الليبراليون الجُدد.. لسانٌ وحنجرةٌ وقلمٌ للإيجار!

بقلم: سمير عبيد

الليبرالية نظام فكري وسياسي وتطبيقي جميل، وسيكون العمل والتوجه من خلاله محمودا، خصوصا عندما يؤمن الشخص الليبرالي بالصدق قبل الكذب، ويؤمن بالحق قبل الباطل، ويؤمن بالتجديد الملائم قبل التجديد المستورد، ولا يكون من صنف (المُنظّر على عماها)، حينها سيفرض احترامه على السامع والقارىء والمناقش والمحاور، لأنه ينظّر لفكر يلائم الواقع، ويصحح جزءا أو أجزاء من الخلل السائد.
لكن المشكلة التي وقع بها عالمنا العربي، حيث قسم من الذين تقاعدوا أو طُردوا أو بقايا أيتام المدارس الماركسية، والاشتراكية، وقسم من المدارس الإسلامية، وحتى بقايا الإقطاع والملاكين، جمعتهم أهداف مشتركة، ليكوّنوا طيفا ليبراليا جديدا وغريبا في برنامجه ورؤاه، وهم الليبراليون الجُدد، هؤلاء الذين نظرتهم للمنطقة العربية جغرافيا وسياسيا واجتماعيا تشوبها الغرابة والضبابية، حيث نمى هذا التيار تحديدا بفترة ولاية الرئيس بوش الأب، والذي بشّر بالنظام العالمي الجديد، ولكن هذا الطيف انتكس تماشيا مع خسارة الرئيس بوش الأب، وبقاء الحزب الديموقراطي ممثلا بالرئيس كلينتون على رأس الإدارة الأميركية، وقرارات البيت الأبيض، لذلك تقوقع هؤلاء داخل المراكز الإستراتيجية، وداخل المنظمات غير الحكومية، وفي أروقة الجمعيات المختلفة و التي تمد يد الود إلى اللوبي اليهودي ثقافيا وفكريا، ولكن عندما فاز الرئيس بوش الابن وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، وكشّر التيار المحافظ والمتشدد عن أنيابه، وطرح شعار الحروب الإستباقية، والحملة على الإرهاب، ومن ثم مطاردة التيارات الإسلامية، هرول هؤلاء أي الليبراليون الجدد ليدس هؤلاء أنفسهم في البرامج والمعاهد والمراكز والجمعيات التي أسسها أو أحياها التيار المتشدّد في الإدارة الأميركية، لأنه تيقن أن مسامير ماكينة المشروع الأميركي، والسنة المشروع الأميركي الرخيصة والجاهزة هم هؤلاء، لهذا قررت الإدارة الأميركية دعمهم بشكل مباشر وغير مباشر، ونحن نعلم تداخل المشروع الأميركي مع المشروع الصهيوني المراد تطبيقه في المنطقة، لذا فالذي يناصر المشروع الأميركي يصبح من الطبيعي ان يناصر المشروع الصهيوني والإسرائيلي للمنطقة، والذي يراد منه تفتيت البلدان، ونهب خيراتها، وتغيير خارطة المنطقة جغرافيا وسياسيا واقتصاديا وحتى اجتماعيا، للوصول إلى التناحر تحت إمرة إسرائيل وحماية الولايات المتحدة.
ويمكننا القول أنهم في قائمة موحدة، كما يحصل في برامج الانتخابات العراقية، حيث عندما تجد شخصا مكروها من قبل العراقيين لبطشه وكذبه بجانب الشخص المحترم والجيد وبنفس القائمة، وعندما تُعطى الأصوات لأجل الشخص الجيد والمحترم فسيفوز الشخص المنبوذ والمكروه بطريقة أتوماتيكية وبغطاء الشخص الجيد، وهذا ما حصل ويحصل بين المشروع الأميركي والإسرائيلي، وهنا لا نريد أن نسدي الصفة الإيجابية على المشروع الأميركي البغيض، بل المثال من أجل التقريب ولربط الأمور ببعضها البعض.
فالليبراليون الجدد ما هم إلا جنود مرتزقة يعملون ضمن اتفاقيات، وعقود مبرمة مع الطرف الأميركي والإسرائيلي، وبعض القوى الدولية ـ دولية وعربية وإقليمية ــ والتي تتماشى مع المشروع الأميركي. فهؤلاء هدفهم الأكبر هو الكسب المادي والوظيفي. والليبرالي الجديد، والذي انغمس في المشروع الأميركي الإسرائيلي، هو كالأجير المؤقت الذي يكون غير مشمول بالتقاعد، والضمان الاجتماعي، والتعويض عند الإصابة، وغير مأسوف على رحيله عندما يصاب أو عندما يموت أو عندما يُصفى، لأنه أجير مؤقت، ويتيم لا أب له، بل وجد في خرائب المدارس الفكرية والسياسية القديمة، فجاء الأميركان فنفخوا الغبار عنهم وغسلوهم، ثم أدخلوهم في دورات تدريبية خاصة، وكل حسب ثقافته وعلمه ومركزه، وتم توزيعهم على جغرافية المنطقة والعالم، وكل حسب العمل والتوجيه المكلف به!.
