سوريا ما بعد لبنان والخروج من النفق

بقلم: معقل زهور عدي

بانسحابها من لبنان أدارت سوريا ظهرها لمرحلة ودخلت مرحلة أخرى، وعلى الأرجح سيمضي بعض الوقت قبل أن يتيقن كثيرون داخل السلطة وخارجها أن المرحلة السابقة قد انقضت الى غير رجعة، وسيمضي وقت آخر قبل أن يستوعب كثيرون خاصة داخل السلطة أبعاد المرحلة الجديدة وحقائقها.
وعلى أية حال لابد في النهاية من مواجهة الوقائع العنيدة والتخلي عن لعبة الاستمتاع بالوقت الضائع.
لبنان لن يعود كما كان قبل استشهاد الحريري، وكل تفكير في اعادته بطريقة أو بأخرى هو ضرب من الوهم قد يعود بنتائج مدمرة.
وبمقدار ما نتمكن بسرعة من التخلص من ذلك الوهم بمقدار ما نتمكن من تدارك الوقت لانجاز ما أصبح ضروريا وملحا. واذا كان الانسحاب من لبنان كارثة (بالنسبة للنظام وليس بالنسبة للشعب) فأول الضرورات الآن هو استيعاب الآثار النفسية لتلك الكارثة والتفكير بعقلية الواقع لا بعقلية التمرد على الوقائع التي أصبحت معطيات ثابتة لا سبيل للتحايل عليها.
في المرحلة القادمة قد يصبح النظام الحاكم مستهدفا من قبل الولايات المتحدة (لقد انتهى زمن الصفقات) قالها بوش صراحة ولا يوجد ما يدفعنا للتفكير أنه يمزح، وهناك الأصوات التي تحذر من كل مكان، وكان آخرها ما قاله باتريك سيل ذلك السياسي البريطاني المحنك الذي يعتبر أقرب أصدقاء النظام السوري في الغرب حيث صرح أنه لا يستبعد ان يكون الرئيس بوش يعمل على قلب النظام في سوريا (جريدة الحياة).
الانسحاب السوري من لبنان لن ينهي الضغوط الخارجية بل سيزيدها إذا كان الهدف هو النظام الحاكم.
بالعودة لقراءة الاستراتيجية الامريكية المعلنة بخصوص اعادة بناء الشرق الاوسط الكبير و(نشر الديمقراطية) وسلسلة القوانين في الكونغرس الأمريكي الموجهة ضد سوريا ودلائل أخرى يوحي المنحى العام لتطور السياسة الخارجية الامريكية تجاه سوريا بالتصعيد المدروس، وهذا بحد ذاته مؤشر جدي وخطير.
مرحلة ما بعد لبنان اذن هي مرحلة مواجهة تهديدات مباشرة تستهدف الوضع السوري، والمسألة هنا قد لا تكون مقتصرة على النظام الحاكم، فخطط التدخل تتضمن عادة أهدافا أبعد من مجرد استبدال نظام بآخر.
لا نعرف بالضبط الأهداف الحقيقية والبعيدة لمخطط التدخل الأمريكي فالادارة الامريكية لا تكشف خططها، بل وتحاول في كثير من الأحيان تضليل الطرف المستهدف والرأي العام، لكن المحاور الاستراتيجية لها لن تكون مختلفة في الأهداف (وليس في الوسائل) عن مثيلاتها في العراق.
وربما يكون ضمن تلك الأهداف تفكيك الدولة في سوريا بمؤسساتها الرئيسية بما فيها الجيش، وتفكيك البنية الاجتماعية على الطريقة العراقية دون أن يعني ذلك بالضرورة السير في التفكيك حتى نهاياته القصوى، وربما تقدر الادارة الأمريكية أن سوريا ناضجة لمثل ذلك التغيير، وانها الحلقة الأضعف حاليا بين الدول العربية المرشحة للتدخل، وان الأمر لن يحتاج الى كثير من الجهد للوصول الى نتائج تماثل ما وصلت اليه في العراق بكثير من الخسائر، وبدون شك فان الاحداث في لبنان تبدو في نظر الادارة الامريكية مشجعة.
سورية قد تكون مستهدفة في العمق وذلك خطر يفترض ان لا يغيب بفعل رغبة البعض في رؤية النظام الحاكم مستهدفا كطريقة وحيدة متبقية للتغيير.
وعي النظام الحاكم لحقيقة أنه أصبح مستهدفا كوجود مما لا ينفع معه عرض الصفقات والتنازلات سيتزايد مع تزايد الحملة ضده، وسيكون محظوظا اذا اكتشف في الوقت المناسب أن الساحة اللبنانية قد تكون أنسب الساحات للولايات المتحدة وليس له لخوض معركة وجوده.
وتوضح نتائج لجنة تقصي الحقائق الدولية وما سينجم عنها من قرار مجلس الأمن بتشكيل لجنة تحقيق دولية بصلاحيات واسعة الدور المحتمل لاستعمال الساحة اللبنانية كمنصة للانقضاض على الوضع السوري حيث ترغب قوى لبنانية متعددة في تصفية الحساب مع النظام السوري هناك.
رغبة النظام الحاكم في خوض معركة وجوده في لبنان تستبطن رغبة غير معلنة في التهرب من استحقاقات الداخل السوري، لكن ذلك التهرب لن يفيد سوى في البقاء في الفخ اللبناني.
من مصلحة سوريا أن يتم التغيير الديمقراطي بأسرع وقت دونما زعزعة للنظام العام، وأن يتم بحركة متسقة من الاسفل والأعلى، وليس من مصلحة سوريا انهيار النظام تحت الضغوط الخارجية أو عن طريق أصابع التدخل الخارجي الذي لا نعرف بالضبط الى أين ستسلل.
من الضروري أن تمتلك النخبة الحاكمة الوعي أن مصير النظام أصبح مرتبطا بالقدرة على الحركة السريعة لاعادة ترتيب الوضع الداخلي لتغيير المعادلات السكونية الحالية التي تعمل التكتيكات الأمريكية على اساسها، وأن الافكار الأمنية لم تعد ذات فائدة، فقوى الخارج قادرة على شلها بل ربما استثمرتها كما فعلت بنجاح في لبنان، لم يعد ثمة بديل عن اعادة الاعتبار للعقل السياسي الذي غيبه العقل الأمني.
ولكي تتمكن القوى الوطنية الديمقراطية من تقديم دعم فعال لأية عملية تغيير ديمقراطي لابد من افساح المجال أمامها للحركة واطلاق مبادرات حقيقية مثل انهاء حالة الطوارئ، وحكم الحزب الواحد، والعفو العام، وانهاء الاعتقال السياسي، واقرار التعددية، ومبدأ تداول السلطة.
في سوريا قلعة منيعة لكن النظام الحاكم لا يريد استخدامها ولا يسمح لأحد بذلك، هذه القلعة هي وعي الشعب السوري الذي اشتهر به وروحه الوطنية القوية.
حين تكون سوريا مهددة بوجودها لا يمكن لوطني غيور أن ينصرف تفكيره للمنازعة على السلطة، لكنا نريد الحرية لحماية الوطن من التهديد، وهو تهديد سيبدأ بالنظام الحاكم أولا، لكنه لن ينتهي عنده وتلك هي المصيبة. معقل زهور عدي