الإخوان المسلمون وإشكالية «بيدي أو بيد عمرو»

بقلم: حمدي عبد العزيز شهاب

أثار تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت بعد زيارتها مصر مؤخرا بأن: "الإخوان المسلمون براجماتيون ويمكن التعاون معهم" بعض الإنتقادات الحادة للجماعة من أوساط فكرية وسياسية مختلفة بما يستدعى البحث في موقف الإخوان من عملية التغيير الجارية في مصر في الوقت الراهن.
وكانت أهم الإنتقادات تتمثل في أن الجماعة أصبحت مرشحة للإنضمام إلى كثير من الحركات والأحزاب السياسية - الدينية منها والعلمانية- التي تسعى نحو إيجاد "توافق رؤى" مع أمريكا، وذلك من خلال البحث عن القيم المشتركة التي تساعد على التحالف معها بدلا من الاصطدام "المجنون" بها.
ويلاحظ الأستاذ حسن الحسن ملاحظة جديرة بالإهتمام وهي أن هناك بعض الإسلاميين يبررون هذه الفكرة بالقول بوجود لائحة من القيم الإنسانية والسياسية والأخلاقية التي تجمع الأمة الإسلامية مع الأمة الأمريكية وبالتالي فإن الإلتقاء بين الطرفين قد يحرر العالم الإسلامي من الجمود والإستبداد السياسي.
وهي مقولة تحتاج إلى مراجعة سواء من جهة الإلتقاء بين قيم الطرفين أو من جهة نتائجه الفعلية وهل ستؤدي حقا إلى تغيير لصالح العرب والمسلمين أو العكس؟ لكن ما يعنينا أن هذه الفكرة آخذة في التوسع في أوساط الإسلاميين فيقول أحد الباحثين في هذا السياق أن نظام سياسي تحت الاحتلال الأمريكي أفضل كثيرا من نظام سياسي أوتوقراطي يرتكز في بقاءه على المؤسسات الأمنية التي تنتهك حقوق الإنسان وهو قول ذو علاقة بالقاعدة المشهورة "كما تدين تدان" - بمعنى أن النظام السياسي يتجرع من نفس الكأس التي أذاقها للمعارضة الإسلامية من خلال التعرض لضغوط وانتهاكات شبيهة تعمل على اضعافه وربما تقويضه وتشكيل نظام آخر.
ورغم انتشار هذه الرؤية فإننا نجد أن الموقف الرسمي للجماعة حسبما هو معلن في رسائل فضيلة المرشد العام وتصريحات القادة ينطلق من رفض الحوار مع الإدارة الأمريكية الحالية والهجوم المستمر على سياساتها في العالم الإسلامي على اعتبار أن المشروع الأمريكي – بحسب الدكتور محمد حبيب نائب المرشد العام للجماعة - يستهدف ابتداء تفكيك المنطقة واعادة رسم خريطتها من جديد بما يحقق المصالح الأمريكية ومن ثم فهو متحفز دائما لانتهاز الفرص التي تمكنه من تحقيق مآربه بل انه يقوم بصنع هذه الفرص وتهيئة الأجواء المناسبة لها.
ومنذ غزو العراق تركز رسائل فضيلة المرشد - والتي يوجهها إلى أعضاء الجماعة في العالم وتتناول موقف الجماعة من مختلف المستجدات –على بعض الأمور المتعلقة بالسياسات الأمريكية مثل: الأساليب الاجرامية التي ترتكبها الولايات المتحدة واسرائيل بحق العراق وفلسطين والتي تتناقض مع الشعارات الديموقراطية المرفوعة، والقول أن السياسات الأمريكية تستهدف الأنظمة والشعوب على السواء بما يستدعى تكاتف الطرفين، والتأكيد على أن الممارسات الأمريكية والصهيونية ليست سوى تعبير حقيقي عن حالة الافلاس والضعف التي انتهت اليها الحضارة الغربية، وأخيرا التبشير بقدرة القيم الإسلامية على انقاذ البشرية التي أصبحت تعانى أوضاعا اجتماعية واقتصادية مأزومة.
