سنتان على الغزو: هل كان الأمر يستحق كل هذه المعاناة؟

بغداد - من صباح جرجيس
الاوضاع ازدادت سوءا

في 20 آذار/مارس عام 2003 شاهد العالم ليل بغداد يتحول إلى نهار جراء القصف الامريكي لاسقاط نظام صدام حسين، واندلعت حرب تحت شعار "تحرير الشعب العراقي".
وبعد مرور عامين واجه خلالهما العراقيون شبح الموت يوميا بعد أن زادت حدة الهجمات التي يشنها المسلحون ومواجهة نقاط التفتيش الامريكية وانقطاع التيار الكهربائي ونقص الوقود وعدم توفر المياه الصالحة للشرب والعديد من المشاكل الاخرى يتساءل بعضهم بتذمر ممزوج بالحيرة "هل كان الامر يستحق كل هذا العناء؟".
إن بعض من الذين رقصوا في شوارع بغداد بينما كانت الدبابات الامريكية تخترق شوارعها أصبحوا لا يعرفون طعما للفرح أوالسعادة.
بينما يعتقد آخرون أنه بالرغم من نقص الامن والارتفاع المتزايد في أعداد القتلى فان الحرب وما أعقبها من احتلال كانت أمرا لا مناص منه لاعادة العراق إلى الحظيرة الدولية.
ويقول مزاحم عثمان أحد المواطنين العراقيين وهو يحتسي الشاى على أحد المقاهي في حي كرادة بوسط مدينة بغداد إننا "كنا نتوقع أن تأتي أمريكا بالرخاء بعد أعواما من المعاناة."
ورد آخر يجلس بجواره في المقهى "إنها لم تأت سوى بالفوضى إلى العراق."
بينما قال سعدون صديق وهو ضابط سابق في الجيش العراقي "أعتقد أنهم (الأميركيين) أخطأوا في حساباتهم. لقد اعتقدوا أنه من السهل السيطرة على مقاليد الأمور ما أن يسقط النظام .. ولكنهم لم يتمكنوا من وقف اللصوص في البداية أو السيطرة على الحدود لمنع دخول المتسللين أو تجديد مرافق الكهرباء التي دمروها".
وفي مطعم قريب في حي كرادة يتذكر غسان ياسين "53 عاما" انه في بداية الحرب كان الأمل يحدو الكثير من العراقيين بان بلادهم على وشك الانضمام للأسرة الدولية مرة أخرى بعد طول غياب.
ويقول ياسين إن "يوم اندلاع الحرب كان يوما طيبا لجميع العراقيين .. شعب العراق كان يرغب في الديموقراطية .. لقد عاش بدونها لمدة 35 عاما وكنا مثل الروس أثناء حكم ستالين".
ولكن محيي الدين عمر يختلف مع ياسين ويقول "ما هذه الحياة التي نعيشها؟ .. لا يوجد لدينا كهرباء ولا ماء صالح للشرب .. لقد وعدنا الامريكيين بإعادة توفير هذه الخدمات ولكن يبدو أننا سنموت جميعا قبل أن يحقق الامريكيين هذا الوعد".
ولكن بالنسبة لبعض العراقيين الذي أسعدهم القدر بالحصول على وظيفة فهم يرون أن الحرب أتت برياح التغيير على بلادهم بعد 14 عاما من العقوبات الاقتصادية.
وبعد إسقاط النظام العراقي السابق قررت السلطات الامريكية إعادة هيكلة الوزارات والمكاتب الحكومية الاخرى. كما زادت مرتبات مليون موظف عراقي زيادة ملحوظة.
ويقول باسم نوري الذي يعمل في وزارة التعليم منذ 14 عاما إن "الحرب غيرت مجرى حياتي. اليوم أستطيع أن ألبي احتياجاتي بعد أن زاد مرتبي كثيرا". ويحصل نوري حاليا على (350 دولارا) بينما كان يحصل على 35 دينارا فقط قبل الحرب.
ولكن سمير رؤوف الذي يعمل في صناعة الأحذية يقول إن زيادة المرتبات لا تستطيع مواجهة ظاهرة ارتفاع أسعار المنازل في بغداد.
ويتساءل رؤوف "ما الفائدة أن أحصل على ثلاثة أضعاف مرتبي بينما رفع مالك العقار الذي اقطن به الايجار ثلاثة أضعاف منذ نهاية الحرب؟".
وشهدت سوق العقارات ازدهارا كبيرا منذ أن رفعت الحكومة العراقية المؤقتة حظرا كان مطبقا في عهد صدام حسين يقيد حرية التحرك ويضع العراقيل أمام بيع المنازل.
ويقول وكلاء العقارات إن عودة العراقيين المبعدين في المنفى ساهم في ازدهار سوق العقارات العراقية.
وبالرغم من المشاكل المتزايدة مازال العراقيون يأملون في مستقبل أكثر إشراقا.
ويقول أحد التجار في كرادة بينما بدأ عدد من العمال في نقل عدد من الاجهزة الالكترونية من سيارة إلى داخل منزله منها جهاز استقبال وهي أمور كانت محظورة في عهد صدام إن "العراق بلد غني .. والمسألة مسألة وقت فقط حتى ينتعش الاقتصاد".
ويضيف "لقد انتهت أيام صدام المؤسفة".
وبالنسبة لعدد من العراقيين فان الحرب والاحتلال يتعديان أكثر من مجرد أمور مثيرة للجدل السياسي بعد أن فقد الكثير منهم أفرادا من ذويهم وأصدقائهم جراء التفجيرات والهجمات التي تقع يوميا في أنحاء متفرقة من العراق.
بينما لم يتغلب الكثير منهم بعد على الذكريات المؤلمة للحرب.
وتتذكر سناء سمير مساء يوم 20 من آذار/مارس عام 2003 جيدا فلقد كانت وقتها تتفقد أطفالها الثلاثة في مخادعهم بعد نومهم بينما بدأت السماء تمطر قنابل وقذائف.
وتقول سناء "لقد حملنا أنا وزوجي أطفالنا وهرعنا إلى خارج المنزل .. وحاولت تهدئة أطفالي الذين أصابهم الرعب ولم أتوقف عن الصلاة تضرعا لله لانقاذنا بينما زادت حدة القصف فوق رؤوسنا".
وتكمل سناء "لقد كانت الليلة الثانية للقصف أسوأ من الاولى .. فقدت استهدفت القنابل الامريكية مبنى لا يبعد أكثر من مئة متر عن منزلي .. لقد شعرنا إنها نهايتنا جميعا".
وبالنسبة لهؤلاء الذين عاصروا مجد بغداد العظيمة قبل عصر صدام والذين عاشوا في هذه المدينة الصامدة لا يعترفون بالمنطق الامريكي بأن الغاية تبرر الوسيلة وبأن تحرير العراق يبرر تدميرها.
ويصف مجيد قاسم "79 عاما" المدينة التي شب فيها وقد اغرورقت عيناه بالدموع حزنا على ما آلت إليه بعد أن خيم شبح الخراب على أرجائها "لقد دمرت بغداد تماما. لم تكن بغداد بهذا القبح من قبل. لم تكن الحياة بمثل هذه الصعوبة من قبل".