استحقاقات ما بعد الانتخابات الفلسطينية

بقلم: ماجد كيالي

يمكن اعتبار الانتخابات الرئاسية، التي جرت يوم 9 يناير، نجاحا خالصا للفلسطينيين، فهي تمت بهدوء وانتظام، لم يعكّر صفوهما سوى إجراءات الحصار الإسرائيلية، بشهادة المراقبين؛ الذين يصل عددهم إلى اكثر من 22.500 مراقبا، منهم 7124 مراقبا ينتمون إلى 201 هيئة مراقبة محلية، و 800 مراقب دولي يمثلون 58 هيئة مراقبة دولية، أبرزهم الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر.
وكما كتبنا في مقالات سابقة في "الوطن"، فهذه الانتخابات كانت جد ضرورية للفلسطينيين، خصوصا بعد رحيل زعيمهم التاريخي ياسر عرفات، لتجديد شرعية القيادة الفلسطينية في الشارع الفلسطيني، وترسيخ شرعية الكيان الفلسطيني على الصعيد الدولي، ولحماية هذا الكيان من محاولات الإلغاء والتهميش الإسرائيلية، وكذلك لتوضيح خريطة توزع القوى الفلسطينية.
وبحسب المعطيات الصادرة عن بعض الجهات المعنية، فقد بلغت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات حوالي 70 بالمئة من أصل 1.2 مليون شخص من أصحاب حق الاقتراع الذين سجلوا في القيد الانتخابي، وهي نسبة عالية، إذا أخذنا بالاعتبار العوامل الثلاث التالية: 1ـ مقاطعة التيار الإسلامي، ممثلا بحركتي حماس والجهاد، للانتخابات؛ 2ـ العوائق الإسرائيلية، وضمنها الإغلاقات وإجراءات الحصار وتقييد مشاركة المقدسيين (120 ألفا)، وعدم تمكين المعتقلين (8000) من الإدلاء بأصواتهم؛ 3ـ واقع أن نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية الأولى، التي جرت في العام 1996 لانتخاب الرئيس الراحل ياسر عرفات، بلغت 75 بالمئة.
بالنتيجة فقد تمخّضت هذه الانتخابات عن فوز محمود عباس (أبو مازن)، وهو مرشح حركة فتح، بحصوله على حوالي 63 بالمئة من أصوات الناخبين، عل رغم برنامجه المعلن، والمثير للجدل، المتعلق بضرورة وقف عسكرة الانتفاضة، والاعتماد على طريق المفاوضات السياسية لتحصيل الحقوق الفلسطينية، وبرغم عدم تمتعه بالكاريزما الشعبية التي كان يحظى بها ياسر عرفات؛ والذي كان حصل على 87 من أصوات الناخبين في العام 1996.
وكان مصطفى البرغوثي، ممثل المبادرة الوطنية والمدعوم من الجبهة الشعبية، هو المرشح التالي بعد محمود عباس، بحصوله على حوالي 20 بالمئة من أصوات الناخبين، في حين حصل تيسير خالد مرشح الجبهة الديمقراطية على حوالي 3.5 بالمئة، وبسام الصالحي مرشح حزب الشعب على حوالي 3 بالمئة، أما المرشحين الثلاثة المستقلون فحصلوا مجتمعين على أقل من 5 بالمئة.
على ذلك يمكن القول بأن الفلسطينيين، في الأراضي المحتلة، منحوا رئيسهم الجديد (أبو مازن) تفويضا، يقدر بحوالي 70 ـ 75 بالمئة، ما يؤهله لمواجهة الاستحقاقات السياسية الداخلية والخارجية. أما مصدر هذا التفويض فهو يتمثل، أولا، بحصوله على حوالي 63 بالمئة من أصوات الناخبين، برغم برنامجه السياسي المعلن كما قدمنا؛ ثانيا، ضعف تيار المقاطعة، الذي مثله التيار الإسلامي، إذ لم يلتزم بالامتناع عن التصويت سوى حوالي15 ـ 20 بالمئة من الفلسطينيين؛ ثالثا، أن المرشحين الآخرين من ممثلي التيار الديمقراطي (مصطفى البرغوثي وتيسير خالد وبسام الصالحي) لا يختلفون في برنامجهم السياسي عن برنامج الرئيس المنتخب محمود عباس؛ وإن ثمة خلافات تتعلق بالمشاركة السياسية وبشكل إدارة البيت الفلسطيني.
ويستنتج من ذلك أن بعض الأصوات الفلسطينية المعارضة والمقاطعة للانتخابات، والتي حاولت التشكيك بنزاهتها، عبر الإيحاء بأن هذه الانتخابات مفصّلة على مقاس محمود عباس، وأنه ثمة رغبة إسرائيلية ودولية وإقليمية بأن يكون هو لا غيره رئيسا، تفتقر للمصداقية، وهي تضر بكفاح الشعب الفلسطيني، ولا تفيد حتى القوى المعارضة، بواقع المشاركة الشعبية الكبيرة بالعملية الانتخابية، وبواقع أن اتجاه التصويت، سواء بالمشاركة أو بالمقاطعة، عكس أوزان القوى السياسية الموجودة في الساحة الفلسطينية.
المهم أن الرئيس الفلسطيني الجديد محمود عباس (أبو مازن)، وهو رئيس السلطة ورئيس منظمة التحرير، بات اليوم وجها لوجه أمام تحديات الاستحقاقات التي تواجهه، لاسيما أنه تحدث كثيرا، طوال السنوات السابقة، عن ضرورة إصلاح مؤسسات السلطة ومحاربة الفساد ووقف عسكرة الانتفاضة.