ولا يرفض الإخوان الحوار مطلقا مع الأمريكيين وإلا لما يوافقوا على ظهور بعض أعضاءهم على شاشة الحرة – التي تعد أحد أدوات الدبلوماسية الشعبية الأمريكية – أو حضور أعضاء آخرين في ندوات يكون من بين أطرافها مراكز بحثية تدعم صناعة القرار في واشنطن في ذات الوقت الذي كانت رسائل فضيلة المرشد تهاجم السياسات الأمريكية وربما كان هذا أحد الأسباب التي كانت وراء تصريح أولبرايت المشار إليه أعلاه.
ويمكن القول أن هناك بعض الإعتبارات التي تقف وراء هذا الهجوم على السياسات الأمريكية لعل أهمها. أولا: الموقف الأمريكي الذي يستهدف حركات الممانعة في العالم الإسلامي من خلال التخطيط لضرب حركات المقاومة فضلا عن البحث عن صيغة مناسبة للمشاركة السياسية للحركات الرسالية بطريقة لا تغير من الوضع القائم الذي يصب في صالح المصالح الأمريكية. ثانيا: سيادة رؤية مفادها أن الحوار مع النظام السياسي يؤدى إلى النتائج المرجوة خصوصا وأن الضغوط الخارجية لا تستهدف المجتمعات فقط وإنما الأنظمة السياسية أيضا.
والسؤال المطروح الآن هو : إذا كان هذا هو موقف الجماعة من الخارج فما هو موقفها من الداخل؟ أو بتعبير آخر اذا كنا نرفض أن يتدخل " عمرو " في شئوننا فهل نعمل بالفعل على أن يكون التغيير المطلوب بيدنا لا بيده؟
يرى الدكتور محمد حبيب (صحيفة آفاق عربية 24 فبراير/شباط الماضي) أن النظام الحاكم يريد منافسة سياسية محدودة وشكلاً ديمقراطيًا دون أن يؤدي ذلك إلي ديمقراطية حقيقية، أو يؤدي إلي تداول للسلطة. ويتأكد ذلك في الموقف من الأحزاب السياسية، وكيف يحاول تحجيمها، أو تجميد الأحزاب النشطة مثل حزب العمل والاتجاه في نفس الوقت إلى التحالف والتنسيق مع الأحزاب المحدودة الانتشار، التي تفيد في تحقيق الشكل الديمقراطي دون الجوهر.
أما فيما يتعلق بالموقف من جماعة الإخوان فيعتبر حبيب أن النخب المتحالفة مع النظام الحاكم، لها موقف مختلف عن ذلك حيث إنها تمثل فريقين، الفريق الأول: ينتمي للنظام الحاكم، وهو يؤيد موقف السلطة الحاكمة في تجميد العمل السياسي، ويوافق ضمنا علي استمرار الحزب الوطني الديمقراطي في السلطة. أما الفريق الثاني فهو مكون من وكلاء المشروع السياسي الغربي الذين يطالبون بديمقراطية حقيقية، وانتخابات حرة، مما يعني أنهم لا يحاولون المحافظة علي سيطرة النخبة الحاكمة ولا الحزب الحاكم، ولكن هذه النخب المتغربة (ويسميهم المارينز العرب) فإنها تحاول وضع شروط على القوى المسموح لها بالعمل السياسي داخل نطاق الديمقراطية، فنجدها تستبعد التيار الإسلامي من منظومة العمل السياسي، وكثيرًا ما تردد دعوات حول عدم ديمقراطية التيار الإسلامي، أو أنه تيار ديني ينادي بالدولة الدينية وهذا الموقف يفضي إلى التحالف بين وكلاء الغرب من المثقفين والسلطة الحاكمة. فنجدها توافق ضمنًا علي كل إجراء يُتخذ بحق الإسلاميين بل إن بعضها يحث النظام الحاكم علي ضرب التيار الإسلامي.
