احذروا ايها العراقيون فان الفتنة على الابواب

بقلم: صلاح عمر العلي

حينما تثور ازمة في اية واحدة من بلاد الدنيا تهدد امن البلاد والشعب او استقرارهما بخطر كبير، يتحرك كبار المسؤولين والمفكرين والشخصيات التي تحضى بمكانة متميزة في المجتمع للعمل على تطويق هذه الازمة من خلال طرح مبادرات سلمية تمهيدا لايجاد الحلول الناجعة لها بما يضمن امن وسلامة البلاد واستقرارها وتجنيبها مخاطر ما يترتب علي تداعيات تلك الازمة من نتائج.
ولكن ما يحصل في بلادنا منذ بداية الاحتلال الامريكي ولغاية الان مغاير لما يجري في البلدان الاخرى تماما. فبدلا من اعمال العقل في تطويق المشاكل والازمات المتواصلة التي تحدث في العراق واستخدام لغة العقل والتهدئة تتحرك عناصر بعينها من المحسوبين على السلطة المؤقتة او احزابها بطريقة مثيرة للارتياب والتساؤل بهدف تأجيج الازمة وصب الزيت على نارها ودفع الامور باتجاه استثمار تلك الازمة بما يحقق اهداف سلطات الاحتلال وبعض القوى المعادية لامال وطموحات شعبنا العراقي في نيل استقلاله وسيادته الوطنية.
وفي الاسبوع الماضي شهد العراق ازمة اوشكت ان تشعل نار حرب اهلية تكفي لحرق الاخضر واليابس فيه لولا قدرة الباري عزوجل ورحمته بهذا الشعب ولطفه عليه. فمن دون مقدمات فوجئ العراقيون بما سمي بازمة اختطاف الرهائن في مدينة المدائن العراقية بعد ان استولى عليها عشرات المسلحين من (السنة) وهددوا بقتلهم جميعا ما لم يهاجر السكان (الشيعة) عن المدينة. وجرى على هامش هذه الرواية التي فاجأت المواطنين العراقيين تسريب العديد من الاخبار والمعلومات المفبركة والكاذبة الى وسائل الاعلام العربية والاجنبية ولعبت الى جانب ذلك اغلب القنوات الفضائية الموجهة للعراق والممولة من قبل سلطات الاحتلال وبعض الجهات الاقليمية التي لا تريد للعراق وشعبه خيرا ولا يسرها ان ترى العراق وقد استعاد حريته وكرامته ووضع نفسه على طريق الاستقرار والتطور من جديد وانهاء معاناته الاليمة بسبب ممارسات قوات الاحتلال الاجرامية.
لقد سمعنا احدهم وهو يؤكد على ان العشرات من المواطنين قد قتلوا على ايدي المسلحين وان ما يصل الى 150 مواطنا قد اخذوا رهائن بينهم اطفال ونساء وشيوخ. كما سمعنا آخر يقول ان عشرات من المسلحين سيطروا على المدينة وهم يجوبون الشوارع بسياراتهم ويرعبون سكان المدينة، و يقول ثالث ان ابنائنا الشيعة اصبحوا رهائن لدى المسلحين السنة، بينما قال رابعهم ان السنة ينوون السيطرة على بغداد وعزلها عن الجنوب. وعلى هذه الشاكلة تواصلت عملية تسريب سيل من المعلومات التي تصب جميعها في خانة الحقد والضغينة على شعبنا العراقي الاصيل ورغبتهم الدفينة في استغلال اية فرصة للانتقام منه والايقاع به ودفعه الى اتون حرب اهلية لا نهاية لها.
ان ما يلفت النظر هو ان كل ذلك الرهط من النافخين على نار الفتنة المتصدرين للمشهد السياسي الرسمي ركز على اختيار تعبير (التهجير) لما له من انعكاسات خطيرة على الوضع الديمغرافي المتشابك في العراق - وقد تلقفت هذا المصطلح محطات تلفزيونية معروفة بالتعاون والتنسيق مع المشروع الاميريكي وراحت تروجه بشكل مخيف بحيث تجمدت اعصابنا ليومين او ثلاث وتوجهنا بالابتهال الى الله ان يجنب شعب العراق كارثة محتملة من شأنها ان تحرق الاخضر واليابس وتحقق امل اميركا وحلفاءها المعلنين وغير المعلنين من العراقيين وبعض دول الجوار برؤية العراقيين وهم يقتتلون ويذبح بعضهم بعضا.
لقد برهن شعبنا دوما على حرصه الشديد وتمسكه الكامل بوحدته الاجتماعية والدينية والوطنية بكافة مكوناته من خلال العديد من الفعاليات والممارسات المشتركة في الماضي والحاضر وما خروج المظاهرات الاخيرة في بغداد وعدد من المدن العراقية الاخرى وهي ترفع شعارات لا سنية ولا شيعية! الا دليلا اضافيا على ان شعبنا العراقي يمثل رقما واحدا لا يقبل القسمة او التجزئة او الفتنة او الاقتتال. وبوعيه الفطري ووطنيته العالية سيفوت الفرصة على كل هؤلاء الحاقدين والعاملين لاثارة الفتنة بين صفوفه، ويردها الى نحورهم انشاء الله.
