رسالة مفتوحة إلى آية الله العظمى السيد علي السيستاني

بقلم: فيصل جلول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أسمحوا لي أن توجه إليكم انطلاقا من معرفتي التامة أن مقامكم الرفيع في العراق ومرجعيتكم الحاسمة لدى الشيعة في الشرق الأوسط تتيح لكم في هذه الظروف العصيبة التي تجتازها منطقتنا دورا عظيما يمكن القول بلا مبالغة انه قد يساهم في تغيير مجرى الأحداث من اتجاه إلى آخر.
لا يخفى عليكم بطبيعة الحال أن العراق يحتل أعظم الاهتمام في الأوساط العربية والمسلمة في كل أنحاء العالم.ليس لأنه أرض السواد ومركز الحضارة العربية الإسلامية طيلة قرون وبان احتلاله أو تحريره يقع في حسابات التاريخ موقعا محوريا بل لأنه أيضا عقدة حسابات راهنة ومفترق طرق أساسي في مستقبل منطقتنا بأسرها. باختصار مجحف أقول أن ما يدور في العراق سيترك تأثيرا مهما على مصير العرب والمسلمين. فإما أن ينتصر "مغول أمريكا" في بلاد الرافدين ويعممون انتصارهم على سائر بلاد العرب والمسلمين وبالتالي يفرضون ما يشاءون من قيمهم ومعتقداتهم الدينية والدنيوية ويجعلون أهالي منطقتنا عبيدا وخدما لمصالحهم وأما أن يهربوا من العراق فينتفي أثر إهانتهم لأمتنا وتعود أرض الرافدين لأهلها أرضا حرة آمنة مستقرة يسودها العدل وينأى عنها الظلم والاستبداد ويتساوى أبناؤها في الحقوق والواجبات التي أقرتها الشرائع كل الشرائع.
إن حرية العراق بقدر ما تعني العراقيين تعني أيضا العرب والمسلمين. فحرية بغداد تساوي حرية دمشق وعمان والدوحة وبيروت والقاهرة والكويت والرياض وسائر عواصم العرب والمسلمين وعبوديتها تساوي عبوديتهم. وحيث لا منطقة وسطى بين الحرية والعبودية ارتأت مرجعيتكم منذ البداية إن على الاحتلال أن يرحل عن العراق وانه يجب ألا يكافأ على اجتياحه بأية صورة من الصور وقلتم بعدم وجوب القبول بقواعد أمريكية بعد التحرير وبعدم وجوب توقيع اتفاقات أمنية مع المحتل وطلبتم أن يرحل في اقصر وقت ممكن وحذرتم من انه إن لم يرحل في أمد مناسب ستعملون على طرده بالمقاومة. قلتم ذلك في وقت كانت فيه معلومات المحتل تؤكد إن الغزاة ما جاءوا إلى العراق إلا بعد نيل رضا الشيعة والأحزاب الكردية، فيما يعني الشيعة لا نصدق المحتل بقدر ما نصدق أقوالكم وبالتالي نرى من هذا المنطلق إن لنا الحق وانتم المرجع الأكبر في بلاد الرافدين وفي غيرها للمسلمين الشيعة أن تفيدونا عن مصير هذه التعهدات. فهل ما زالت على حالها أم أن طواريء وقعت وجعلتكم في وجهة تعهدات أخرى.؟!
اسمحوا لنا يا صاحب السماحة أن ننقل إليكم مخاوفنا إزاء التطورات التي يشهدها العراق وأخرها الانتخابات التشريعية.ثمة من يقول أنكم قررتم طرد الاحتلال عبر الانتخابات فيما المقاومة العراقية تعمل لطرده بالقوة المسلحة وان المسارين يصبان في اتجاه واحد. وهناك من ينسب إليكم الرهان على مجلس تشريعي منتخب يضع دستورا ومع إنجاز الدستور يرحل المحتل دون أن يقطف ثمار احتلاله.
إذا كان الكلام المنسوب إلى مرجعيتكم صحيحا فهو ينم عن سوء تقدير باهظ الكلفة لنوايا جورج بوش وجماعته فهؤلاء يريدون دولة عراقية ذات شرعية شكلية ليقولوا للعالم أنهم بناتها وحماتها وسيضخون أموالا طائلة لإغراء وجذب عراقيين كثر للالتفاف حول هذه الشرعية و من ثم تحويلها إلى هراوة ضد المقاومة العراقية والى نموذج لدول تافهة في المنطقة بأسرها يرفع فيها الآذان للعم سام و لأرييل شارون وليس لله ورسوله العربي الكريم.