وهنا نجد أنفسنا إزاء مفارقة حقيقية فهذا النظام الحاكم الذي يتخذ إجراءات شكلية لا تغير من الطبيعة الأوتوقراطية له ويقوم بحصار الجماعة والتضييق على نشاطاتها بل ويؤكد أن أعضائها لن يكون لهم الحق في الترشيح لمنصب الرئاسة بعد التعديل الدستوري الأخير الذي يقضى بان يكون اختيار الرئيس بالإنتخاب بين أكثر من مرشح وليس الإستفتاء كما كان معمولا به في السابق هو النظام الذي تتمسك الجماعة بالحوار معه من أجل توسيع الهامش الديموقراطي وفى المقابل تتخذ خطوات خجولة فيما يخص التحالف مع الحركة المصرية للتغيير "حركة كفاية" والمرشحة في الداخل لقيادة المعارضة السياسية وفى الخارج لأن تكون أحد البدائل التي يدرس الأمريكيون التعامل معها.
ولن نجد تفسيرا لهذه المفارقة سوى عند قيادة الجماعة (وللأسف لن نجده في صحف الداخل وقد ننتظر طويلا حتى نعثر عليه في إحدى الحوارات للصحف الأجنبية) ولكن يمكن القول أن المطالب بالحوار استمرت في عهد المرشدين الراحلين الأستاذ مصطفى مشهور والمستشار محمد المأمون الهضيبي والحت عليها الجماعة في عهد المرشد الحالي الأستاذ محمد مهدي عاكف سعيا للإستئناس النظام والتوصل معه إلى تقويم مشترك للمستجدات الداخلية والخارجية.
ولكن النظام السياسي القائم يعمل دائما على أن تكون المعارضة تحت السيطرة وهذا ما يفسر حواره مع أحزاب المعارضة بعد أن اتجه الإخوان للحوار معها من أجل الإتفاق على آليات الضغط الملائمة لتحقيق الإصلاح السياسي وربما يفسر أيضا موافقته المتوقعة على زيادة تمثيل الجماعة في البرلمان في الانتخابات المقبلة مع الإبقاء على ورقة المشروعية القانونية لها في يده.
وبناء عليه فإن الجماعة في حال أرادت استمرار العمل من أجل الإصلاح السياسي يلزم عليها البحث عن آليات جديدة لمواجهة الإستبداد السياسي المراوغ الذي يقوم باجراءات شكلية لا تؤدي إلى استمرار الأوتوقراطية فقط وإنما تزيد من خطر التوريث ومن الآليات المقترحة: أولا: استئناف العمل من خلال مؤسسات المجتمع المدني التربوية والإقتصادية والفكرية والإجتماعية بما يوفر قنوات جديدة للتفاوض مع النظام السياسي ويؤدى في الوقت نفسه إلى توفير قنوات للمشاركة الإيجابية النابعة من التطوع لا الحشد وغرس مجموعة من القيم الإيجابية مثل العمل والولاء والتعاون.. الخ.
ثانيا: على المستوى السياسي: السعي بدلا من المشاركة في الحملات الرافضة للتدخل الأجنبى إلى التحرك في هذه الأجواء الضاغطة على النظام السياسي مع حركة كفاية وغيرها من أجل الضغط عليه بهدف اجراء إصلاحات سياسية وإقتصادية حقيقية وملموسة لدى المواطن العادى – ليست مفروضة من الخارج.
وباعتماد آليات جديدة يمكن للجماعة أن تتجاوز المنزلق الخطير في الممارسة الإسلامية المعاصرة في إطار حقبة التسييس (من 1984 وحتى الآن) ويتمثل في مقولة: إن الإصلاح الأهلي الاجتماعي والثقافي لا يمكن إلا بتوفير شروطه على المستوى السياسي، وهذا صحيح ولكن هذا لا يعنى أنه لا يمكن تحقيق تقدم في الأول إلا على أساس الثاني اذ يمكن العمل من خلالهما معا.
حمدي عبد العزيز شهاب
كاتب وباحث مصري Shehab_996@hotmail.com