الرياضة العربية في 2004: انجازات واخفاقات

القاهرة - من محمد نبيل نعيم
هشام رفع رأس العرب عاليا في اثينا

إذا أردنا معرفة الحدود الجديدة لامكانات البشر رياضيا فان جردة الحساب السنوية هي أفضل ما يمكن اللجوء إليه لمعرفة إلى أين وصلت قدرات الرياضيين الطامحين دائما إلى الافضل باعتبار أن التطور هو سنة الحياة.
وجردة الحساب تعيد الذكرى إلى فترات أدخلت السعادة إلى القلوب واخرى كانت بطعم العلقم.
وعندما نعرف ما الذي فعله هذا الرياضي أو ذلك الفريق يمكننا أن نتكهن بصورة أدق وأقرب إلى الموضوعية عما يمكن عمله حاضرا أو مستقبلا، ولذا فهي باتت ضرورة في النشاطات الرياضية كما في باقي النشاطات الانسانية.
وتميز العام 2004 بأحداث كبيرة جدا يأتي في مقدمها اختيار الدولة المنظمة لنهائيات كأس العالم لكرة القدم المقررة في عام 2010 في إفريقيا للمرة الاولى ودورة الالعاب الاولمبية التي اقيمت الصيف الماضي في أثينا.
ولا أحد ينسى طبعا نهائيات كؤوس الامم الافريقية والاوروبية والاسيوية التي تابعها العالم على التوالي من تونس والبرتغال والصين.
كما كان لدورة كأس الخليج السابعة عشرة التي أقيمت في قطر مذاقها الخاص جدا لانها عرفت ظهور قوى كروية جديدة في المنطقة تمثلت في قطر صاحبة الضيافة واللقب وعمان التي أبهرت والبحرين التي تطورت كثيرا.
ولو قلبنا في أوراق المفكرة الرياضية العربية فسنجد لقاءات ومشاركات كثيرة في بطولات عديدة لمختلف الالعاب.
وسنجد أيضا أن الرياضة العربية تحسنت نسبيا على اعتبار أنها استعادت الزعامة الافريقية في كرة القدم من خلال كأس الامم الافريقية التي نظمتها تونس وفازت بلقبها فضلا عن الميداليات الاولمبية البارزة التي تحققت في أثينا وفي مقدمها ذهبيات العداء المغربي هشام الكروج والرامي الاماراتي الشيخ أحمد آل مكتوم والمصارع المصري كرم جابر.
وقربت هذه البطولات بين الاشقاء العرب كثيرا وفرقت بينهم أحيانا كما حدث في دوري أبطال العرب لكرة القدم الذي عرف انسحابات واحتجاجات لم تشهدها أي بطولة عربية من قبل بسبب خلافات حول التنظيم والتحكيم وتأخير المستحقات المالية للاندية المشاركة وخلافه.
وأصيبت الرياضة العربية عموما وكرة القدم تحديدا في مقتل حين أسند الاتحاد الدولي لكرة القدم تنظيم مونديال عام 2010 لجنوب إفريقيا في وقت ترشحت أربع دول عربية هي تونس والمغرب وليبيا ومصر لنيل شرف استضافة هذا الحدث.
والغريب أن هذه الدول الاربع رفضت أن تتضامن فيما بينها لتقلل من فرص جنوب إفريقيا وأصرت كل منها على الترشح بملفها الخاص فكانت الطامة الكبرى.
وانهارت الاحلام العربية بشدة في هذا المحفل فابتعدت ليبيا وانسحبت تونس قبل بدء عملية الترشيح بيوم واحد ولم تنل مصر أي صوت في حين حفظ المغرب ماء وجه العرب بعدد من الاصوات لم يكن كافيا لانقاذ سمعة الرياضة العربية ولا مساويا للمبالغ الطائلة التي أنفقها في رابع مرة يتقدم فيها لاستضافة هذا الحدث العالمي.
وإذا كانت الكرة العربية أحدثت انقلابا في إفريقيا بفوزها بالمركزين الاول والثاني عبر تونس والمغرب في كأس الامم فان خيبة المنتخبات العربية استمرت في كأس الامم الاسيوية.
ولم يفلح منها سوى المنتخب البحرينى الواعد باحتلاله المركز الرابع للمرة الاولى في تاريخ مشاركاته ومن دون أن نغفل أن المنتخب العماني قدم عروضا رائعة في البطولة ذاتها.
والمنتخب العماني ذاته كان حديث الساعة مع اقتراب العام على نهايته حين صال وجال في دورة كأس الخليح السابعة عشرة التي استضافتها قطر وحصلت على لقبها بعد فوزها على عمان بالذات في المباراة النهائية المثيرة.
وفي كرة القدم أيضا نجحت منتخبات السعودية والكويت والبحرين في التأهل للدور الحاسم من تصفيات القارة الاسيوية المؤهلة لنهائيات كأس العالم المقررة في عام 2006 في ألمانيا.
وستواجه هذه المنتخبات اختبارا جديا عندما تبدأ منافسات المرحلة الحاسمة في شهر شباط/فبراير المقبل إذ عليها أن تتغلب على قوى كبرى في عالم كرة القدم أمثال كوريا الجنوبية واليابان وإيران وهي الدول الثلاث الاكثر ترشيحا "على الورق" للوصول إلى مونديال ألمانيا.
ولا تزال المنتخبات العربية في افريقيا تصارع من أجل الوصول للمونديال ذاته من دون أن تبدو الملامح واضحة إزاء من لديه الفرصة كاملة منها لتحقيق هذا الامل العربي.
