميات والطوائف العراقية؟ ان فقه المقاومة يختلف جوهريا عن فقه الارهاب ويتناقض معه، فبمقدار ما يكون المقاوم مستعدا للتضحية بحياته لمصلحة الاخرين يحاول الارهابي ان يضحي بالاخرين من اجل مصلحته الشخصية. واذا كان المقاوم حريصا على تحقيق مصلحة عامة للمجتمع من خلال انقاذه من كابوس العبودية والاستعمار فان الارهابي لا يهمه الا مصلحته الشخصية وان جاءت على حساب مصلحة المجتمع.
من هنا فان الصورة تصبح اكثر وضوحا وفهما، فلا مجال للخلط بين افعال المقاومة والارهاب لان الفعل الاول نقيض الثاني ويتعارض معه كليا، ولكننا نرى ان جوقة الاعلاميين والسياسيين المرتبطين بمشروع الاحتلال - على رغم ان العديد منهم كان متهما بممارسات ارهابية ضد مؤسسات عراقية ومواطنين عراقيين ابرياء في السابق - يصرون على الخلط بين الفعلين واعتبار من يقاوم المحتل هو الارهابي بعينه.
تقول القاضية الايطالية المعروفة كليمنتينا فورليو أن المقاومة في زمن الحرب والاحتلال ليست إرهاباً. وتضيف" ان المسلحين الذين يهاجمون أهدافاً عسكرية أو تابعة للدولة، حتى في حالة استخدام الانتحاريين، لا يمكن اعتبارهم إرهابيين في زمن الحرب والاحتلال"... واستندت القاضية الإيطالية في حيثيات حكمها إلى القانون الدولي التقليدي. وحذرت القاضية فورليو المجتمع الدولي من أن تعريف كل أعمال عنف تقوم بها قوات غير نظامية بأنها إرهابية ينطوي على مخاطرة قد تعرض حقوق الشعوب في تقرير المصير والاستقلال الى الخطر.
فمن هم الذين يمارسون اعمال قتل الابرياء من الاطفال والنساء والمدنيين وتدمير مؤسسات البلاد وقتل العلماء والاطباء واساتذة الجامعات وغيرها من الاعمال الارهابية؟ وللاجابة عن هذا السؤال نحاول التقاط ما قاله الصحافي الايطالي ستيفانو كباريني في صحيفة المانيفستو حيث قال: "ان للأمريكيين مجموعات وفرقا خاصة من البحرية الأمريكية (المارينز ) وهي مسلحة ومدربة ومعدة جديا ويمتاز أعضاؤها بوجود وشم على صدورهم، وتقوم الفرقة بترويع وذبح السكان المتعاونين مع المقاومة في الريف العراقي".
اولئك اذن هم الارهابيون الذين اخذوا على عاتقهم ايقاع الضرر بالعراقيين لانهم يمارسون جزءا من مهمات قوات الاحتلال الاجنبي، فهم والحالة هذه قوة اسناد فعلية للوجود العسكري الاجنبي في بلادنا، وليس في ذلك غرابة، فما يحدث اليوم في بلادنا حصل في مختلف البلدان التي خضعت للاحتلال مثل الجزائر وفيتنام ونيكاراغوا وفلسطين واخيرا في العراق. انتبهوا الى ما يحصل هذه الايام في العراق فمرة يقتل اشخاص من السنة وثانية يقتل من الشيعة، ومرة يفجر مسجد سني واخرى حسينية شيعية، وفي اعقاب كل حادثة تبدأ جوقة الطبالين والمهرجين والمؤجرين أقلامهم وشرفهم بتوجيه الاتهامات يمينا وشمالا وحسب التعليمات التي يتلقونها من مستشار الاعلام الامريكي الذي يوجه ويسيطر على مختلف الانشطة الاعلامية العراقية في الوقت الحاضر، مع معرفتهم المسبقة بالفاعل الحقيقي لمثل هذه الممارسات الاجرامية الارهابية ضد ابناء شعبنا العراقي، ولكنهم ملزمون بقلب الحقائق، والا فسيفقدون المواقع والامتيازات والمغانم الشخصية والمكافآت المالية العالية. افلا يحق للمواطن العراقي ان يعد هؤلاء المزورين من جوقة الاعلاميين جزءا من عصابات الارهاب التي توقع الضرر بابنائنا العراقيين..........؟!! ليس