عن الانتخابات الفلسطينية والعراقية: الاحتلال والديمقراطية وحق تقرير المصير؟!

بقلم: ماجد كيالي

شاءت تصاريف القدر أن يشهد شهر يناير/كانون الثاني الماضي تنظيم عمليتين انتخابيتين، في الأراضي الفلسطينية وفي العراق. والمفارقة أن هاتين العمليتين تجريان في ظل الاحتلال، الإسرائيلي والأمريكي، وتأتيان في ظل ادعاءات الإدارة الأمريكية، المتعلقة بإصلاح العالم العربي وإعادة هيكلته ونشر الديمقراطية فيه!
بديهي أنه ثمة تمايزات بين واقع الحال في الأراضي الفلسطينية عنه في العراق، فالانتخابات الفلسطينية على أهميتها، مثلا، لا تؤسّس لعملية استقلال وطني، كونها مجرد انتخابات لسلطة وطنية انتقالية، بينما هي قد تؤسس لإقامة نظام جديد، في عراق ما بعد صدام حسين.
وفي حين أن المحتل الإسرائيلي، الذي لا يعرّف نفسه كقوة احتلال، مازال يرفض حق تقرير المصير لشعب فلسطين مثلما يرفض إقامة دولة مستقلة له، فإن المحتل الأمريكي في العراق يعترف بواقع الاحتلال، وبحق شعب العراق بتقرير مصيره، كما يعترف بوجود دولة العراق، ذات العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.
الثابت أن العملية الانتخابية الفلسطينية، التي جرت في ظل الاحتلال، جرت أيضا برغم أنف هذا الاحتلال، بحكم ضغوط عديدة داخلية وخارجية، تأسست أصلا على حضور الفلسطينيين ومقاومتهم العنيدة؛ خصوصا أن إسرائيل عملت منذ قيامها، منذ أكثر من نصف قرن، على إنكار وجود الفلسطينيين ومصادرة حقوقهم السياسية، بحكم طابعها كدولة استعمارية، ذات طابع استيطاني إحلالي وعنصري.
على ذلك فإن خلق مسارات معاكسة لهذه التوجهات، ربما يؤدي إلى قيام كيان سياسي للفلسطينيين، كما أن هذا التطور يؤكد بأن إسرائيل أخفقت في إخضاع الشعب الفلسطيني، وفشلت في تحقيق ركيزة أساسية للمشروع الصهيوني.
أما الإدارة الأمريكية فهي لا تأخذ في مخططاتها وسياساتها ذات الاعتبارات الإسرائيلية، كونها ترمي إلى الهيمنة على العراق، من النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية، من دون أن يعني ذلك العودة إلى الطرق الاستعمارية التقليدية؛ لاسيما أن إدارة بوش تبذل جهدا دؤوبا وتحرص حرصا شديدا على جعل التغيير في العراق، بداية وجسرا ونموذجا للتغيير في العالم العربي.
وبرغم هذه التمايزات المهمة فثمة مقاربات مشتركة في المنطقين الإسرائيلي والأمريكي، تقف وراء قوة الدفع لإجراء الانتخابات في فلسطين والعراق، وهي تتمثل في المجالات التالية:
1 ـ تبييض صفحة الاحتلال (سواء الإسرائيلي أو الأمريكي)، والسعي، أيضا، لتبريره وإضفاء نوع من الشرعية عليه.
2 ـ ابتزاز الأنظمة العربية، في محاولة لإخضاعها للاملاءات السياسية الأمريكية، وأيضا لتسهيل الوضع على المحتلين للاستفراد بالعراق وفلسطين.
3ـ محاولة استقطاب شرائح جماهيرية للأطروحات الأمريكية في العالم العربي.
4 ـ الترويج للادعاء الإسرائيلي والأمريكي بشأن أن مشكلة العالم العربي ليس لها علاقة بالاحتلالات أو بمحاولات الهيمنة الخارجية، وإنما لها علاقة بالتوترات الداخلية، وخصوصا بآليات عمل السلطة وتدني مستوى الديمقراطية والتنمية.
وهذا الكلام ليس له علاقة البتة بمعارضة العمليات الانتخابية، فهذه العمليات ضرورية لترسيخ الحياة الديمقراطية وإطلاق الحريات وتطوير النظم السياسية في المنطقة العربية، ولكن ما ينبغي إدراكه هنا هو أن هذه العمليات، لوحدها، لا يمكن أن تشكل مخرجا للعالم العربي من مشكلاته وأزماته.
ذلك أن العمليات الانتخابية، الجارية في فلسطين والعراق، والتي تتركّز على حق المواطن الفرد باختيار شكل نظامه السياسي، على أهمية ذلك، تحاول أن تحجب، عن سابق تصميم، حقيقة سلب السيادة من الدولة التي ينتمي إليها هذا المواطن، وحقيقة تقييد حق تقرير المصير للشعب الذي يمارس الانتخابات، بفعل الاحتلال ذاته (الإسرائيلي والأمريكي).
وتبين التجربة أن الفلسطينيين، مثلا، الذين انتخبوا رئيسهم الراحل ياسر عرفات (1996) في انتخابات حرة ونزيهة، وبرعاية دولية وأمريكية خصوصا، وقفوا في لحظات تاريخية معينة في مواجهة محاولات أمريكية وإسرائيلية لإقصاء الرئيس عرفات (2001ـ2004)، عبر إضعافه وحصاره ورفض التعامل معه.