أما جدول الاستحقاقات أمام الرئيس الجديد فيمكن تمثله في النواحي التالية:
1 ـ تهيئة المناخات للشروع بانتخاب مجلس تشريعي جديد، وذلك لتعزيز صدقية الانتخابات الرئاسية، وترسيخ شرعية الكيان الفلسطيني، داخليا وخارجيا؛ وطبيعي أن هذا الأمر يفرض على الرئيس المضي بتعديل النظام الاساسي للانتخابات التشريعية؛ أولا، لجهة اعتماد سجل خاص للناخبين، وتلافي بعض الأخطاء الحاصلة في الانتخابات الحالية؛ ثانيا، اعتماد نظام مختلط يتأسس على الدائرة الوطنية الواحدة، والدوائر المتعددة، ما يمكّن من انتخاب مجلس تشريعي على أسس سياسية لا مناطقية أو عشائرية؛ ثالثا، اعتماد الانتخابات النسبية لترسيخ واقع الديمقراطية والتعددية في النظام السياسي الفلسطيني.
2 ـ المضي بتحقيق الإصلاحات القانونية والتشريعية واعتماد معايير الكفاءة والشفافية، ومحاربة ظواهر الفساد والإفساد والمحسوبية، في بناء مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية. ويأتي ضمن هذه السياق توحيد الأجهزة الأمنية وترشيد دورها. كما يأتي ضمن هذا السياق، أيضا، تعزيز علاقات الديمقراطية والمشاركة والتعددية والقيادة الجماعية في إدارة البيت الداخلي.
3 ـ الشروع في تعزيز الحوار الداخلي بين القوى الوطنية الفلسطينية، ولابد في هذا المجال من إعادة تعريف هذه القوى، بمعنى الأخذ بالاعتبار القوى الوازنة والفاعلة في المجتمع الفلسطيني وفي عملية الكفاح ضد إسرائيل، لا الابقاء على صيغة عشرين أو ثلاثين فصيلا. كما لابد في هذا المجال من التأكيد على أن تعزيز الديمقراطية والتعددية في الساحة الفلسطينية، شيء والفوضى شيء أخر؛ بمعنى أن حرية الرأي والحق في الاختلاف لا تعني أنه من حق أي تنظيم أن يأخذ الأمور في الساحة الفلسطينية بحسب سياساته وتوجهاته الخاصة، لأن هذه الأمور ينبغي أن تحسم في المؤسسات الفلسطينية المفوضة من قبل الشعب، وفي المقدمة منها مؤسسة الرئاسة والمجلس التشريعي القادم.
4 ـ الحسم في مصير الانتفاضة، فليس ثمة انتفاضة للأبد، ومن حق الفلسطينيين، بعد هذا الاستنزاف والإنهاك، محطة لالتقاط الأنفاس وتجديد القوى، ولعل المهمة الرئيسة في هذه المرحلة تتعلق بترميم أوضاع المجتمع الفلسطيني، وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية، لان هاتين المهمتين هما الركيزتين الاساسيتين للصمود في مواجهة التحديات الإسرائيلية.
5 ـ تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، ويأتي في مقدمة ذلك تهيئة المناخات لتشكيل مجلس وطني جديد، بناء على معطيات انتخابية، حيث أمكن، وبناء على معطيات العينة الانتخابية الناتجة عن الانتخابات القادمة للمجلس التشريعي، والتي من المفترض أن تتم في يوليو القادم. وفي الواقع فإن إعادة الاعتبار لمؤسسات منظمة التحرير يقوي السلطة الوطنية، في مواجهة الاملاءات الإسرائيلية، ويعزز من مسارات الوحدة الوطنية، ويعمق الترابط بين أجزاء الشعب الفلسطيني الواحد، في الأرض المحتلة وفي مناطق اللجوء والشتات.
6 ـ ترشيد العلاقة بين حزب السلطة، وهي حركة فتح التي ينتمي إليها الرئيس المنتخب، وبين مؤسسات السلطة والمنظمة، بما يعطي فتح حقها ووزنها، وفق صيغ قانونية وديمقراطية معقولة، وبما يجنب حالات الاستئثار والهيمنة، التي تضعف فتح نفسها. وفي هذا السياق فإن الرئيس الجديد من موقعه الشرعي والقيادي في الساحة الفلسطينية معني بتطوير مؤسسات وبني فتح، بما يتناسب والتغيرات الحاصلة في الساحة الفلسطينية وعلى الصعيدين العربي والدولي.
عدا هذه المهمات الداخلية فأمام الرئيس الجديد محمود عباس مواجهة التحديات والاملاءات الإسرائيلية، وضمنها تحديات: 1 ـ الانسحاب الأحادي من قطاع غزة؛ 2 ـ بناء جدار الفصل العنصري؛ 3 ـ ظاهرة استشراء الاستيطان في القدس وفي الضفة الغربية؛ 4 ـ استئناف المفاوضات وفق خطة خريطة الطريق؛ 5 ـ قضايا الحل النهائي المتعلقة بتقرير مستقبل اللاجئين والقدس والحدود.
المهم أنه مع الانتخابات الرئاسية خطت الساحة الفلسطينية خطوة نوعية إلى الأمام في مواجهة الاستحقاقات التي تقف أمامها، ولكن هذه الخطوة ستبقى قاصرة إن لم ترتبط بالخطوات الأخرى القادمة، التي ستبين مدى صدقية الرئيس محمود عباس لقيادة الشعب الفلسطيني ولخلافة رئيسه الراحل ياسر عرفات. ماجد كيالي mkayali@scs-net.org