سماحة السيد

يريد الأمريكان انتخابات عراقية تحت عمامتكم يصوت فيها الشيعة لصالح الاحتلال وليس لصالح بلدهم حتى إذا ما تمت وحققوا الهدف المنشود يضعون الشيعة أمام معادلة شيطانية تقول: ها قد فزتم في الانتخابات ولن يكون فوزكم كاملا إلا إذا دافعتم عنه ضد من يعترضون عليه أي ضد المقاومة العراقية المنسوبة عرضا للسنة. إذا يريد المحتل أن تكون المرجعية الشيعية سترة واقية له من المقاومة حتى إذا ما نجح لا سمح الله بالاستفراد بهذه المقاومة عاد للاستفراد بالشيعة متكئا هذه المرة على الأحزاب الكردية فيتحول إلى مدير للعبة التقاتل بين فئات الشعب العراقي حتى يتعب العراقيون ويكثر طلاب الاحتلال في صفوفهم ويحقق المحتل غرضه فتصبح بغداد والموصل والفلوجة وتكريت والكوفة وكربلاء والنجف مواقع للفرجة يقصدها سياح الغرب لمعاينة ما صنعه فيها جيش بوش ومحافظوه الجدد.
إننا يا صاحب السماحة لا نشك في النوايا التي تقف خلف مخططكم لإزالة الاحتلال بل نشك في المحتل نفسه. فهو اليوم يستفيد من هدوء الجنوب لتدمير مدن الشمال وبعد تدمير مدن الشمال يصبح قادرا على فرض ما يريده على مدن الجنوب وان تمردت وقاتلت لن تجد عونا من مدن الشمال المدمرة والمقموعة لا بل سيجد المحتل عونا من كل الحكام الذين يعينهم ويقيلهم في المنطقة ساعة يشاء وسيسهل على هؤلاء اللجوء إلى الفتنة والقول بإرهاب الشيعة والدعوة إلى محاربتهم.فلماذا نمنح المحتل فرصة لالتقاط الأنفاس ولماذا الظن بأنه مجبر على الانتظام في أجندة المرجعية لإزالة الاحتلال.فهل يعقل أن يعبأ المحتل بأية أجندة بعد التخلص من المقاومة. وهل يعقل أن نحسن الظن بالاحتلال والمحتلين ونسيء الظن بالمقاومة والمقاومين.
نعرف تماما يا صاحب السماحة إن الشيعة ظلموا في العراق وان بدا الظلم عليهم اكبر فلأنهم الأكثر عددا فيما الظلم طال الجميع. لكننا نعرف أيضا إن عراق الغد لن يقوم على الظلم كائنا ما كان حاكمه من أبناء العراق الأحرار وليس من عبيد الاحتلال وزبانيته. معنى ذلك إن ظلم ذوي القربى وان كان "أشد مضاضة" من قبل لا يجوز اليوم أن يكون سببا في التسامح ولو من بعيد مع العبودية أي مع أقصى درجات الظلم الناجم عن الاحتلال.
صاحب السماحة
تتذرع قبضة من المتعاونين مع الاحتلال بالقول إن الشيعة ناهضوا الاستعمار البريطاني وفازوا في ثورة العشرين لكنهم خسروا السلطة في العراق وأصبحوا ضحايا انتصارهم وتنصح هذه الفئة الضالة المرجعية بالإفادة من دروس الماضي وبالتالي التعاون مع الاحتلال للفوز بالسلطة وانه لا احد أفضل من احد. فلطالما يحمي بوش الحكام فلماذا لا يحمي حكام العراق الشيعة المقبلين وطالما يتعاون حكام في المنطقة مع بوش وبعضهم مع شارون لماذا لا يجوز لحكام العراق الشيعة أن يسيروا على رسمهم؟
لا يغيب عنكم أن هؤلاء المتعاونين يتلطون اليوم خلف المرجعية الشيعية لأنهم يدركون بقوة أن لا مستقبل لهم في العراق إلا إذا نجحوا في تحويل القسم الأكبر من الشيعة إلى مهادنين للاحتلال أو متعاونين معه. وهم لا يخجلون من الزعم أمام المحتلين أنهم تمكنوا من جر المرجعية إلى حيث يريدون ويريد الاحتلال. ونخشى من أن تصدقهم العامة التي لم تعد قادرة على التثبت من إن للمرجعية أجندتها العراقية الخاصة.
