لبنان من الدولة الى الثورة

بقلم: معقل زهور عدي

يوم أمس خرج لبنان من الدولة، الدولة التي بنتها الأجهزة الأمنية بكثير من الدهاء والصبر وبعيدا عن الأعين حين كان لبنان ما يزال مثخنا بجراح الحرب الأهلية مدمرا ومتعبا لا يقوى على التذمر أو الاعتراض.
خرج لبنان من تلك الدولة بصورة لا رجعة فيها. لم يكن الوجود العسكري السوري سوى غطاء لحقيقة تلك الدولة وحين بدأ الغطاء ينكشف أدرك لبنان أن ساعة الحسم قد دقت وأن الاحتلال الحقيقي ليس هو الجيش السوري ولكنها الدولة الأمنية التي تحتل لبنان، وما لم يتحرر لبنان من تلك الدولة فلن يكون قد أنجز شيئا، هكذا خرج لبنان من الدولة الى الثورة.
لا يمكن وصف الحشد الهائل أمس بالمظاهرة أو الاعتصام، وكل تسمية كتلك هي غباء سياسي قبل ان تكون انتقاصا من الحدث الزلزال.
انها ثورة حقيقية، فالثورة لم تعد عنفا ودماء تسال ورصاصا وميليشيات، لقد أصبح ذلك كله وراء التاريخ وأصبح تكراره مهزلة وليس دراما، الثورة الحقيقية اليوم هي انبعاث الشعوب بأشكال تعبير سلمية – ديمقراطية، لقد قالها لبنان وعلى الشعوب العربية أن تسمعها: هذا هو طريق التغيير.
في ساحة الشهداء ثورة على الطائفية، والاستبداد، وحكم المخابرات، ثورة على الخوف والصمت، وثورة أيضا على الوحشية والعنف والفساد.
انه الشعب هذه المرة هو الذي يضع في فم المعارضة أهدافه وآماله، ليست المعارضة من يسيره ولكنه هو من يسيرها، وبكثير من الرأفة ينتظرها كي تلحق به بعد ان يسبقها.
يوم أمس كان فاصلا، انتهت المظاهرات والاعتصامات وانطلقت الثورة، انطلقت ليس من البنادق، ولكن من أغاني الأطفال، وهتاف الشباب والصبايا، ورفرفة الأعلام.
كانت هيبة الملايين المحتشدة تطارد هيبة الدولة المحطمة والهاربة. بعد اليوم أصبح شعب لبنان المنتفض هو الشرعية الوحيدة، وهو المرجع لاعادة بناء الدولة على أسس جديدة. أما الدولة الأمنية الراهنة فقد سقطت بكل مؤسساتها ولم يبق لها من الشرعية سوى شرعية قوتها الخائرة المترنحة.
دون نقطة دم، ودون مواجهات، ودون تدمير وأعمال عنف، يصنع لبنان ثورته العظمى، وهي ان كانت الثورة البرتقالية الأولى في بلادنا العربية فلن تكون الأخيرة.
بالأمس استطاع لبنان وحده من بين كل الدول العربية ذات الجيوش الجرارة أن يحرر جنوبه المحتل بكرامة ودون صفقات مهينة، واليوم استطاع لبنان وحده من بين كل الشعوب العربية الجاثمة تحت كابوس الاستبداد والمستسلمة لمصيرها البائس أن يحطم قيوده ويخرج من الدولة الى الثورة.
امام الشعب المحتشد المتوهج يصغر الخارج ويكبر الداخل، تصغر المؤامرات والفتن ويكبر الوطن، تصغر الطوائف ويصغر التعصب، بل تصغر الجغرافيا ويكبر التاريخ، ويمتد لبنان.
حين سئل المسيح عليه السلام أأنت القادم ام ننتظر آخر أجاب انظروا بأعينكم فالموتى يقومون والمرضى يشفون وهاهو لبنان يقول للعالم انظر بعيونك هل بعد تلك الملايين من شك. العميان وحدهم هم الذين لا يرون ما يحدث. لقد انطلقت قاطرة الثورة.
لبنان يا لبنان لماذا تركتنا؟ معقل زهور عدي