اسهل عليهم من اتهام هذه الطائفة من العراقيين او تلك بمثل هذه الممارسات الارهابية الاجرامية دون تمحيص في حيثيات الحدث ولكنهم لم يجرؤا على توجيه اصابع الاتهام ولو مرة واحدة لعصابات الاجرام الدولية التي دخلت العراق بعد احتلاله عام 2003 والتي لم يعد موضوع وجودها في العراق موضع تكهن او استنتاج بل اصبح حقيقة ثابتة تؤكدها وثائق وكتابات عديدة لصحف امريكية واوربية معتبرة ولها باع طويل في معرفة هذه العصابات والادوار التي تمارسها في شتى بلدان العالم المختلفة. وفي اطار هذه الصورة يثور سؤال ذو اهمية بالغة، ما الذي يريد هؤلاء تحقيقه هم واسيادهم من وراء اصرارهم على توزيع الاتهامات بالارهاب على العراقيين فقط بينما يكاد يوجد شبه اجماع في الشارع العراقي على ان الارهاب يمثل واحدة من ثمار الاحتلال الاجنبي المرة لبلادنا. فالارهاب لم يكن معروفا يوما في العراق ما قبل الاحتلال، وهو بعيد كل البعد عن ثقافتنا العراقية، نختلف ونتصادم، ويحدث جدل عنيف فيما بيننا في كثير من الاحيان ولكن دون التفكير باتباع هذا الاسلوب الهمجي المتوحش ضد بعضنا بعضا، اللهم الا بعض الحالات النادرة التي حدثت على ايدي بعض الفئات التي كانت تعارض النظام السابق وبتخطيط وتمويل من جهات اجنبية.
بعد فشل مختلف السبل التي تفتق عنها ذهن قوات الاحتلال لمنع هذا التلاحم القائم بين المقاومة وابناء الشعب باتباع طريقة العقاب الجماعي لعدد من المدن والقرى العراقية المتهمة بايواء وحماية المقاومة كما حدث في الفلوجة وسامراء وتلعفر والقائم والنجف وبعقوبة وهيت وغيرها ومن ثم القيام بالاعتقالات العشوائية لالاف من المواطنين وتعريضهم لشتى اساليب القمع والتعذيب والاعتداءات الجسدية والجنسية، حاولت اجتراح اساليب اخرى لتحقيق هذه الغاية منها القيام بعمليات تفجير هنا اوهناك ضد هذه الفئة او تلك بهدف خلق فتنة طائفية تمهيدا لاشعال حرب اهلية بين العراقيين، ومحاولات الارشاء بمكافآت مالية مغرية لمن يخبر من العراقيين عن المقاومين، او محاولة خلق الفتن او الثار بين العشائر وكذلك محاولة انشاء مليشيات مرتبطة بهم واخيرا وليس آخرا محاولات شق صفوف المقاومة عن طريق تسريب معلومات تفيد بقبول اطراف منها بالتفاوض من اجل الحصول على جزء من كعكة السلطة المؤقتة. ولكننا نجد بعد مرور عامين ونيف على انطلاق المقاومة العراقية وبالرغم من كل تلك الاساليب التي اتبعتها قوات الاحتلال، كان مصيرها الفشل الذريع، فقد صرح قائد القوات الامريكية الجنرال ريتشارد مايرس الاربعاء الماضي ان نشاط المقاومة عاد كما كان قبل عام. من هنا بدأت بتفعيل آخر سلاح بيدها الا وهو سلاح الحرب الاهلية بين العراقيين، بعد ان اختارت المدائن، منطلقا لهذا المشروع الذي سيحبطه العراقيون بالتاكيد بفعل وعيهم وتلازمهم وحرصهم على وحدتهم في مختلف مراحل التاريخ وفي هذه المرحلة تحديدا. وتاسيسا على ما تقدم فاننا نحذر وننبه ابناء شعبنا العراقي مرة اخرى من محاولات ايقاع الفتنة بينهم ودق الاسفين في وحدتهم الوطنية التي هي ضمانتهم الوحيدة في الخروج من محنة الاحتلال الاجنبي واستعادة السيادة والاستقلال الوطني لبلادهم، وتفويت الفرصة على محاولات دفع الامور بما يؤسس لحرب اهلية فيما بينهم، تاتي على الاخضر واليابس في بلادنا لا سمح الله.