أما القول بخسارة الشيعة لثورة العشرين فهو ينتمي إلى الماضي ولا يصح قياسا على الحاضر فالاستعمار البريطاني وقع في معرض إعادة تركيب الدول الشرق أوسطية في حقبة زمنية أين نحن منها الآن والشيعة في العراق ما عادوا كما كانوا بالأمس وليس بوسع احد اليوم أن يسرق انتصاراتهم بقدر ما تكون هذه الانتصارات سامية ونبيلة وبقدر ما تساهم في تحرير العراق وطرد الأجانب المحتلين منه. إن حكام العراق المقبلين هم الذين يحررونه من الاحتلال أما المتعاونين مع الأمريكان فقد خسروا الآخرة ويخسرون الدنيا وهم يهيئون مقرات سكن جديدة لهم في المناطق الكردية أو في المهاجر التي جاءوا منها وسيكون بوسعهم أن يرجعوا من حيث أتوا على ظهور الدبابات الأمريكية أما المرجعية فهي باقية إلى الأبد في ارض عاش على ثراها ومات أهل البيت شهداء من اجل الحق دون أن يتخيلوا يوما أن تدنسها بساطير المحتلين وان يتجول فيها عملاءهم وان ينطق من على بعض منابرها ناطقون بلسانهم.
سماحة السيد
ننتمي جميعا إلى هذه الأمة التي ابتليت بمرجعيات روحية وزمنية اقل طموحا وإرادة من أبنائها.وإذا كانت حالنا هي التي تعرفون فان بقاء الحال هو من المحال وامتنا اليوم على موعد مع التاريخ في بغداد والنجف وكربلاء والفلوجة وكركوك والسماوة والحلة وبعقوبة والقائم والموصل وغيرها من مدن وقرى ارض السواد. إننا على يقين تام أن الاحتلال الأمريكي للعراق لن يتمكن من إعادة التاريخ إلى الوراء ولن ينجح في قهر أبناء الرافدين حيث فشل في قهر أبناء الصومال ولبنان وفيتنام وغيرها ولو وقفت إلى جانبه كل أمم العالم وهي واقفة اليوم معه لكن رغم ذلك لم يتمكن من قهر مدينة عراقية واحدة لا يتعدى سكانها أل 300 ألف نسمة.
إن عراق الغد سيكون بلا احتلال حرا شريفا أبيا وفيا لامته كما كان على مر التاريخ.و في هذا العراق الحر تكبر المرجعية وتدخل التاريخ من أبوابه العريضة.أما في عراق محتل الأرض أو محتل الإرادة فلا قيمة لكل السلطات والشرعيات السياسية والدينية لأنها ببساطة مقهورة راضخة وكائنة كما يراد لها أن تكون.
في هذه الفترة التاريخية التي يتقرر فيها مصير العراق والمنطقة بأسرها يحق لنا أن نسألكم إحداث تغيير جوهري في أجندتكم وعقد رهان جديد على تحرير ارض الرافدين بوسائل المقاومة المدنية اقله والعسكرية إن استطعتم وبالتالي إصدار فتوى تحريم التعامل وكل أشكال التعاون مع المحتل ولا ي سبب كان.
صاحب السماحة لقد ارتفعت مؤخرا أصوات الفتنة في محيط العراق ليس خوفا على أبنائه وإنما خوفا على الاحتلال حليف هذه الأصوات وعلة وجودها. وإن كنا ندرك دوافع المفتنين ورهاناتهم فإننا بالمقابل نخشى من أن يصبح صوتهم مسموعا إذا ما شعروا بالمساواة مع سلطة عراقية تخرج من جوف الاحتلال وتصبح مثلهم على صورته ومثاله.لا بل نقول أن المحتل يستدرج سلطات متعددة المرجعيات الدينية في منطقتنا تخاف من بعضها البعض أكثر من خوفها من المحتل وبهذا وبهذا وحده يمكث العم سام على صدور العرب والمسلمين ما طاب له المكوث.
في الختام نسأل الله أن يسدد خطاكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فيصل جلول، كاتب وصحافي لبناني