لم يكن هدفي من كتابة هذه المقالة نفي او تأكيد واقعة الاختطاف، لان هذه المهمة يجب ان تكون من اختصاص جهات امنية محايدة عليها ان تجري تحقيقا دقيقا حول ما سمي بازمة المدائن وعند انتهاء التحقيق، عليها نشر تقرير حول ما توصلت اليه تحقيقاتها، ولكن هدفي هو التحذير من الاعيب عناصر الشر والمتصيدين للفرص والراقصين على ايقاع محنة الاحتلال التي يعانيها شعبنا العراقي، ممن خدعوه وظللوه باحاديثهم عن التحرير والديمقراطية وحقوق الانسان التي باتت تهدر بصورة بشعة في عراق اليوم اكثر من اي وقت مضى.
اننا ندعو جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي للتحرك الجاد على مستوى الامم المتحدة والمطالبة بتشكيل لجان تحقيق دولية محايدة تحدد المسؤولية فيما يجري في العراق من اعمال عنف طالت العديد من المواطنين الابرياء ومؤسسات الدولة ومراكز العبادة لمختلف الديانات العراقية، وتحاسب الجناة، وتحيل المجرمين على محاكم دولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية ايا كانوا، ومهما بلغت مستوياتهم الحكومية.
واذا تذكرنا فضيحة "اسلحة الدمار الشامل" التي كانت ذريعة للحرب العدوانية على العراق واحتلاله ثم تبين عدم وجودها، وتهمة علاقة نظام صدام حسين بتنظيم القاعدة والتي ثبت كذبها، وفضيحة الاعلان عن القاء القبض على نائب الرئيس السابق عزت الدوري وثبت كذبها فيما بعد، وكذلك فضيحة اعلان القبض على ابي مصعب الزرقاوي التي كانت ذريعة لتدمير الفلوجة واحتلالها ثم تبين عدم وجوده في المدينة المجاهدة، يصبح من حق المواطن العراقي ان يتساءل بصوت عال حول حقيقة ما سمي بازمة المدائن ويشكك بمصداقيتها. ولمزيد من التوضيح اليكم هذه الرواية: أحد المراسلين لشبكة إعلام كبيرة ومعروفة، ذهب مع كادره من المصورين ودخل منطقة المدائن، بعد ساعتين من انتشار الخبر، وبقي لمدة خمس ساعات، التقى رجال دين من الطائفتين، ووجهاء وشيوخ عشائر وأناس بسطاء، وأجمع هؤلاء، على أن ما قالته وكالات الأنباء عارٍ عن الصحة. إذ لم يسمعوا ولم يشاهدوا أي شيء من عملية الاختطاف، أو ما قيل من تجوال مسلحين في الشارع وهم يطلقون الشعارات والتهديدات.
عندما بث المراسل قصته المصورة بالكامل، رفضت الفضائية بث ذلك التقرير، الذي كان كفيلاً بإخماد المؤامرة، وتعمد الكثيرون الإبقاء على الغموض، وزاد من ذلك تضارب الأنباء، لدرجة أن وكالتي أنباء عالميتين، نشرتا أخباراً متناقضة في ساعة واحدة.
ان ما يجري في العراق الآن من محاولات التصعيد لصراعات عرقية وطائفية، وتهجير من بعض المدن العراقية، وحملات تصفية في هذا الطرف أو ذاك ليس سوى افراز جرمي لوجود الإحتلال الأمريكي في بلادنا. وسوف تتصاعد الاحتكاكات الطائفية والعرقية بهدف تحويل العراق إلى ساحة حرب أهلية طاحنة، اشد هولا وفتكا وتدميرا مما جرى في لبنان ما لم يتوحد شعبنا العراقي حول هدف طرد الإحتلال وتحقيق الإستقلال. اننا نقولها بكل وضوح إن المسئول الأول والأخير عن حالة الإنهيار والتداعي التي يعيشها المجتمع العراقي اضافة الى المشاكل الاخرى، هو المحتل الأمريكي، وما لم يخرج هذا المحتل من العراق، وتغادر القوى الرديفة له مواقعها، وينتظم الشعب العراقي في وحدة وطنية حقيقية، من خلال الايمان بالحق في المواطنة الكاملة لكل عراقي، دون تمييز في الطائفة أو الدين أو اللغة، وصولا إلى صياغة دستور حقيقي وانتخابات ديمقراطية وشفافة ومؤسسات دستورية حرة، فليس أمامنا، إن لم تتصاعد فعاليات حركة المقاومة الوطنية وتواصل سيرها على طريق التحرير والاستقلال ، سوى مواجهة المزيد من الازمات والمحن والخسائر البشرية والاقتصادية. وإذا حدث ذلك، لا سمح الله، فليس أمامنا سوى الطوفان. صلاح عمر العلي