ان حجر الزاوية في هذه المسالة برمتها يتجسد بوجود قوتين او طرفين على الارض العراقية متضادين في توجهاتهما الاساسية ومتصادمين في سياستهما، قوة عسكرية اجنبية احتلت العراق بغير وجه حق وبذرائع وهمية برهنت الوقائع على بطلانها بالكامل تحاول ضمان استمرار احتلالها للعراق والهيمنة على ثرواته الطبيعية، كمقدمة لمشروعها الامبراطوري الكوني المتطلع للهيمنة على العالم، وتبيح لنفسها استعمال كل ما تملك من اسلحة فتاكة وعقول اجرامية وادوات محلية واجنبية، في مقابل وجود مقاومة وقوى سياسية وطنية ومعها كل الشعب العراقي الرافض لهذا الاحتلال تسعى لاعادة السيادة والاستقلال وانهاء الاحتلال الاجنبي للعراق. ومع تصاعد وتيرة المقاومة واستحالة السيطرة على هجماتها الى جانب الانفلات الامني وارتفاع معدلات البطالة وزيادة الغلاء وتدني الدخل الفردي والفشل السياسي الذى عبر عنه ضعف الاقبال على الانتخابات وتعثر تشكيل الحكومة والاعتراضات الواسعة على طريقة تشكيلها وتوالى الضغوط الشعبية على الدول المشاركة فى الاحتلال لاجبارها على سحب قواتها من العراق بعد ان تحول الى جحيم لا يطاق، وتاكيدات وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد الاخيرة بان قوات الاحتلال بما فيها الجيش الاميركي ليس بامكانها هزيمة المقاومة العراقية، اضافة الى تأكيد الجنرال ريتشارد مايرز رئيس اركان الجيش الامريكي بان الهجمات التى يشنها المسلحون ازدادت بشكل ملحوظ.الامر الذي يدفع بالادارة الامريكية لاستعمال آخر سلاح وربما اهم الاسلحة لديها ونعني به سلاح الفتنة الطائفية كمقدمة للانزلاق في حرب اهلية، لا يمكن لاي طرف عراقي ان يخرج منها رابحا. ان العراقيين يواجهون الان على ما يبدو امتحان اللحظة الاخيرة، وهو امتحان سيترتب عليه مصيرهم ومستقبلهم بلاشك فاما ان يحصنوا انفسهم ضد محاولات ايقاع القتنة بينهم وجرهم الى ما يخدم مصالح عدوهم ، وهذا لا يتم الا بالحوارات الهادئة والمسؤولة بهدف التوصل الى صياغة مشروع وطني يخدم مصالحهم ويدافع عن وطنهم ويحرره من الاحتلال ويهيؤه لبناء نظام تعددي يوطد دعائم السلام والديمقراطية فيه والابتعاد عن التهديدات التي تنطلق من جهات لا تقدر بالضبط ما يترتب عليها من نتائج خطيرة لا يمكن ان تخدم احدا الا اعداء العراق فهي كاللعب بالنار اذا ما اشتعلت ستحرق الجميع دون استثناء، واما ان يكونوا هدفا سهلا يمكن تحريكه وفقا لمخططات الاخرين.وليتذكروا دائما وعلى دوام الوقت مقولة " فرق تسد"، ومن اين انطلقت!.. وماذا يريد منها قائلها؟ صلاح عمر العلي