الصورة.. ما لها وما عليها!

بقلم: السيد نجم
هل لديك ادنى شك؟

قال أرسطو: "ان التفكير مستحيل من دون صور". ويؤكد د.شاكر عبدالحميد في كتابه "عصر الصورة": "ان الحياة المعاصرة لا يمكن تصورها من دون الصور". فيما قال آبل جانس عام1926م: "اننا نعيش بالفعل في عصر الصورة"، وهو ما أكده رولان بارت فيما بعد. فالصورة حاضرة في الأسواق وفى الوسائل التعليمية، وعبر الاعلام والفنون المرئية، وأخيرا على شاشات الكمبيوتر.
وقد حذر البعض من هذا الطغيان للصورة على ثقافة الانسان.. حتى تنبأ البعض بهيمنة التليفزيون ليحل محل الكلمات، وبالتالي سوف تقتصر الكلمات على المكاتبات والكتب التي بدورها سيقل قراؤها.. وغيرها من السلبيات.
بداية لابد من الاشارة الى أن للصورة قدر من المميزات والخواص تجعلها على قدر من الأهمية لا يمكن اغفاله. فالصورة قادرة على التوصيل الناجح بثدر أكبر كثيرا من تأثير الكلمة..وهو ما يستخدم في الدعاية عموما، وفى الحروب النفسية..(كما في صورة قتل الطفل محمد الدرة وهو بين يدى أبيه، على يد الجنود الاسرائليين). كما أننا نمارس تقليد الصور الايجابية للتدريب أو التريض أو تعليم قيادة السيارات. وفى الطب هناك مجال التعليم الطبي بالصورة، ومجال التشخيص أيضا..وغيرها كثير.
فى تعريف الصورة..قال أرسطو: "لا تفكر الروح أبدا من دون الصورة".. عموما المصطلح مشتق من كلمة لاتينية تعنى "محاكاة"، حتى أنه في مجال السيكولوجي مترادفة مع :"التشابه"، "النسخ"، "اعادة الانتاج"..وفى العربية تعنى "هيئة الفعل"، "الأمر وصفته".
وللصورة أنواع متعددة: الصورة البصرية (وهى الملموسة للعيان)، والصورة بوصفها تعبيرا عن التمثيل العقلى للخبرة الحسية (يتشكل الوعي بالصورة)، والصورة الذهنية وهي ليست حرفية أو مماثلة للصورة الحسية، بل درجة أعلى. ثم الصورة التى تشير الى المؤسسات أو الأفراد أو الشعوب.. مثل صورة الشعب الصيني وملامحه، وصور عناصر الحلم والتخييل. كما أن هناك الصورة اللاحقة التى تتشكل عند حاسة الابصار بعد منبه حسى على العين. أما الصورة الارتسامية فهى نوع من الصور الشبيهه بالادراك، وصور الذاكرة تعد نوعا من التفكير المألوف لنا في عمليات التفكير.
أما الصورة الرقمية المولدة بالكمبيوتر أدت الى تحولات جذرية في الثقافة الانسانية، نظرا لدورها كمعلومة مع سهولة الحصول عليها والتعامل معها ثم تخزينها وانزالها. وبها فقدت الصور الزيتية كونها صور فريدة، فيما لعبت الصور الرقمية دور المعلم بدور المعلوماتية المحملة بها.
والصور الفوتوغرافية، والصور المتحركة (التى تختلف في طبيعة الخبرة بتنوع وسائل عرضها..فعرضها بالفيديو يخالف عرضها بالتليفزيون أو السينما، نظرا لاختلاف مكان المشاهدة وانتباه المشاهد والتضاد بين النور والظل).
أخيرا صور الواقع الافتراضي، وهو مصطلح قال به العالم جاردن لانير، حيث يشعر مستخدمو الكمبيوتر أنهم يعايشون العوالم التى يقوم الكمبيوتر بتخليقها، بالصورة والصوت والأنظمة الحسية الخاصة بالكمبيوتر.
اذا كانت ثقافة ما بعد الحداثة تتسم بظواهر ثقافية جماهيرية لا يعرف الجماهير عنها شيئا (على العكس من الحداثة)، سواء في عروض الأزياء أو الانتخابات (مثلا) لتولد صور بلا واقع مماثل.. فقدم المرشحون أنفسهم بهوايات لا يعرفون عنها شيئا من قبل..وهكذا.