يحمل هؤلاء الأقلام المسمومة، والحناجر النشاز، والهراوات ضد كل من يكتب أو يتكلم أو يحاضر أو ينبه عن خطورة المشروع الأميركي الجديد للمنطقة ــ مشروع التيار اليهودي المتطرف ــ في الإدارة الأميركية، والذي يؤمن ببسط النفوذ على المنطقة، وتحت الحجج التي أصبحت ــ كذبة القرن ــ وهي حيازة أسلحة الدمار الشامل، ودعم وإيواء الإرهاب، العلاقة مع تنظيم القاعدة، وانعدام حقوق الإنسان، ومناصرة الأقليات الدينية والإثنية في الدول. قلنا أصبحت كذبة القرن حيث افتضحت جميع الادعاءات والوعود الوردية في العراق بعد الاحتلال، حيث تبين أنه استعمار كولنيالي، استعمار حضاري، استعمار يحارب الفكر والثقافة والإسلام، استعمار يجسّد ثقافة الموت والدمار والانحطاط والعودة للقرون الوسطي، استعمار جسّد مبدأ النظام الجديد وهو ــ الديكتاتورية الديموقراطية ــ حيث فرض الاحتلال بقيادة الولايات المتحدة على العراق تركيبات وخلطات وتسميات سياسية ما أنزل بها من سلطان، والنتيجة دخل العراق في رحم تفريخ الديكتاتوريين واللصوص ومصاصي الدماء، دخل في نفق مظلم ليس فيه غير إهانة الأصيل وقتله، ودعم وتكريم الهجين والعبد، ليكون سيدا على الأحرار والاصلاء.
نعتقد أن الخطر الذي يشكله هؤلاء الليبراليون الجدد على الشعوب والأوطان أكثر بكثير من خطر الاحتلال نفسه، حيث قسم من هؤلاء تغلغل داخل شعوب وأوطان المنطقة، وقسم منهم أخذ يسمم بأفكار الأجيال، ويشتت بوحدة الشعوب، (أنهم لصوص البيت كما يقال)، والغريبة لا يجمعهم قاسم مشترك إلا التطوع الأعمى من أجل الكسب المادي والحصول على وظيفة ما، حيث تجد بينهم كثيرا من الأميين وأنصاف المثقفين، ولكن ورائهم وتدعمهم إمكانيات هائلة مادية وإعلامية وسياسية سخرتها الولايات المتحدة كي يخدم هؤلاء مشروعها في المنطقة، وهو تجزأة الكامل، وتفتيت المجزأ، وتغيير المناهج التربوية، وفصل الأحاديث الشريفة عن القرآن، وتبديل أئمة المساجد، وتوحيد الآذان، ومحاولة كتابة قرآن جديد يتماشى مع ما يريدون، لهذا جندوا لمشروعهم قسم من السياسيين ورجال الدين، وقسم من أساتذة الجامعات، وقسم من المفكرين والإعلاميين والصحفيين والشعراء والفنانين والعمال والفلاحين والنساء وغيرهم، وأسست لهم واشنطن، ومن أجل بسط مشروعها قسم من القنوات الإعلامية الفضائية، والصحف والمجلات، وفتحت لهؤلاء المراكز الإستراتيجية، والمعاهد البحثية، والجمعيات العاملة بمجال حقوق الإنسان، والطفل، والمرأة، والأقليات، والمذاهب وغيرها كي يخلط هؤلاء الأوراق على الشعوب والدول والأجيال. وفي الجانب الآخر تحكومات وحكام يتفرجون، ويقدمون التنازلات تلو الأخرى مقابل البقاء في دفة الحكم، حتى وإن تقف لبت منهم واشنطن إبادة نصف شعوبهم، وتقديم خزائن بلدانهم بحجة الإرهاب أو بحجة الاختراق وغيرها من الحجج الواهية، فتجدهم يقدمونها لواشنطن مع السجود!.
تتميز تصرفات هؤلاء الليبراليين الجدد بالعنجهية، والفوقية، وطول اللسان، وقسم كبير منهم يجيد لغة الشارع والسوق المتدنية اتجاه من يخالفهم في الرأي أو الفكر أو التوجه، فتراهم يشنون الحملات التسقيطية الشنيعة ضد الخصوم، سواء كان الخصم سياسيا أو أكاديميا أو صحفيا أو رجل دين أو حتى فلاحا.
نعتقد جازمين أنهم بلا مشروع بل هم ــ عربات للدفع ــ وببغاوات تلقن بالفاكس والموبايل لينفذ هؤلاء ما يُطلب منهم، حيث ليست لهم مدرسة فكرية أو سياسية أو أيديولوجية يمكن الرجوع لها، بل هم هجين من أطياف سياسية وفكرية واجتماعية بالية ومتروكة، جمعها المال وطلب الوظيفة والبروز مقابل الرقص في الحلبة دون نقاش ودون اعتراض!.
أنه زمن الانحطاط الفكري والأخلاقي.. وزمن بيع الضمائر بعملة الدولار! فشر البلية ما يُضحك!. سمير عبيد، كاتب وسياسي عراقي samiroff@hotmail.com