جواد ابراهيم ينحت معاناة الفلسطينيين على الحجر

رام الله (الضفة الغربية) - من طاهر المجذوب
هوسه بالحجر جعله صديقه الأول

"اذا كانت الوجوه التي تظهر في لوحاتي مضطربة ومشوهة فلانها تعكس واقعا مريرا واذا عمدت الى نحت الحجر فلانه رمز لارض فلسطين"، هذا ما قال الرسام جواد ابراهيم في منزله برام الله وهو يشير الى احدى لوحاته الزيتية التي تطغى عليها الالوان الداكنة.
وتابع يقول "انا لا احب الخشب او غيره من المواد الطرية بل افضل الحجر وصعوبة التعامل معه لا سيما عندما اضرب الازميل خلال نحته فتنطلق منه الشرارة ولانه رمز الانتفاضة ومقاومة الشعب الفلسطيني".
واشار جواد (52 سنة) وهو فنان كون نفسه بنفسه بعد تخرجه من الجامعة الاردنية باجازة في علم النفس، الى احدى منحوتاته التي تمثل امراة بطنها اجوف تملؤه حجارة صغيرة وقال "هذه المرأة قصتها طويلة".
واوضح الفنان القصير القامة الذي لا تفارقه قبعته وغليونه "لقد استشهد ابنها خلال الانتفاضة الاخيرة (28 ايلول/سبتمبر 2000) في المواجهات بين الشبان والجنود الاسرائيليين".
وقال "كانت من مخيم الجلزون وبما انها لم تكن تستطيع ان تقدم شيئا للمقاومة سوى الحجر فكانت تجمع الحجارة لتعطيها للاطفال، فاردت ان اخلد هذه المرأة الفلسطينية القوية المتمردة".
واضاف ان "الحجر الفلسطيني بالنسبة لنا هو حجر مقدس، ونحن نبني منازلنا بالحجر لانه متوافر ولانه يعطيك الدفء في الشتاء والبرودة في الصيف".
وكان الفنان كتب في مطبوعات احد معارضه واصفا الحجر بأنه "لعبة الموت والحياة" و"هو الحجر الذي يمتد عبر اراضي وجبال فلسطين بتشكيلات جميلة هي السنابل التي بنتها ايدي الفلاحين الخشنة حفاظا على الارض وحبا وانتماء لها" و"هو الحجر الذي اتعذب بالبحث عنه لاعيش معه متعة النحت ولغة التشكيل وحوار الكتلة".
وجواد ابراهيم المتقد العينين تشارك اعماله الفنية حاليا في معارض في هيوستن ونيويورك في الولايات المتحدة وفي تونس والرباط واليابان.
وقد اعتقل ثلاث مرات وفي آخر مرة كان اعتقاله اداريا لان السلطات الاسرائيلية لم توجه له اي تهمة رسميا.
ويقول الرسام المنحدر من جنين في الضفة الغربية انه يحبذ طائر البوم ويستوحي من شكله الكثير في لوحاته ونحوتاته.
وقال جواد مشيرا الى جدارية حجرية ثبتت على احد جدران صالونه الاشبه بمعرض فني دائم "انها تحمل رموزا بعضها كنعاني او روماني ومن حضارات اخرى، كالدائرة والمثلث وهناك ايضا شخصيات اسطورية واشكال افريقية".
وفي احدى مطبوعاته يتساءل الفنان الذي يمارس الفن التشكيلي منذ 25 سنة، "هذه الوجوه القلقة والمرهقة تدرك بوعي كامل المسافة بين القاع والسطح، تبحث عن المفقود في غمرة الالوان وفي شقوق المكان ولكن هل ستجده؟"
وقال عنه الناقد الفلسطيني زكريا محمد "يبدو جواد ابراهيم مهووسا بالحجر فمنذ ان اكتشفه وهو ينام معه ويصحو معه، هذا الهوس الذي يوحد بين الفنان ومادته ويجعلها كتلة واحدة من الحب والحرب. فليس ثمة فن من دون هوس".
"واذا كان جواد ابراهيم لم يكتشف الحجر الا متأخرا فان لوحاته منذ البدء تعطي الانطباع بان وصوله الى الحجر لم يكن صدفة فكتله كتل نحتية ووجوهها كانها انبعثت من حجر. فوق ذلك فان البورتريهات اللونية التي يرسمها تبدو وكانها مشاريع منحوتات مقبلة بحيث انها سوف تقد من الحجر بالمطرقة والازميل".
وعندما تعرض الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الى هجوم اسرائيلي على المقاطعة التي دمرت بقذائف الدبابات تساءل الفنان جواد "ماذا يمكنني ان اقدم تضامنا مع الرئيس عرفات" ولم يلبث ان قرر رسم لوحة خاصة له "امام مكتبه وليس في المرسم".
فضمن جواد ابراهيم هذه اللوحة عناصر تتفاعل مع الحدث فاختار التراب ارضية للوحة فخلط به الالوان ورسم فيها طائرا ازرقا (وهو رمز الخير والحب) يحلق عاليا لكنه يظل ملتصقا بالتراب.