واذا كانت ثقافة الحداثة تتميز بكونها نخبوية، فان ما بعد الحداثة موجودة في القلب مما هو شعبي، معتمدة على التهكم أكثر من الجدية، وبتداخل الأنواع الفنية أكثر من استقلاليتها وبحيرة المشاهد أكثر من يقينه، وبواقعية الصورة أكثر من التجسيد لصور الواقع وغيره، انها ثقافة التغير والارجاء والتكرار.
حتى قال "ميتشل": ان ما بعد الحداثة هى حقبة الامتصاص لكل أشكال اللغة على هيئة صور وصور غير ذات أصل محدد.
يمكن أن نخلص الآن أننا بفعل الثورة التكنولوجية نعيش عصر الصورة، ويعتبر التصوير الرقمي مميزا لحقبة ما بعد الحداثة، حتى قال "بودريان" أن العالم مجرد صورة نقلا عن صورة ، نقلا عن صورة..وأصبحنا في عالم تهيمن عليه الصورة والواقع في خلفيتها، لم تعد هناك صورة وأصل، بل صور ذات أصول متعددة. انه اذن عالم أزرار الكترونية تجعل المرء يشعر ويحس باحساسات واقعية وهى ليست كذلك.
لقد أصبح التليفزيون أكثر أشكال الترفيه تأثيرا، حتى لعب دورا في الحروب، وهناك ما سمى بالحروب التليفزيونية..وهو ما جعل المفكر "بودريار" يقول ان الحرب "لم تحدث في الخليج"، وهو يعنى أن الصور التى شاهدها الناس، ليست هي الصور الحقيقية للحرب في الخليج!. فضلا عن حالة الشعور بالظلم التى شعرت بها بعض الشعوب بسبب صور التليقزيون التى تنقل صور الحياة عند شعوب أخرى.
وقد انتهت بعض الدراسات الى اكتشاف مرض الادمان، وكمثل ادمان المخدرات والمسكرات مضرا، كذلك ادمان مشاهدة التليفزيون..أو العاب الفيديو وغيرها..وان اختلافا في العديد من الجوانب. واجمالا يمكن الاشارة الى بعض الايجابيات والسلبيات للتطورات التكنولوجية في عصر الصورة:
التخوف من أن تحل الآلة محل العامل (حيث التكنولوجيا المتقدمة) – المعلومات أصبحت سلعة مباحة – انخفاض في تكلفة خدمة المعلومات – حرية التداول وتهميش الاحتكار – التركيز على الترفيه – يقول "بليك" أن مقولة "مكلوهان" بوجود القرية العالمية (فى الستينيات) لم يعد لها وجود منذ التسعينيات، حيث تحول العلم الى مجموعة بنايات بها شقق وبها أناس كثر لا علاقة بينهم...
ربما للصورة أهميتها التربوية والتعليمية، وكذا في عالم الاتصال وفنون سمعية بصرية، ومع ذلك فالسلبيات عديدة ولافتة:
.. هيمنة ثقافة المظهر والشكل والابهار والاستعراض على حساب ثقافة الجوهر والمضمون والقيمة والعمق. حيث تتحول الصورة الى واقع بدلا عن أن تعكس الواقع.
.. هيمنة الصورة في صورتها السلبية، يعد معاكس للابداع، وما أحوجنا اليه في حياتنا اليومية..وذلك نظرا لهيمنة ثقافة الكثرة والنقل والمحاكاة عن غيرنا.
.. هيمنة ثقافة صناعة النجوم، وما يستتبعها من أساليب غير أخلاقية.
.. ما يعرف بجرائم الصورة (جرائم الانترنت) وهى تقوم على الخداع واستخدام الصور المزيفة أو حتى الحقيقية لوقوع الضحية.
وقد نخلص الى أن "ثقافة الصورة" التي تقوم في جوهرها على الجديد والخيال وتنشيط الابداع، تحولت الى تخوف من خيمنة ثقافة التكرار واللا ابداع!! الكتاب: عصر الصورة
المؤلف: د.شاكر عبدالحميد
الناشر: سلسلة عالم المعرفة – الكويت
السنة: يناير2005م
*** السيد نجم