وهذا التعامل مع الفلسطينيين يؤكد أن الديمقراطية التي يتوخّاها الاحتلال إنما هي ديمقراطية انتقائية، وهي نوع من الديمقراطية التي يمكن أن ترسخ مصالح الاحتلال وتسهل وجوده، أما إذا تعارضت الديمقراطية أو رغبات الشعب مع الاحتلال، فإنه لن يعود للاحتلال حاجة للديمقراطية ولا للانتخابات.
ما يؤكد ذلك أن حرص الإدارة الأمريكية على الحريات والديمقراطية في العالم العربي لم يرتبط بحرصها على وضع حد للاحتلال الإسرائيلي، أو على الأقل كف يد إسرائيل عن الاستفراد بالفلسطينيين والإمعان فيهم قتلا وتدميرا، بل إنها كانت ترى في الأعمال القمعية الإسرائيلية نوعا من الدفاع عن النفس!
وكانت إدارة بوش تخلت عن اعتبار مبدأ "حق تقرير المصير للشعوب"، حقا مطلقا للشعوب التي تخضع للاحتلال، وقيدت هذا الحق بشروط ومعايير أخرى، من ضمنها: التخلي عن مقاومة الاحتلال واعتماد الديمقراطية ووجود مؤسسات صالحة، مدعمة بشهادة المحتل ذاته! وبلغة أخرى فقد بات حق تقرير المصير، لدى إدارة بوش، مشروطا بأهلية الشعب الذي يخضع للاحتلال لنيل الاستقلال، وموافقة المحتل على ذلك!
الواقع أن المنطق الإسرائيلي والأمريكي يحاول، في كل هذه الادعاءات والاشتراطات، حجب واقع الاحتلال وعدم شرعيته، وتجاهل الانعكاسات الناجمة عنه على الشعب المحتل؛ أي العنف الذي يولّده، والخراب الاجتماعي والسياسي الذي يتسبب به، والنهب الذي يعمل فيه النظام الاستعماري.
هكذا فإن منطق الاحتلال يقوم على التبرؤ من الجرائم التي يرتكبها بحق المحتلين، ويحاول أن يضفي نوعا من الرسالة الأخلاقية والحضارية، حتى على ممارساته الإجرامية، التي يعتبرها مجرد ردة فعل على الممانعة الشعبية التي تقف في مواجهته. وفي كل ذلك يغدو الشعب المستعمَر والضحيّة مجرما ومتخلّفا، لأنه يرفض رسالة المستعمِر وادعاءاته الحضارية والتنويرية! في حين أن المستعمِر، الذي يغطّي أغراضه الحقيقية المتعلقة بالهيمنة السياسية والاقتصادية، بادعاءات التحديث والتطوير والتحرير، يصبح ضحية برغم كل ممارسات التقتيل والتدمير السادية التي ينتهجها ضد الشعب الأعزل والمكبل بقيود الاحتلال.
وكما قدمنا، ليس القصد هنا التقليل من أهمية الانتخابات والعمليات الديمقراطية، والتي لا جدال على أن العالم العربي بحاجة ماسة لها، للنهوض بأوضاعه وتحصين ذاته أمام محاولات الهيمنة الخارجية، وإنما القصد هنا التأكيد على الاعتبارات التالية: أولا، أن الانتخابات ليست خاتمة المطاف في العملية الديمقراطية، وفي عملية تطور النظام السياسي والانتقال إلى دولة المواطن ودولة المؤسسات والقانون، وإنما هي عامل مكوّن من عواملها؛ ثانيا، أن حق الفرد بالاختيار الحر، في الوطن، لا يمكن أن يكتمل من دون حرية الوطن ذاته ومن دون سيادة الشعب على مصيره؛ ثالثا، أن الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تفرض بوسائل القوة، وخصوصا فإنها لا يمكن أن تفرض بوسائل الاحتلال والهيمنة الخارجية؛ إذ أن الديمقراطية ترتبط ارتباطا وثيقا بالحرية، حرية الأوطان والشعوب؛ رابعا، أن الديمقراطية لا تبرّر الاحتلال وإرهاب الدولة وسياسة الحرب الوقائية، لأن هذه السياسات يمكن أن تجرّ العالم إلى أتون مواجهات واسعة وممتدة في الزمان والمكان.
المشكلة أن إدارة الرئيس بوش التي باتت تتبنى خطاب الديمقراطية والحرية، جعلت من هذا الخطاب أيدلوجية شمولية جديدة، والمشكلة أنها أخذت على عاتقها تعميم هذه الأيدلوجية بوسائل الفرض الخارجي وبالاعتماد على قوتها العسكرية وهيمنتها السياسية والاقتصادية.
وما ينبغي قوله للولايات المتحدة أن الشعوب التي تتوق للديمقراطية، وللتنمية أيضا، تتوق في ذات الوقت للعدالة الاجتماعية، التي تحاول الولايات المتحدة سلبها منها، بوسائل الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية.
وما ينبغي قوله للولايات المتحدة، أيضا، أن الشبهات المتعلقة بسياساتها في المنطقة العربية، لن تمحوها ادعاءاتها بنشر الديمقراطية، إذ أن محك صدقيتها، بشأن الديمقراطية، يتوقف كثيرا على وقف دعمها وانحيازها لإسرائيل وعلى سعيها لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية. ماجد كيالي