ويشعر كل عربي بالفخر حين يصل الحديث إلى ألعاب القوى ويزداد فخرا كلما تردد اسم العداء المغربي الفذ هشام الكروج الذي حصد ميداليتين ذهبيتين في أولمبياد أثينا أكمل بهما سجله الذهبي الحافل بالميداليات العالمية.
ومنذ أن بدأ الكروج مسيرته المظفرة وهو يناضل من أجل الحصول على ميدالية ذهبية أولمبية لكنه أخفق في أولمبيادي أتلانتا عام 1996 وسيدني عام 2000 .
وبات الفوز بذهبية أولمبية يمثل عقدة أساسية في مسيرة الكروج الحافلة ولم تعد أمامه سوى فرصة الحصول على هذه الميدالية الحلم من خلال أولمبياد أثينا الذي جرى الصيف الماضي.
وتوج الكروج جهوده بميداليتين ذهبيتين أولمبيتين دفعة واحدة حققهما في سباقي 1500 م و5000 آلاف متر.
وفي وقت كانت الامارات تسعى إلى تحقيق أول ميدالية أولمبية من أي نوع فاجأها الشيخ أحمد آل مكتوم باهدائها ميدالية ذهبية في مسابقة الرماية في اثينا فكان دخولها إلى السجل الاولمبي من الباب الذهبي.
وتسلطت الاضواء على الرباعة المصرية نهلة رمضان لتعيد البسمة إلى الشارع المصري بعد صفر المونديال الذي أصاب الجميع بخيبة أمل عريضة لكنها فشلت هي الاخرى فشلا ذريعا في أولمبياد أثينا.
بيد أن خمسة رياضيين مصريين نشروا البهجة في الشارع المصري بعد أن حصدوا ميدالية ذهبية وأخرى فضية وثلاث برونزيات في الاولمبياد ذاته.
وفاز المصارع المصري كرم جابر بذهبية وزن 96 كلج وحصل الملاكم محمد علي على فضية الوزن الثقيل ونال زميلاه أحمد إسماعيل ومحمد السيد برونزيتي وزن خفيف الثقيل والثقيل في حين حصل لاعب التايكواندو تامر بيومي على برونزية وزن تحت 58 كلج.
ولحقت سوريا بركب الميداليات الاولمبية بفوز ملاكمها ناصر الشامي ببرونزية الوزن الثقيل أيضا. وسيظل التاريخ الرياضي يتذكر الرابع من نيسان/أبريل من هذا العام لانه اليوم الذي استضافت فيه مملكة البحرين الجولة الثالثة من بطولة العالم لسباقات سيارات فورمولا واحد.
وهي كانت المرة الاولى التي يقام فيها هذا النوع من السباقات التي تحظي بمتابعة مئات الملايين من البشر في منطقة الشرق الاوسط.
وعلى صعيد رياضة السيارات أيضا حقق الاماراتي خليفة المطيوعي إنجازا فريدا بفوزه ببطولة كأس العالم للراليات الصحراوية الطويلة كما توج مواطنه الشيخ خالد القاسمي بطلا لرالي الشرق الاوسط.
أما على صعيد المرأة العربية فقد شهد هذا العام تراجعا واضحا لها في المنافسات القارية والعالمية وخسرت الميدالية الذهبية الوحيدة التي سبق للعرب تحقيقها في أولمبياد سيدني بفضل العداءة الجزائرية نورية بن عيدة مراح في سباق 1500 م.
لكن المرأة العربية لم تخرج بخفي حنين على أي حال من أولمبياد أثينا بفضل العداءة المغربية حسنة بنحسي التي حصدت فضية سباق 800 م. ومن المكاسب أيضا في هذا العام مشاركة العداءة البحرينية رقية الغسرة التي حققت رقما شخصيا وعربيا في سباق مئة متر وسلطت عليها أضواء الاعلام بسبب مشاركتها في السباق محجبة.
وأدى احتجاب المرأة العربية عن ممارسة الرياضة في دول كثيرة وتراجع تشجيعها على ممارستها في دول أخرى إلى تدني مستواها الرياضي بشكل واضح حتى على صعيد المنافسات المحلية.
وأشد ما يؤلم أن الرياضة العربية تعاني عموما من تقهقر واضح على رغم تحسن بعض النتائج.
وستظل آمال الرياضة العربية باللحاق بالركب العالمي على "كف عفريت" لان طموحاتها تنطلق أساسا من الطموحات السياسية لان كل شيء فيها يبدأ بالسياسة وينتهي بالسياسة.
واللافت حقا أن لا أحد لديه الاجابة الوافية الشافية حول أسباب هذا التراجع وكل ما قيل ويقال في نهاية كل عام هو مجرد اجتهادات لا تصلح من أجل تصحيح المسار إلا إذا دخل بعضها إلى حيز التنفيذ فعلا وفي مقدمها تحسين الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والمعيشية للرياضيين العرب وخصوصا من غير لاعبي كرة القدم.
والمؤكد أن تصنيع الرياضي البطل ليس بالامر الهين ويتطلب البحث في كل الظروف المحيطة به قبل مطالبته بتحقيق إنجازات أولمبية أو عالمية والمهم أن توفر له الادوات اللازمة للنجاح بطرق علمية وعملية لا من طريق التصريحات والندوات والبحث عن المبررات.
فالرياضة العربية لم تعد في حاجة إلى المزيد من المؤتمرات والندوات والاوراق والاقلام فهي سئمت حل مشكلاتها على الورق فقط وصارت في حاجة ماسة إلى ما هو أفضل من ذلك.