تأبين المسعدي: الرواية العربية والأرض

بقلم: السيد نجم
هل كان المسعدي يبني سدا ام يهدم آخر؟

الأرض هي ذاك التعيين المكاني، تكتسب الدلالات و المعاني بما يتجاوز ملامحها المادية، فتكتسب بعدا روحيا و قيما عليا، حتى أن التحقق الإنساني ذاته لا وجود له دون ذلك الحضور الباقي دوما للأرض.
هي البقعة الإقليمية التى يكبر فوقها الفرد، فتغدو بذرة فى الذات الفردية و الجماعية.. ولا يبقى دونها إلا الفداء بالروح و الدم. ولا البذل من أجلها فى "الصراع" إلا لأنها فى "السلم" أعطت.
للأرض حضورها المميز فى الإبداع منذ القدم.. صورها الشاعر العربي القديم بتصوير ديار الحبيب، و لما تركته صور أطلالها.. كما تجلت بحضور مختلف. والآن يمكن أن نقول: أن الصراع من أجل الأرض ليس إلا دفاعا عن الذات بكل ما تتضمنه من معاني الوجود و الحياة نفسها.
تبدت الأرض فى الإبداع العربي و الرواية خصوصا على أشكال عدة و رؤى مختلفة، و أن اتفقت فى مجموعها على أنها الرحم و النماء. لقد نالت الأرض ما تستحقه فى الإبداع الروائي خصوصا، بل و زادت عددا بعد نكبة 1948 م فى فلسطين.. و هذه نماذج منها. رواية الأرض.. "الأرض المكان" صدرت هذه الرواية للمرة للكاتب "عبد الرحمن الشرقاوى" عام 1954م. تعبر بشدة عن الأرض بوصفها "المكان" المهدد غير الآمن، و قد تعرض سلام الأرض للخطر، و نتيجة للاستلاب فقد الناس الإحساس بالأمن و السلام، فضلا عن إحساسهم باغتصاب.
فالرواية تعرض للعلاقة بين الفلاح و الأرض.. التى هي الشرف و العرض. و التراث الشعبي عموما زاخر بالسخرية من ذاك الذي يهمل أو يبيع أرضه. لكن ماذا يكون الحال إذا تعرضت الأرض للاغتصاب..؟
إن جوهر الصراع فى تلك الرواية ينبع أساسا من ذلك التوحد الوجداني البارز بين الفلاح و الأرض. إذا لم يجد الكاتب أية مشقة فى إقناع القارئ أن يجعل من حادثة استيلاء الباشا على جزء من الأرض سببا مقنعا للصراع.
فالأرض هي مصدر الخير من مأكل و مشرب، وهى المأوى.. بها يصبح الفرد فى مكانة اجتماعية خاصة و ترفع من شأنه.. و أن برز فى الرواية أن الأرض هي التحقق للإنسان البسيط بل وجوده كله.
رواية "الوباء".. الأرض المعنى
تعتبر رواية "الوباء" للكاتب "هاني الراهب" من الأعمال الروائية التى تناولت فكرة الأرض من زاوية خاصة.. ألا وهى الأرض المعنى.
فقد قدم الأرض من خلال تلك الأجيال المتوالية، جيلا بعد جيل.. مختلفا و متنوعا فى الخصائص و الملامح، ولا يثبت إلا الأرض المكان التى تحولت الى معنى. فالأرض تبدو جلية فى بداية و نهاية الأحداث المتصارعة، و هي التى تكشف عن المتناقضات بين الأفراد (أفراد سلالة الشيخ السنديان).
فالجد الأكبر "السنديان" نال مكانته الاجتماعية و سلطانه بسبب الأرض.. و على مدار قرنين، جيلا بعد جيل تتوالى الأجيال و المصائر. وتعبر الأرض عن نفسها بل عن دورها عندما يموت الجد الأكبر و تبدأ عملية تقسيم الأرض.. حيث يبدأ الصراع، و تنكشف دخائل الناس، لتكشف العيوب.. كل العيوب. رواية "قدرون".. الأرض المكان و المعنى و المستقبل رواية " قدرون" للكاتب الفلسطيني "أحمد عوض" (المقيم داخل فلسطين) تبدو و كأنها جمعت ملامح النموذجين السابقين، مع ملمح الرؤية المستقبلية.
الأرض هنا ورثتها الأبناء جيلا بعد جيل، إلا أن الجيل الجديد أهمل الأرض.. الوحيد الذي حافظ عليها و بذل الجهد و العرق، فاكتسب صفات أكسبته مكانة متميزة بين الجميع.. وهو ما يبرز سمة أهمية الأرض المكان و المعنى.
يوم أن تواردت الأخبار بوجود الكنز فى جوف الأرض..بدت الرؤية المضافة هنا. الأرض المستقبل، الحلم / الحقيقة، و بدا يشارك بالفكر فى طرق التنقيب عن الكنز.
أما و قد تم اكتشاف الكنز.. الحقيقة، كانت مرحلة جديدة من الرواية، حيث معنى الخصب و النماء و الأمل و الجمال. كيف لا تعنى ذلك و الكنز هو تمثال من الذهب "بعل و عشتاروت" الذي يعنى كل تلك الرموز و المعاني..؟
فلما تآمر الحفيد "على" و قرر بيع الأرض الى أحد اليهود الأمريكان، يبدأ صراع من لون جديد بين عثمان الجد و الحفيد. خلال تلك المرحلة من الصراع يتعرف القارئ على جانب تأريخي هام حول تلك الأرض، يذكرها الجد و يسرد بطولات كانت و مضت كافح فيها الأباء عن الأرض نفسها.
بدت الأرض الماضي و المستقبل، و الحياة المطمئنة.. لكنه أعلن عن استعداده للحرب و هو الجد العجوز، ليس من أجل الحرب و لكن من السلم و المستقبل السعيد. رواية "السد".. الأرض الرمز نشرت هذه الرواية للمرة الأولى خلال عقد الخمسينيات من هذا القرن، كتبها الروائي التونسي "محمود المسعدى".
لقد اكتشف "غيلان" ينبوعا غزيرا و فقرر أن ينشئ سدا يخزن خلفه المياه لتتمكن الناس من الاستفادة من المياه المخزنه فى الزراعة. إلا أن البعض لا يرضيهم ذلك، يحاربون أفكاره وتحركوا كي يمنعوه فعلا.
لولا أن "ميارى" الشخصية الرمزية، لعله الخيال.. وقف الى جانبه مشجعا. ويبدأ غيلان العمل، و كانت المفاجأة حيث ثار العمال أنفسهم و حطموا السد الذي بدا وقد شارف على الانتهاء. بل سعى بعض العمال الى قتله.. لذا فكر جديا فى عدم معاودة المحاولة، لولا أن الخيال أو ميارى حثه من جديد لمعاودة المحاولة. لكن يبدو أن السماء غير راضية عليه فقد تهدم السد، قدره أن ينهار السد كلما شارف على الانتهاء.
يعتمد العمل على خلفية فلسفية مع توظيف فنى للرمز كي يقول لنا الروائي: هكذا الحياة، وحتى السلم لا يخلو من الصراع. السيد نجم mb_negm@hotmail.com